هل عارض ولد الشيخ سيديا نونية الشريف الغرناطي

سبت, 27/12/2014 - 10:59

 

لا يمكن أن تنقطع الآصرة الثقافية بين شعراء وفقهاء المنكب البررخي وبين جيرانهم المصاقبين من أهل المغرب الأقصى ووراث الأدب والعطاء الأندلسي، ولا يتأتي هذا الانقطاع، في ظل اتصال عميق ودائم بين هذا الأدب الموريتاني والآداب الإسلامية في عصورها الجاهلية والعباسية والأموية
ولعل ظلت الشعراء الموريتانيون حريصون على صلة الرحم الأدبية، عبر المعارضات والتضمنيات، وباب المعارضة في الشعر الموريتاني واسع بارز، وتزداد مع الزمن زحمة القصائد بين رتاجيه.
وإذا كانت المعارضة في الأصل تعني اعترافا من الشاعر المتأخر بجودة ما أنتج سابقة وصلاحيته للتمثل والاقتداء، فلربما عن للاحق من جودة المعاني وحسن الثراء وثراء المنزع، ووفرة الأخيلة وقوة التأليف الشعري، ما يفوق به سابقه.
وفي هذا السياق أرود مقطعات من نصين أولهما للشريف الغرناطي الأندلسي
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله المعروف بالشريف الغرناطي وهو مغربي سبتي الدار شريف النجار، ولد ببلدة سبتة في 6 ربيع الأول سنة 697 وعرف بثرائه المعرفي وتعمقه في معارف النحو واللغة والفقه
ومطلع قصيدته 
دعيني من مقال العاذلَيْنِ وخلِّي بين تَهْيامي وَبيْني
ومطلع قصيدة الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديا
أدمعا تبقيان بغرب عين
وقد عاينتما دار الكنين
وتتراسل القصيدتان في هذا السياق، تستثمران المعارف الثقافية لصاحبيها حيث الرموز والإحالات والنصوص الثقافية 
ومن مظاهر التناص
وحدة الإطار الموسيقي سواء تعلق الأمر بالبحر والروي، والقافية
ومن مظاهره أيضا التكثيف الدلالي عبر العلاقة مع الرموز ذات البعد الديني والتاريخ
نص الغرناطي
دعيني من مقال العاذلَيْنِ وخلِّي بين تَهْيامي وَبيْني
ومَنْ يَكُ سالياً فلديَّ حبٌّ سلوُّ القلبِ عنهُ غيرُ هَيْن
علقتُ فمقلتي للنوم حربٌ بأعزلَ وهو شاكي المقلتينِ
مليحِ الدل شاقتْ كلَّ قلبٍ شمائلُهُ وراقتْ كلَّ عينِ
جَنَى وحمى فلم أطلُب بثأري محاجرَهُ ولم أتقاضَ دَيْني
أهيمُ بخدِّه وَبمَبْسَمِيهِ فأنسب بالحمى والأبرقيْنِ
عقدتُ مع الغرامِ فبعتُ فيهِ وقاري والتصبرَ صَفْقَتَيْنِ
وهمتُ بناعمِ العطفين فيهِ عذابُ الصبِّ عذبُ المرشفيْنِ
تُدير عليَّ عيناهُ كؤوساً كانَّ سُلافهَا مِنْ رأسِ عينِ
فأحلفُ بالمحصَّبِ والمُصلَّى وأعلامِ الصَفا والمأزمِينِ
لأنتصرنَّ بالأجفانِ حتَّى تكونَ دموعُها في الحب عونيِ
وحينَ تعرَّفوا كَلْفِي وقلبي يصونُ السَرَّ عنهمْ كلَّ صوْنِ
كففتُ المقلتين لِيشهدا لي فَجَرَّحَتِ الدموعُ الشاهدينِ
فلو أبصرْتَ ناظريَ المعنَّى وماءَ الدمعِ فوقَ الوجنتينِ
بَصُرتَ بوردتين يسحّ منها سكيبُ القطْرِ فوقَ بهارتينِ
إذا أعرضتَ أعرضَ كلُ صبرٍ وآذنَ نومُ أحداقي بِبَيْنِ
ولم تبدُ الرياضُ بحسنِ زيّ ولم تزهُ الربا بكمال زينِ
كأنَ نسيمَها مما أقاسي يهبّ عليلهُ بالأبردينِ
كأنَ الزهرَ غبُّ سما بَكَتْهُ لما أبدي حمامُ الشاطئَينِ
أهيجُ لها الهوى وتهيجهُ لي فَنُلفى في الهوى متطارحينِ
وقد هاجَ الحمامُ الوجدَ قبلي لتوبة عندَ بطنِ الواديينِ
بعيشكَ هل ترى ثاني وحيدٍ يُرى بكَ ثالثَاً في النيربينِ
وهلْ يدنو من الآمال صبٌّ بعيدٌ بينَ هدبِ الناظرينِ
فإن يَكنِ الجمالُ حباكَ ملكاً وأيَّد ناظريكَ بحاجبينِ
فمَا أرضى لملكك أنَّ كسرى وقيصرَ في مقام الحاجبينِ
وإنّ أقلَّ حظٍّ يُبتغى من رضاكَ يفي بملْك الحارثينِ
تُخبِّرُني وفي عطفيك لينٌ فعالُكَ عن فؤادٍ غير لينِ
وأعرفُ في لحاظك ما رأتْ في ظبا الثقفي قاتلهُ الحسينِ
وألقي في الهوى بيدي ومَالي على فتكاتِ لحظك من يدينِ
علامَ الغبُ عني لا أغبتْ بكَ الخيراتُ هامية اليدينِ
ولا جرتِ الرياحُ عليك إلا صباً وسقى محلَّكَ كلُّ جونِ

وكان الشاعر محمد الحافظ ولد أحمدو
قد تتبع الأنساب الشعرية في ديوان الشيخ سيدي محمد فوصلها بقراباتها الأدبية في دواوين الشعر الجاهلي
والأموي والعباسي، حتى ليصدق فيها قول القافي، إن هذه الأقدام يخرج بعضها من بعض
وغير غريب عندنا أن يكون الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديا قد اطلع على نتف أو شيئ من شعر الشريف الغرناطي أو أن يكون في مكتبة والده العامرة شيئ من ذلك
فأعجبته هذه القصيدة أو منحاها وإحالاتها فنسج على ذلك المنوال
وزاد وأبدع وأحسنونقل المقصد من مجرد المحاكاة إلى استعراض المقدرة العلمية في معارف العصر حينها، قبل أن يخلص إلى هوى روحي راسخ رسيسه في الفؤاد وشغف بالبيت العتيق، والأرض المقدسة 
ويصح أن لا يكون شيئ من ذلك أصلا، فالأمر مجرد احتمال والدليل إذا تعاورته الاحتمالات سقط الاحتجاح به
فيصح بهذه المنحي أن يكون الحافر الشعري قد وقع على الحافر
أو أن تلك الأقدام بعضها من بعض شعريا

 

نقلا عن صفحة دفاتر ثقافية