الشيخ سيديَ بابَه وموقفُه من نازلة الاستعمار (ح4)

اثنين, 29/12/2014 - 16:07

(حقائق -تساؤلات -تحليلات -تصويبات -وثائق)

أحمد بن هارون ابن الشيخ سيديَ

ahmedharoune@gmail.com

الحلقة الرابعة:

مدخل عامّ؛

رسالة للشيخ سيديَ بابَه حول الجوانب السياسية والذاتية للموضوع؛

الأسس الشرعية لموقف الشيخ سيديَ بابَه؛

أولا: مسألة نصب الإمام ومعالجة السيبة؛

1- هل كان سلاطين المغرب يشكلون حلا لأزْمَتَي الإمامة والسيبة؟

رسائل الشيخ سيديَ بابَه في ضرورة نصب السلطان ومعالجة السيبة.

مدخل عامّ:

لمَّا أراد الباحث المتمرِّسُ، الدكتور يحيى ولد البراء، تحليلَ رسائل وآراءِ الشيخ سيديَ بابَه الفقهية في محاضرة له بعنوان: "الشيخ سيديَ بابَه بنُ الشيخ سيدي محمد وفِقْهُه (رجعةٌ إلى مسألتَي الاجتهاد والإمامة)"، مهَّدَ لذلك بقوله:

«وهكذا فإنني لمَّا فكرتُ مَلِيًّا في عَرض صورة عن فِقْه هذا العالِم المجتهد، وجَدْتُني أمام فقهٍ جَمٍّ ونظرةٍ للأحكام متميزة، تحتاج إلى من يكون متسلِّحا جسورا منثورَ الكنانة ذا اطِّلاعٍ ودُرْبة؛ وهي أمور لا يدركها إلا قعيدٌ بالعلم وهيهات! فلقد كانت لهذا الرجل، كما كانت لآبائه من قبلُ، انشغالاتٌ وهموم كبيرة تبدو للناظر على أكثر من مستوى. فهو رجلُ سياسةٍ حاذقٌ بتسيير الأمور، بصيرٌ بتدبير الشأن العام، كاد أن يتفرَّد بالأمر والنهي في عموم الإفريقية الغربية؛ وهو مصلح اجتماعي حاول تثبيت الأمن واستتبابه، وسعى إلى توحيد مجموع القبائل المتناحرة في مفهوم أمة واحدة وتحت سلطان مركزي زاجر. وهو علَم من أفراد العلماء المَأْمُونِي الفهْم والنقْل، كاد بما كتَبَه من آثار أن يُمثِّل مرحلة متميزة من تاريخ الفقه في هذه المنطقة. ولا غرابة في ذلك ففضلا عن تكوينه العلمي المتميز، كانت له نوافذُ عدَّة على التراث الإسلامي لشتى المذاهب الفقهية ونشطَ في اقتناء كتبها، حتى لَيُذكَر أنه اجتمعت بين يديه ذاتَ ليلة مائةٌ وأربعةٌ من كتب المذهب الحنفي!»[1]. انتهى الاستشهاد.

وسيبدو، بالفعل، لمن غاص في مذهب الشيخ سيديَ بابَه الذي ذهب إليه في هذه النازلة، أنه لم يأتِ من فراغ ولم يصدُر عن هَوًى أو ارتجال أو شكّ... وإنما كان نابعا من تجربةٍ سياسية موروثٍة، واجتهادٍ دينيٍّ مؤصل، وجانبٍ عظيم من الورع والمسؤولية، وقراءةٍ للواقع، مسلَّحةٍ بحظٍّ وافر من الثقافة والاطِّلاع وسَبْرٍ لمكنونات كثير من المصادر والمراجع، التي لم تكن واسعةَ الانتشار حينَها، خصوصا في هذه البلاد.

وقد يتحتَّم التذكير هنا بأن الشيخ سيديَ بابَه، رغم موافقته على دخول القوات الفرنسية إلى بلاده، فإنه من المعلوم ضرورةً أنه ليس هو المسؤولَ عن دخولها، وأن قرارا من ذلك القبيل ليس بيده، كما أنه لا قِبَلَ له ولا لغيره بصدّها أو حتى تأخير دخولها أو تعجيله.

يُضاف إلى ذلك أن الشيخ سيديَ بابَه ناقش الأمرَ برَوِية، وبصفة مباشرة وغير مباشرة، مع قادة المجتمع وأصحاب الرأي والمشورة من أهله وجيرانه، كما ناقشه مع ممثلي البعثات الاستعمارية، محاولا الحصول منهم على أكبر قدر من الضمانات الدينية والأخلاقية والسياسية والتنموية.

وقد أبان للجميع عن تصوُّر سياسي ومستقبلي واضح للمسألة، وبسط لذلك حججَا شرعية كثيرة، لم يخرج في أيّ منها أو يشُذّ عن إجماع الأمة أو أقوال إمام متّبَع أو مذهب معتبَر، أو تأويل سائغ فى الشرع.

وسيلاحظ القارئ، ابتداءً من هذه الحلقة، زيادةً في المقاطع التحليلية والمقارنات المنهجية المقتضبة، وسيتم التركيز في هذه الأخيرة على تراث شخصين اثنين، يمثل كل منها اتجاهه:

أما الأول فهو الشيخُ سيديَ بابَه، موضوعُ هذه السلسلة، وأبرزُ شخصية مهادنة للاستعمار، في نظَر مؤرخي نوفمبر على الأقل!

والثاني هو الشيخُ ماء العينين وحضْرتُه، وقد تمَّ التركيز عليه لعدة أسباب، من أهمها أنه كان صاحبَ مشروع اجتماعي ورسالةٍ دينيةٍ وطموحٍ سياسي يرقَى إلى إقامة نوع من السلطة والنظام على أكبر رقعة ممكنةٍ من منطقته. والأهم من ذلك كله، أنه كان يمتلك من الأدواتِ والخلفياتِ العلمية والشخصية والأخلاقية ما يؤهله لذلك.

وربما يلاحظ القارئ من خلال رسالة الشيخ سيديَ بابَه حول الجوانب السياسية والذاتية للموضوع، وما يعقبها من كلام الشيخ ماء العينين وابنه الشيخ مربيه ربه، أن مواقف واجتهادات ومعلومات كل من الطرفين: المهادنِ والرافضِ، كانت تتباين أحيانا إلى حد تكفير هذا الطرف للآخر وتفسيقه، أو رفض نشاطه وتسفيهه... لكن تفادِي ذكر الأشخاص بأسمائهم وأعيانهم كان هو الأسلوبَ الغالبَ على الجميع.

رسالة الشيخ سيديَ بابَه حول الجوانب السياسية والذاتية للموضوع:

«بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وسائر الصالحين. أما بعد، فإنه لا يخفى ما كان في هذه البلاد السودانية والبيضانية أقاصيها وأدانيها منذ أزمنة طويلة، لا يُعلم أولُها، من أنواع الفساد والتقاتل وجَوْر الوُلاَة وحِرابة المتلصِّصِين والسَّرِقة ونحو ذاك من صعوبة المعاش، لعدم الأمن والسُّفن البحرية والبرية، ومِن فساد الدين بالكفر وأنواع الفِسق مما ذُكر وغيره. ولا يخفى ما حدث فيها بسبب دخول الدولة الفرنساوية من أضداد تلك الأمور واستحالتها إلى صلاح.

ولا يخفى أن منازعيها الآن لا يريدون إلا أن لا يزالوا جبَّارين في الأرض كما كانوا هم وآباؤهم. ولا يخفى أن من انضم إليهم من المنتسبين للعلم والصلاح أحدُ رجُلين: إما صاحبُ غرض فاسد، من حُبِّ مَحْمَدَةٍ أو جَلْبِ منفعة عاجلةٍ منْ عَرَضٍ أوْ وَجاهة أو محبَّةٍ لهم لقرابةٍ ونحوها، وإما مغفَّلٌ سمِع اسمَ الجهاد ولم يعلم أن له شروطا وأركانا مفقودة، وأنه الآن إنما هو فتنةٌ من الفِتَن، وأن الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصِدُها لم تُشرع؛ وأننا لو فرضنا أن هذه الدولة الفرنساوية خرجت من هذه البلاد طوعا أو كرها، لَمَا أمكن المُقامُ فيها بعدَها، ولَرَجَعَتْ إلى أعظم الفساد، وأن المتلصصين الذين معه وهو يُفتيهم بحِلِّ دماء المسلمين وأموالهم ويعينهم بيده وسَوادِه ومالِه، إنما ذلك مُرادُهُم، وأنهم ليسوا من الدين في شيء، وأن جهادهم هو الأوْلى، وأنهم إنما يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وأن المنتسبين للدين لا قدرةَ لهم على إصلاح الأرض، مع أن الجميع لا قدرةَ له على مقاومة الدولة الفرنساوية إلا ريثما يَضيع ويُضيع غيره من المسلمين؛ وكلُّ هذا واضح للعارف بالأحوال. فالمنازعُ لهذه الدولة الآن ساعٍ في فساد الأرض والمعينُ له بمنزلته. والصوابُ شرعا ورأيا دوامُ نصيحة الدولة وإعانتِها على إصلاح الأرض وحسن طاعتها، إذ لا يخفى ما في خلاف ذلك من الفساد.

والحكمُ يدور مع المصلحة حيث دارت، وتطبيقُ الأحكام على وقائع الأحوال لابد منه، وليس كلُّ أحد يُحسنه. والله تعلى هو الفاعل حقيقةً وكلُّ شيء بقضائه وقدَرِه، لا رادَّ لقضائه ولا معقِّبَ لحكمه.  وهو العليم السميع البصير الحَكَمُ العدْلُ اللطيفُ الخبير القديرُ. ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله رب العالمين. وكتبَ سيديَ بنُ محمد بنِ سيديَ 3 جمادى الأولى عامَ 1326»[2].

وسيعجَب المرءُ حين يقرأ رسائل عديدة وقرائن وشهادات موثقة، كانت بين يديْ الشيخ سيديَ بابَه، وكانت كفيلة بتأكيد كل كلمة مما ذكر في الرسالة أعلاه مِن تَورُّط أفرادٍ ومجموعات وقبائلَ في عمليات من النوع المسْتَبْشَعِ عند الشيخ وغيره من العلماء المهادنين، دون ذكر أو إشارة إلى أي من تلك الأحداث وأولئك المعنِيين. والحمد لله على عدم الحاجة إلى ذكر ذلك اليومَ أيضا!

غيرَ أن هناك حالتين لا بأس بذكرهما، لشهرتهما وكثرة انتشارهما في الشعر والوثائق والمؤلفات الحديثة، ولأن صاحبهما، أكثرَ من ذلك، كان متأوِّلا حسبما يبدو.

تتعلق الأولى بإغارة محمد المامون بن اعلي الشيخ بن محمد تقي الله على محمد بن عبد العزيز بن الشيخ محمد المامي وسوقه إبلَه[3]، فسار هذا الأخير على أثره مع وفد من قومه فلم يرد لهم شيئا منها. وفي ذلك يقول الشاعر محمد بن محمد خوي: 

يالطماع أنتوم ذ المال--محمد المامون ال كـال

كتوه أنتوم والفصال--ابلا مال أراه اتليـتُ

ول تمش ما ينكال--عنكم كون أراه اخليــتُ

بي باط أمت محمد--ما فيه حد أتل ريــتُ

نافع ماه محمدو--لا جيت ول ما جيــتُ

ولما جاء أحمد ولد الدَّيْدْ، بعد مكاتبته الفرنسيين وتكليفهم إياه بحماية مناطق آوكار، ونزل عند الشيخ محمد بن عبد العزيز بعد لحوقه بالمغيرين واستخلاصه لمنْهوباتهم جرَّاء "غَزِّي" تَكْبَه المعروف الخبر، قال ابن محمد خُويَ أيضا:

ول الديد أكلع شمن المال--أشرع ما كلع بالباطل

وعرفن عن ذ المال احــلال--فوت دهر اعليه إماطل

واعرف ول الديد أن اجمال--محمد ما يغدُ باطـل.

ومعروف أن الشيخ محمد عبد الله بن زيدان بن غالي بن المختار فال البوصادي كان أصدر فتوى بعنوان "تحريم نهب أموال المعاهدين للنصارى"، وقد حققها الدكتور حماه الله ولد السالم، ونشرتها دار الكتب العلمية البيروتية سنة 2013.

كما أورد المؤرخ الطالب اخيار بن الشيخ مامينا رسالة للشيخ أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين ينهى فيها عن التعرض لأموال محمد بن عبد العزيز بن الشيخ محمد المامي وآل بوحبيني[4].

أما الحادثة الثانية فتتعلق بإغارة محمد المامون نفسه على حضرة أهل الشيخ سعد أبيه عند اجريف وسوْق إبلهم وحَلْي بناتهم، وقد تعقبه الأمير أحمد سالم ولد إبراهيم السالم ورد ما نهبه[5].

ولا شك فيما سبقت الإشارة إليه من أن محمدا المامون هذا، الذي هو أحد أبطال المقاومة المشهورين، كان متأولا لما قام به، وأن أميرَه وابنَ عمه، الشيخَ مربيه ربه بن الشيخ ماء العينين، الذي عيَّنه يوم 5 مايو 1925م قائدا للجهاد في بلاد شنقيطي، كان هو الاخر متأوِّلا لنشاطاته، بوصفه عالما سبَق أن أصدر فتاوى في هذا الصدد[6].

أما تكفيرُ الطرف الآخر وتفسيقُه، دون ذكر للأسماء، فهو مطرد في أدبيات القائلين بحرمة التعامل مع المستعمر والبقاء تحت مظلته، بدءا بسيدي المختار بن أحمد بن الهادي ومحمد الخضر بن ما يابى قبل هجرته، وانتهاءً بالشيخ ماءِ العينين وبعضٍ من أكابر أبنائه العلماء وتلاميذه... مثالُ ذلك قول الشيخ ماء العينين في إحدى رسائله: «واعلم أنه لا يتكلم في هؤلاء الكفرة ولا يتكلم عن المتكلم فيهم إلا مثل من قال تعلى: "ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما" أي مفرطا في الخيانة مصرا عليها منهمكا فيها»[7].

وقول ابنه وخليفته الثاني الشيخ مربيه ربه في "لبانة المجاهدين": «والخوفُ على الأهل والمال لا يبيح ترك الهجرة. ومن رضي بالمقام مع الكافرين، فهو مارق من الدين ومنخرطٌ في سلك الملحدين. ومن هاجر معهم وحصل له ندم لضيق معاش أو عدم انتعاش، فلا رخصة له في الرجوع ولا عذر. ولا يُباح لأحد الدخولُ إلى بلادهم، حيث تجري عليه أحكامهم؛ وهذا أمر معلوم من الدين ضرورةً. ولله درُّ القائل:

ونهجُ سبيلي واضحٌ لمن اهتدى—ولكنها الأهواء عمَّتْ فأعْمَتِ»[8].

وعندما يقف قُرَّاءُ الحلقات القادمة من هذه السلسلة على نماذجَ مما يحويه أرشيف رئاسة الحكومة الإسبانية والمكتبة الوطنية بمدريد من مراسلات وتقارير دالَّة على عمق وحميمية العلاقة التي كانت تربط الأسرة الكريمة بالمملكة الإسبانية، من لدُن ألفونسو XIII إلى الجنرال فرانكو، مرورا بمختلِف الحكام ورؤساء البعثات الاستعمارية الإسبانية، سيظن هؤلاء القُرّاء أن الشيخين وغيرَهما من كبراء الأسرة قد غيَّروا وجهةَ نظرهم في هذه المسألة. والحق أن العلاقة سبَقت الرسائل والفتاوى المذكورة أعلاه وأعقبتها، ليبقى الباحث أمام احتمالين اثنين:

الاحتمال الأول، أن يكون المشايخُ قد قصدوا في فتاواهم الاقتصارَ على نصارى فرنسا، وغابت عنهم مكانةُ إسبانيا التاريخية بين الإمبراطوريات الاستعمارية، وعداوتُها للمسلمين من عهد ألفونسو VI وملوك الطوائف والمرابطين، إلى أن احتلوا الصحراء الغربية عامَ 1884م ولم يخرجوا منها إلا سنة 1975م. وهذا الاحتمال مستبعَدٌ إلى حدٍّ كبير، لأننا لا نتحدث عن مشايخ وعلماء عاديين، وإنما نتحدث أيضا عن قادة سياسيين محنكين، بلغوا بهِمَمِهم وسَعةِ آفاقهم مستوى التعاطي والتعاون مع أمم عربية وإسلامية وأوربية عديدة. بل إنَّ طموحهم وصل حدَّ الاستيلاء على العرش العلوي[9].

أما الاحتمال الثاني، وهو الأقرب إلى الظن، أن تكون السياسية والظروف والسعيُ وراء مصالح المسلمين وأهالي المنطقة هي التي دفعت هؤلاء الأجلاء المأموني الفهم والمسؤلية إلى مهادنة نصارى إسبانيا، كما هادن جُلُّ مشايخ ووجهاء موريتانيا الدولة الفرنسية. وسيأتي ذكر نماذج من ذلك كله في الحلقات المقبلة، إن شاء الله تعلى.

الأسس الشرعية لموقف الشيخ سيديَ بابَه:

يقول في بداية الفتوى المفصَّلة التي كتبها في الموضوع: «أردت في هذه الرسالة التنبيهَ على أمورٍ: منها ما جعل الله في السلطان من المصالح؛ ومنها أنه إذا لم يكن العدلُ إلا بالسلطان المخالف في الدين المتغلِّبِ بشوْكته فالدخولُ في طاعته أوْلَى؛ ومنها أنه لا تجب الهجرةُ عنه عند عدم التعرُّض للدين، كما هو  الواقع، ولا سيما مع عدم الإمكان وعدمِ وجودِ أرضٍ لائقة يُقام فيها الدين كما ينبغي، لا سبيلَ للدول المسيحية عليها، كما هو الواقع؛ ومنها أن إعانةَ بعضِ المخالفين في الدين على بعضهم، أوْ على المحاربين المفسدين في الأرض، لا بأس بها إذا طلبوا ذلك، ولا سيما عند الحاجة إليها»[10].

وسيتم التعرُّضُ لهذه الموضعات وغيرها انطلاقا من أربع رسائل للشيخ سيديَ بابَه، تُعتبر في مجموعها متكاملة ومغطيةً لمُجْمَل المباحث والأسئلة ذاتِ الصِّلة؛ وهي:

رسالته الموجهةُ إلى العلامة سيدي مُحَمَّد بن أحمَد ابن حبت الغلاَّوي؛

ورسالتُه إلى أهل أطارْ وغيرِهم من أهل آدرارْ؛

ورسالتُه إلى أهل السنغال وإفريقية الغربية؛

ورسالتُه في أخبار البلاد البيضانية الصحراوية المغربية (أخبار إمارتي إداوعيش ومشظوف)، بالإضافة إلى مقتطفات من فتواه الطويلة الخاصة بالموضوع، مع الاستعانة بغيرها وقتَ الحاجة.

وسيكون ذلك تحت العناوين الفرعية التالية: مسألةُ نصْب الإمام ومعالجة السيْبة؛ طاعةُ المتغلِّب الكافر الذي لا يتعرّض للدِين؛ موالاةُ الكافر وموادَّتُه؛ مسألة الحِرابة وأوْلوية علاجها في هذه البلاد؛ فصلٌ في أحكام الجهاد؛ فصلٌ في أحكام الهجرة؛ ثم الخاتمة.

أولا: مسألة نصب الإمام ومعالجة التسيُّب:

أورد الشيخ سيديَ بابَه في مقدمة فتواه المفصّلة الخاصة بنازلة الاستعمار مقطعا من "سِرَاج الملوك" لأبي بَكْرٍ الطُّرْطُوشيِّ يقول فيه: «ومثالُ السلطان القاهرِ لرعيته، والرعيةِ بلا سلطان، مثالُ بيتٍ فيه سراج منير وحوله فئامٌ من الخلق يعالجون صنائعهم، فبينما هم كذلك طَفِئ السراج فقبضوا أيديهم للوقت وتعطل جميعُ ما كانوا فيه، فتحرّك الحيوان الشرّيرُ وخشخشَ الهَامُ الخسيسُ، فدبَّتْ العقربُ من مَكْمَنِها وفسَقَت الفأرة من جحرها وخرجت الحيَّةُ من معدِنها وجاء اللّصُّ بحيلته وهاج البرغوثُ مع حقارته، فتعطَّلت المنافعُ واستطارَ فيهم المضَارّ.

 كذلك إذا كان قاهرا لرعيته كانت المنفعة به عامّة، وكانت الدماء في أهلها محقونة والحرُمُ في خُدورهنّ مَصونة والأسواق عامرة والأموال محروسة والحيوان الفاضل ظاهرا والمَرافقُ حاصلةً والحيوانُ الشِّرِّيرُ من أهل الفسوق والدّعارة خاملا. وإذا اختل أمر السلطان دخل الفساد على الجميع.

ولو جُعل ظلمُ الناس حوْلاً في كِفة كان هَرْجُ ساعة أعظم وأرجح من ظلم السلطان حولا؛ وكيف لا وفي زوال السلطان أو ضُعف شوكته سوق أهل الشر ومكسَبُ الأجناد ونَفاقُ أهل العيارة والسُّوقَةِ واللصوصِ والمناهبة. قال الفضيل: "جوْرُ ستين سنة خيرٌ من هَرْج سنة". ولا يتمنى زوالَ السلطان إلا جاهلٌ مغرور أو فاسقٌ يتمنى كلَّ محذور»[11].

لقد تبيَّن الشيخ سيديَ بابَه، على حدِّ قول الدكتور إزيدْ بيهْ، من خلال إعمال النظر في التجارب السياسية لأسلافه، أن محاولات عدة لنصب الإمام قد انتهت إلى الفشل، فلقد تبين أن البلاد منذ عهد المرابطين لم تخضع لسلطان مركزي يجبي الأموال المحتاج إليها في كل شيء ويبسط الأمن والعافية ويحفظ الأموال والأهلين ويعمر الأرض ويفجر العيون لينعم أهلها بالرخاء ويرفلوا في حلل النماء[12]. انتهى الاستشهاد.

هل كان سلاطين المغرب يشكلون حَلاَّ لأزمتيْ

الإمامة والسيبة القائمتيْن في البلاد؟

إن من متطلبات الجهاد التي اتفق الشيخ سيديَ بابَه والشيخُ ماء العينين وغيرُهما على رُكْنيَّتها، وجودُ إمام منَصَّب يبايعه أهل البلاد ويوحِّد كلمتَهم ويحْميهم من التهديد الخارجي والداخلي ويسوسهم بالشرع.

وبالفعل رأى الشيخ ماءُ العينين أن الشرط قد تحقق له بعد اتصاله المباشر بسلاطين المغرب الشرفاء الضاربين في العراقة، وانفتاحِ الباب له على مصراعَيْه لربط علاقة متينة معهم، بلغت حدَّ أخذ السلطانين: مولاي عبد العزيز وملاي عبد الحفيظ نفسيْهما وِردَ القادرية الفاضلية على يد الشيخ ماء العينين!

ومن نَظَرَ في كتاب المؤرخ الطالب اخيار بن الشيخ مامينا بن الشيخ ماء العينين، المسمَّى: "الشيخ ماء العينين (علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوربي)"، خصوصا الصفحة 197 وما تلاها، ورسائلَ السلطان مولاي عبد الحفيظ إلى الشيخ ماء العينين، في الملحقين الحادي عشر والثاني عشر، يدرك مدى عظمة الشيخ ماء العينين وعمقِ العلاقة الروحية والمكانة السامقة التي كان يحظى بها عند سلاطين المغرب[13].

وقد خصَّص المؤرخ الكبير العلامةُ محمد بنُ مولود بنِ داداه إحدى مرافعاته أمام محكمة العدل الدولية سنة 1975 لمسيرة الشيخ ماء العينين، من بيريبافه إلى تيزنيت، وذلك في إطار ردِّه على الوفد المغربي والبرهَنَة على أن الشيخ كان شنقيطيا طيلةَ الثلثين الأولين من حياته، رافضا أن يتم اختزالُه في الثلث الأخير، قائلا:

«خلالَ السنوات التي سبَقت دخولَ الفرنسيِين أرضَ موريتانيا (1890-1900) نرى الشيخ ماءَ العينين يرسم خطوطا أُولى للتقرُّب من المحيط الرسميّ المغربيّ. فقد رأينا أنه ما إن وصل تأثيرُه إلى القبائل التابعة للمغرب، خاصة قبيلةَ تكْنَه، حتى بدأ في عَقد اتصالات دائمة مع مريديه وتلامذته في هذا البلد، وزار السلطانَ مولاي عبد العزيز عدة مرات. ولم يأت من الفراغ ما لاحظه المراقبون الأجانب وقتَها من معاملة السلطان وحاشيته للشيخ معاملة الشخصيات الأجنبية السامية».

ويضيف محمد بن مولود: «على أية حال، كان الشيخ ماء العينين آنذاك الشيخَ الروحيَّ للسلطان، بالمفهوم الطرائقيِّ للكلمة! ولا داعي لتذكير المحكمة بتفاصيل هذه المرحلة، ففي العروض المغربية والكتابات المذكورة أعلاه ما يكفي من ذلك.

كانت تلك المرحلة تحضيريّة للقابل من الأيام والأحداث. فقد شرعت فرنسا، خلال الأسابيع الأخيرة من سنة 1902، في احتلال بلاد شنقيطي. وقد تبنَّى الشيخ موقفا معاديا لذلك وقرَّر مقاومةَ الفرنسيين، بناءً على قناعته الدينية. أما أخواه الشيخُ سيدي الخير والشيخُ سعد أبيه، الموجودان بأقصى الطرفيْن المتقابليْن من بلاد شنقيطي، فإنهما قد نظرا إلى هذه النازلة من زاوية أخرى مغايرةٍ تماما. فقد رأيا أن الشروط الأساسية لمقاومةٍ فعَّالةٍ غيرُ متوفّرة، وأن مهادنةَ الفرنسيين، بالتالي، تعتبر أكثر حكمة. وقد ذهب مَذهبَهما أكثرُ المشايخ والأمراء وشيوخِ القبائل.

أما من حاولوا القيام بنوع من المقاومة، فقد توجهوا إلى المناطق التي لم يتمّ بعدُ احتلالُها، فالتحق بعضُهم بالشيخ ماء المعينين عند السمارة. والكل وجّه نداءَه إلى المغرب، البلدِ المسلمِ المجاورِ الوحيدِ الذي كان وقتَها مَظِنةً لدعم المقاومة ضد الفرنسيين وأداءِ واجب نصرة المسلمين. وكان بعض هؤلاء، ممن ذكرنا في مداخلة سابقة، قد استنصروا بتركيا، بلدٍ آخرَ مسلمٍ ومستقلّ، يُتوخَّى فيه الحَلُّ والمقدرةُ على حماية الإسلام.

قد يجوز لنا، في هذا الوقت بالذات، أن نعتبر أن الشيخ ماءَ العينين أصبح مغربيا»[14]. انتهى الاستشهاد.

أما الشيخ سيدي بابَه، رغم علاقاته وعلاقات سَلَفِه الوثيقة بسلاطين المغرب، إلاَّ أنّ مسافاتٍ جغرافيةً أطول بكثير كانت تفصله معهم، كما كانت للشيخ نظرةٌ أخرى وتجربة مباشرةٌ في هذه المسألة بالذات، مفادُهما أن عظمة سلاطين المغرب وتاريخهم الطويل، لم يَحُل يوما دون وقوع الفوضى والاقتتال فيما وراء "بلاد المخزن"، المسمَّى "بلاد السَّيْبَة". وهذه التسمية معروفة لدى المغرب الرسمي وغير الرسمي، كما أنها مطَّردة في كتابات وتآليف الشناقطة، وفي مقدمتهم الشيخُ ماء العينين.

ومِنْ مظاهر انتشار السيبة فيما وراء "بلاد المخزن"، أن أقرب منطقة من بلاد البيضان إلى مركز القرار ونفوذ الشرفاء العلويين كان مسرحا لكثير من التقاتل والتناهب الدائمين، حتى إن الشيخ ماء العينين، الذي كان حرما آمنا، يهابه البغاة وتوقّره القبائل، لم يسلَم من النهب! بل نُهِبَتْ لِقَاحُه (شَوَائلُه) حسب عبارة المؤرخ عبد الودود بن أحمد مولود بن انتهاهْ الشمسدي[15].

والأهمُّ من هذا وذاك أن المغرب، البلدَ العربيَّ المستعصى تاريخيا على الجيش العثماني؛ والذي كان يشكل، مع الحجاز، الاستثناء العربي الوحيد من دخول الاستعمار، بدأ يفتح أبوابه للغزو الأوربي.

يقول محمد ولد مولود بن داداه: «فاحتلال موريتانيا من قِبَل فرنسا تزامن تماما مع دخول قوات هذه الأخيرة إلى المغرب، ليكتشف من هاجر هناك من الشناقطة أنهم وقعوا، دون علم، في مصيدة كبرى! فالمغرب الذي أصبح خاضعا للضغوط المعروفة، لم يعد مؤهلا لأداء واجب النصرة الذي وُجّه له. أوقف دعمَه للشيخ ماء العينين، بعد أن أُعطي الأوامرَ بإيقاف الأسلحة والتموينات التي كانت تأتيه على شكل سِلع مهرّبة...

أما الشناقطة المهاجرون، فقد رجع بعضهم إلى موريتانيا الفرنسية وبقي البعض في المغرب، بينما توجَّه آخرون إلى المشرق، حيث ما زال أحفاد بعضهم موجودين اليومَ هناك، كالسيد محمد الأمين الشنقيطيّ، وزير أردني سابق وسفير حالي للمملكة الهاشمية لدى العربية السعودية. وقد كان لأحد هؤلاء المهاجِرة الموريتانيين شأنٌ مع لورانس العرب شماليَّ الحجاز، حيث قتله هذا الأخير سنة 1917»[16]. انتهى الاستشهاد.

ولإدراك مستوى التناقض والتبايُن بين المعلومات والأخبار التي كانت ترِد على الشيخين: سيديَ بابَه وماءِ العينين بخصوص الأحداث والتطورات السياسية المتسارعة في المغرب، ما على المرء إلا أن يقرأ الرسالتين التاليتين:

أما الأولى فهي رسالة من الشيخ ماء العينين نفسِه إلى ابنه الشيخ حسَّنَّا، مؤرخةٌ بالسادس والعشرين من محرم عامَ 1426 هـ (سبتمبر 1908م)، يقول فيها: «وبشر نفسك وبشر المسلمين بأن النصارى، ولله الحمد، صاروا منسفلين وعن البلاد منحسرين، لأجل إقامة مولاي عبدالحفيظ للجهاد وتبريحِه به وتحريضِه للمسلمين عليه، فقد بلغنا أنه هزمهم مرارا وأنهم صاروا يطلبون منه الصلح بالمال وهو ممتنع إلا أن يكتبوا له بأيديهم أنه غلبهم ويرسلها له النصارى...!»[17].

أما الرسالة الثانية فهي مؤرخة بالخامس من رجب 1322 هـ (أكتوبر 1904م)، وقد وُجدت بين رسائل عديدة كانت تَرِدُ على الشيخ سيديَ بابَه من خارج البلاد، خصوصا المغرب، لم يذكر صاحبُها اسمَه، ربما اتكالا منه على تميُّز خطه، وقد بَدَا في غاية الاطلاع وحسن البيان وجمال الخط، جاء فيها ما نصُّه:

«وأما ما سألتم عنه من أمر الغرب (المغرب)، فإني تركته، أي أهلَه، على ثلاثة أقسام: فالفلاحون، وهم أهل الحراثة، في غاية الضيعة لما يؤخذ منهم من الأمكاس والضرائب. وأما أهل المدن الكبار فإنهم مستريحون. وأهل الجبال لا يستقر رأيُهم، فتراهم مرَّةً ثائرين على السلطان، ومرَّةً يفتِكُ بهم السلطان فيقطع رؤوسهم ويعلقها في الأسواق ليزدجر بهم الناس. وما سألت عنه من أمر الثائر على السلطان مولاي عبد العزيز، فإنه استبد بقريب من ثلث مُلكه، وقد ملَك من بلاده المشهورة: وجدة وتازة والريف. أما عبد العزيز فإنه خرج بنفسه في محالّه فلم يحصل على طائل، بل اشتد الأمر على جنوده فأكلوا البغال لما لاقوه من الجوع، ثم رجع إلى فاس.

ووقعت مسألة أبدت ضعف السلطان، وهي أن رجلا من أهل الجبال اسمه الرسوليُّ هجَم ليلةً على طنجة فأتى بيتَ نصرانيٍّ من جنسٍ منهم يقال له أَمرِيكْ (أمريكا) فأخذه، فلما وصل الأمر إلى عبد العزيز كرَبَه هذا الحديث فعلِم أنه إن قتله يشتدُّ عليه الأمر، لعِلمه بما سيلقاه من جماعة الأمير، فأرسل إلى الرسوليِّ لخَلاصِه فامتنع أن يردُّه إلا بشروط منها: أن يخرج من حبسه كلُّ مَن كان فيه من قبيلته، وأن يعطيَه عشرةَ آلاف ريالٍ، أيْ أوقية، وأن يجعلَه قائدا، فَفَعَل.

وأما أمرُ النصارى مع الغرب، فإن الفرانس  (الفرنسيين) اتفقوا مع انكليز (الإنجليز) على أن انكليز يستقلِّون بمصرَ، فلا يعارضُهم الفرنسيون إلا ما كان من أمر الشَّرْع (قناة السويس)، وهو نهرٌ حفَرَه الفرنسيون تمُرُّ فيه البَوَابِيرُ (البواخر) وله أموال كثيرة تؤخذ من الحجاج. ثم إن انكليز رفعوا أيديهم عن الغرب، أي الطمع فيه، إلا ما كان من أمر جبل الطارق، وهو جبل بينه وبين طنجة قريبٌ من ساعتين، وهو تحت سلطة انجليز، وقد حصَّنوه بحصون عجيبة.

والفرنسيون بدءوا يقرضون عبد العزيز الأموالَ الكثيرة بِرِبَا النسيئة ليملكوا بلادَه. وقد بلغني قريبا أن أهلَ سُوسْ وأهلَ الحَوْز قاموا عليه الآن ولم أتحقق هذا...

وقبل أن ينتقل صاحب الرسالة إلى أخبار البلاد الأخرى التي يمُرُّ بها أو يسْكُنها، بدأ يردُّ بالتفصيل على سؤال سابق للشيخ سيديَ بابَه عن أمر السُّكنى بالمغرب، معبِّرا له عن جمال الأرض وخصبها وغلاء الأسعار هناك، وأن أغنى الأغنياء عندنا يعدُّ هناك فقيرا معدما...»[18].

وهنا يتضح، دون أي جهد إنشائيٍّ أو نفَسٍ دفاعيٍّ، أن الشيخ سيديَ بابَه، ومن شدة تأثُّره بحالة البغي والظلم السائدة في بلاده آنذاك، كان يفكر بشكل جدِّيٍّ في الرحيل إلى بلد آخر كالمغرب وغيره. وقد قال في إحدى رسائله: «ولولا وخامة تلك الأرض على البيضان لارتَحلْنا إليها منذ سنين ورأيناه أصلحَ لسائر المسلمين»، يعني الأرضَ الإفريقية، التي دبَّ فيها شيءٌ من الأمن والنظام وتيسَّر فيها الحجُّ وسائرُ العبادات بعد دخول الاستعمار إليها، على حدِّ قوْله.

وسَيسْتسِيغُ الباحثُ، من خلال الرسالة المذكورة أعلاه، أن جوابَ الشيخ سيديَ بابَه المشهورَ لمبعوث السلطان المغربي لم يأتِ من فراغ.

فقد كتب الشريفُ مولاي إدريس، ابنُ عمِّ السلطان المغربي ومبعوثُه إلى الشناقطة، رسالةً إلى الشيخ سيديَ بابَه يستحثه فيها على مبايعة السلطان واللحاق بمشروع المواجهة مع الفرنسيين الذي بدأ يتحرّك شمالَ البلاد، مؤكدا له أن السلطان سيحميه ويحمي البلادَ من الأخطار الداخلية والخارجية... فأجابه الشيخ سيديَ بابَه، قائلا: «ومن يحمي السلطان؟»، اطِّلاعا منه على طَرَفٍ ممَّا يجري في المملكة العلوية والبلاد الأخرى المحيطة وعلى موازين القُوى في المنطقة. فما دامت الحواضر العربيةُ والإسلامية الأخرى قد تم غزوُها، كالجزائر وتونس ومصر واليمن والشام والعراق، فإن وصول الغزاة إلى المغرب لن يكون إلا مسألةِ وقت. وهذا ما تم بالفعل، وأُعلن عنه رسميا سنة 1912م.

يقول الشيخ سيديَ بابَه، تعليقا على رسالة مولايْ إدريس المذكورة: «وأما السلطان فلم يَحْمِها هو ولا أَحَدٌ من أسلافه طرْفةَ عيْن من الظلم القائم فيها منذ خُلقتْ؛ ولا دليلَ أقوى من المشاهدة. وهذه الغاراتُ والحروبُ متصلة الآن ليلا نهارا، فأين السلطان؟ وأين؟ واتواتْ وتينْبُكْتُو أقربُ إليهم وأكثرُ ذِكْرا لهم؛ وكذلك سبتة من بلاد المغرب الأقصى والأندلس. كما أن مِصْرَ وتونسَ أقربُ إلى السلطان العثماني وأكثرُ ذِكْرً ا له وأقلُّ سَيْبَة»[19].

أما تجربة الشيخ سيديَ بابَه المباشرة الخاصةُ بهذه المسألة، فهي أن جدَّه الشيخ سيديَ الكبير سبَق أن عوَّل على هذه النقطة بالذات دون جَدْوَى. فقد كتب إلى السلطان سيدي محمد بن عبدالرحمن مستنجدا[20]؛ وذلك في إطار مشروعه المتكلَّم عليه سابقا والمعروف لدى الدارسين المحليين والأجانب، والرامي إلى خلق مؤسسة جهادية وسلطة سياسية وأخلاقية تجمع إمارات البلاد في ما يشبه "كونفدرالية" إسلامية، "تفكُّ الأسرَ أو تَحْـــمي الذِّمَار"! فاعتذر له السلطان ووعده بإرسال ذلك المدد عند أول فرصة.

ومن طرائف التاريخ أن الشيخ سيديَ الكبير كتب للسلطان المغربي يطلب التزويد بالمدافع، يقصد بذلك البنادق، فحسب السلطان أنه يريد المدافع الثقيلة، لأن أهل السلاح كانوا يميزون آنذاك بين المدافع والبنادق، فأجابه السلطان بأن المدافع لا يتوفر لديه الكثير منها في ذلك الوقت. ويُقال: لو أن الشيخ سيديَ طلب من السلطان بنادق بدلَ المدافع لأمده بالكثير منها، نظرا لعلاقة روحية ولقاء مباشر سبق أن جمعه بالسلطان سيدي محمد الرابع وأبيه المولى عبدالرحمن[21].

والشاهد في هذا كله، أن وصول المدد المغربي إلى روابي أبي تلميت في تلك الظروف كان أمرا صعبا لطول المسافة بين فاس وأبي تلميت وما يحول بينهما من عراقيل جيوسياسية معروفة. يُضاف إلى ذلك أن الغاراتِ الكثيرةَ لم تزَل تأتي من ذلك الاتجاه، قبل الاستعمار وبعده، دون أن يكون لشرفاء المغرب أو أي سلطة أخرى في الدنيا تدخُّلٌ فيها أو قدرةٌ على منعها. فمَن بعد سلاطين المغرب يمكن التعويل عليه آنذاك في هذه المهمة؟

رسائل الشيخ سيديَ بابَه في ضرورة نصب السلطان ومعالجة السيبة:

يقول الدكتور يحيى ولد البراء: «لقد عالج الشيخ سيدي بابَه مسألة التسيب وكيف لازمت هذا المجتمع منذ أحقاب حتى قدوم الفرنسيين أيام المد الاستعماري، وبَدْئِهم إدارةَ البلد والإشرافَ عليه. وأشار إلى أن ما قد يحصل من محاولات سلطوية في بعض أجزاء البلد كالإمارات والمشيخات، لم ينْفِ أبدا سِمَةَ السيبة والفوضى عن عمومه. فهذه الإفريقية الغربية، حسب تعبيره، لم تزل منذ قرون كثيرة بلادا سائبة يتقاتل أهلها ويتظالمون ويفقدون مصالح عظيمة ومرافق كثيرة إلى أن غلبت عليها الدولة الفرنساوية فحقنت الدماءَ وحفظت الأموالَ وأصلحت الأحوال. ويشير إلى أن بعض من ضُرب على يده عن ظلم كان يعتاده أو كُلف بشيء من مصالح الأرض التي لم يكن يعرفها ربما تسخَّط من هذا الواقع وغفل عن مصالح هي أعظم في دخول هذه الدولة ونسي مفاسد هي أدهى وأمرُّ كانت حاصلة قبلها»[22]. انتهى الاستشهاد.

وجاء في رسالة الشيخ سيدي بابَه الموجّهَة إلى أهل أطارْ وغيرهم من أهالي آدرارْ: «فإن هذه البلاد الصحراوية منذ قرون في سَيْبة ما كان يُرجَى زواُلها قبل هذا الأمر. ولا يَخفَى ذلكُم. كما لا يخفى أن ما يُتخيَّل في بعض الأوقات من زوال سيبتها غير حقيقي، إذ لا يرتفع به التقاتل والتناهُب والتظالم، وإن كان في بعضها أكثر منه بالنسبة إلى بعضها.  ولا يخفى ما في السيبة من مفاسد، والعيان فيه مُغْنٍ عن البَيان، إلى ما في كلام العلماء والحكماء، مثل قول مالك والثوري: "سلطانٌ جائرٌ ستِّين سنةً خيرٌ من أُمَّةٍ سائبةٍ ساعةً مِن نهار". وأمثاله في سراج الملوك والرهوني وكنون، أولَ بابِ الباغية، منه كفاية»[23].

ويقول في رسالته الموجهة إلى العلامة سيدي محمد بن أحمد بن حبَتْ: «ولا يخفى أن المسلمين في هذا القطر البيضاني الآن أسوأ حالا وأضيع أنفسا ومالا بسبب ذلك من السودان الذين في مِلْكَة هذا الجنس منذ حين. بل لا نسبة بينهم وبينهم. فهؤلاء في عذاب أليم وأولئك في نعيم. مع اتفاقهم على أن دينهم، منذ مَلَكَهُم، لم يزل في زيادة صلاح. فقد كان جلُّهم كفرةً فصار جلُّهم مسلمين. وكانوا يتقاتلون دائما ويتناهبون وينهبون مَن دخَل أراضيَهم من تجَّار المسلمين. فصارت الحالُ بخلاف ذلك كله. وصارت أرضُهم الآن جنةً من جنان الدنيا أمنا وعافية ومعاشا، وتيسَّر الحجُّ وسائرُ العبادات، والأسبابُ فيها غاية. فليس شيءٌ أرفقَ ببيضان هذا القطر ولا أصلحَ لهم من أن يصيروا مثلهم. ولولا وخامةُ تلك الأرض على البيضان لارتحْلنا إليها منذ سنين ورأيناه أصلحَ لسائر المسلمين»[24].

ومصداقا لما جلبه من زيادة نسبة المسلمين في البقاع الإفريقية الغربية بعد دخول المستعمر لها، كان الأستاذ الأمريكي شارل استوارت، المتقاعدُ من كرسي الدراسات الإسلامية بجامعة إيل انوي، كثيرا ما يستغرب تلك المفارقة، مؤكدا أن نسبة المسلمين في تلك الربوع لم تكن آنذاك تتجاوز خمسةً في المائة، فانتشر الإسلام فيها كانتشار النار في الهشيم، رغم كل الجهود التنصيرية التي بذلتها الكنيسة والإدارة والأمن.

ويضيف الشيخ سيديَ بابَه قائلا في هذا المضمار: «وقد علمنا حال المغرب الأوسط المعروف بأرض الجزائر وقد ملكه الفرنسيس منذ نحو سبعين عاما، وحالَ تونس وقد ملكوها منذ نحو ثلاثين سنة، وحالَ اتْوَاتْ وسائرِ التَّكْرُورْ. وقد علمنا حالَ مِصْرَ والهندِ وجَاوَه وهَوْصَة بعد مُلك الإنجليز لهم، فلم يزل الدين قائما في هذه الأصقاع وأهلُه في عافية. وإن قُدِّرَ بعضُ المفاسد، فمفسدةُ السيْبة أو الحرب مع العجز عنها أعظم. ومِنَ القواعد المجمع عليها: وجوبُ ارتكاب أخف الضررين وتركُ أعظم المفسدتين»[25].

(يتواصل بحول الله تعلى)

 

[1]- د. يحيى ولد البراء، الشيخ سيديَ (بابَه) بن الشيخ سيدي محمد وفقهُه (رجعة إلى مسألتي الاجتهاد والإمامة) أعمال ندوة أبي تلميت، 19-20 محرم 1427هـ، 18-19 فبراير 2006م، دار الكتب العربية، بيروت، ط1، 2011. ص233.

[2]- نسخة أصلية بخط صاحبها، في مكتبة أهل الشيخ وسيديَ بأبي تلميت.

[3]- القصة مؤصلة في العديد من المراجع، من بينها على سبيل المثال كتاب الأخبار للعلامة المؤرخ هارون بن الشيخ سيدي، وكتاب عبد الودود ابن انتهاه، كما أن هنالك مراسلات بين الشيخ محمد بن عبد العزيز والشيخ سيدي بابَه ذات صلة بالموضوع.

[4]- الطالب اخيار بن الشيخ مامينا، الشيخ ماء العينين "علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوربي"، ج2، ط2، 2011، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الملحق رقم 21، ص 496.

[5]- عبد الودود بن أحمد مولود بن انتهاه الشمسديُّ، نيل الأوطار في الغامض من الحروب والأخبار، مخطوط، أحداث 1344 هـ. وانظر أيضا الطالب اخيار بن الشيخ مامينا، المصدر السابق نفسُه، ص 444.

[6]- الطالب اخيار بن الشيخ مامينا، المصدر السابق نفسُه، ص 439,

[7]- الطالب اخيار بن الشيخ مامينا، المصدر السابق نفسُه، ص 94,

[8]- الطالب اخيار بن الشيخ مامينا، المصدر السابق نفسُه، ص 103.

[9]- أعلن الشيخ ماء العينين نفسَه سلطانا للمغرب سنة 1910م. واستولى ابنه الشيخ أحمد الهيبه على العرش سنة 1912م، كما هو معروف.

[10]- نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ.

[11]- نسخة أصلية بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[12]- د. إزيد بيه بن محمد محمود، "الشيخ سيديَ بابَه.. الوزنُ الاجتماعي والسياسيُّ وهَمُّ السلطة المركزية"، أعمال ندوة أبي تلميت، 19-20 محرم 1427هـ، 18-19 فبراير 2006م، دار الكتب العربية، بيروت، ط1، 2011. ص 189.

[13]- الطالب اخيار بن الشيخ مامينا، الشيخ ماء العينين "علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوربي"، ج2، ط2، 2011، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ص197 وما يليها.

[14]- محكمة العدل الدولية، مذكرات ومرافعات ووثائق، الصحراء الغربية، المجلد IV، العروض الشفهية، العرض الشفهي للسيد محمد ولد مولود، ممثل الحكومة الموريتانية، ص 391.

[15]- عبد الودود بن أحمد مولود بن انتهاه الشمسديُّ، نيل الأوطار في الغامض من الحروب والأخبار، مخطوط، أحداث عام 1343 هـ.

[16]- محكمة العدل الدولية، مذكرات ومرافعات ووثائق، الصحراء الغربية، المجلد IV، العروض الشفهية، العرض الشفهي للسيد محمد ولد مولود ، ممثل الحكومة الموريتانية، ص 391.

وقد بسط الدكتور حماه الله ولد السالم كثيرا من حالات الهجرة الشنقيطية إلى المشرق في كتابه: "موريتانيا في الذاكرة العربية"، مركز دراسات الوحدة العربية.

[17]- الطالب اخيار بن الشيخ مامينا، المصدر السابق نفسُه، ص 486.

[18]-  ستُنشر الوثيقة أو جزءٌ منها في الحلقة الخاصة بالوثائق، إن شاء الله.

[19]- مخطوط أصلي بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[20]- النسخة الأصليةُ المحتفظُ بها من تلك الرسائل موجودة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[21]- أحمد بن الأمين، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، ت فؤاد سيد، المدني، ط4، 1409هـ-1989م، ص241.

[22]- د. يحيى ولد البراء، الشيخ سيديَّ (بابَه) بن الشيخ سيدي محمد وفقهه "رجعة إلى مسألتي الاجتهاد والإمامة"، أعمال ندوة أبي تلميت، 19-20 محرم 1427هـ، 18-19 فبراير 2006م، دار الكتب العربية، بيروت، ط1، 2011. ص 251.

[23]- نسخة أصلية من الرسالة في مكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[24]- رسالة أصلية بخط صاحبها في مكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت.

[25]- المصدر السابق نفسُه.