رواية الحالمة (الفصل الثاني) معركة القرية الهاجعة

سبت, 11/07/2015 - 10:14

محمدعبد الله بن الشيباني

كان الوقت هادئا والنجوم بادية مع زخات رصاص هنا وهناك وسقوط قذيفة وتحليق طائرة عن بعد ، ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة ، وقع الموكب في كمين للمظليين قامت بإنزالهم طائرة ألمانية على تل قد حددته "أكاثا" بعد فرارها عبر آلة  متطورة.

"انبطحوا أرضا لا تردوا على مصدر النيران"

- سيسحقوننا دعنا أيها القائد نقنصهم قبل أن يكملوا الإنزال

- ستقصفكم الطائرة ستعلمونهم مكانكم مجانا.

 بدأ المظليون الألمان يطلقون الرصاص في الهواء رجاء استسلام الجنود كانوا يبحثون عن المعلومات خاصة عن القادة الأربعة ، كانوا بالتحديد يبحثون عن "ميشل كلاس" الذي تعلموا اسمه بعد اعتقال خبير فك الشفرات "جان بيير"

فجأة رد أحد حراسه على النيران .

صاح قائد الكتيبة الألمانية وهو يشد يده على إصابته :

"أطلقوا عليهم النار"

"آلو  منسقية العمليات ، وحدة الإنرال رقم 1.1.7 النجدة لقد وقعنا في كمين النجدة لقد وقعنا فريسة لمعلومات خاطئة "

أرسل القائد الألماني تلك الرسالة بعدما فاجأته كثافة إطلاق النار في نفس التوقيت طلب نائب " ميشل كلاس" من وحدات المقاومة الفرنسية إغاثة القائد الذي تأكد أنه وقع هو الآخر في الأسر.

أنزل الألمان أكثر من سبعين مظليا فوق أعلى التل بينما حرك الفرنسيون دبابات كانت تحت الأرض باتجاه تلة مرتفعة على بعد كيلومتر ونصف.

أسقطت الدفاعات الطائرة الألمانية الوحيدة لكنها كانت قد أنزلت الجنود.. هوت الطائرة وأشعل وقودها الأشجار كان الشيخ العطشان بين جنود فرقة الدبابات المخبأة تحت الأرض .

وعلى ضوء وقود الطائرة المحترق أبصره القائد ملتصقا بجذع شجرة .. لم يتمالك عن دعوته بالحسانية وباسمه.

" محمد يا محمد "

تعانق الصديقان وتعاهدا تحت النيران على الدفاع عن وطنهم : عهدا ختمه محمد بقوله:

-  نحن الآن نعمل في معركة لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

العطشان: تدريب مُحكم ساقه الله إلينا.

" بهذه القدرات العالية سنكون أجيالا ستسطر أروع البطولات"

محمد و هو يعيد خوذته التي انتزعتها رصاصة وبصوت متهدج دهش

"الشعوب لا تحرر بالتدريب وإنما تتحرر بالعلم والعمل بزرع ثقافة المقاومة "

وبشعور المحتل بغلاء فاتورة سحق الأمم.

استدارت طائرة ألمانية و بدأت تقصف مكان الكتيبة.

احترق جزء من الغابة التي كانوا يختبئون فيها.

قال العطشان:

-    انظر محمد " لقد صار أمامنا الحريق وخلفنا المظليون الألمان"

يبدو أن هناك من أعطى لفرقة الدبابات أمرا بالرد

حقا القذائف تتجه مباشرة إلى مكان الألمان هذا هو الجنوب الذي يسمونه هادئا

لقد بدأ الحريق يلتهم الجميع أف على الأنامل التي وقعت في فيشي وثيقة الاستسلام ،

- وثيقة خير لنا

- نرجوا أن تكون كذلك لكن لا أحب مشاهد الاستسلام

- حتى لأعدائك

- أكره مشاهد تسليم السلاح ، ووثائق الاستسلام.

-      وضع محمد يده على أنفه "نحن الآن نكاد نموت اختناقا"

-      العطشان: وهو يدخل في نوبة من السعال كتمت أنفاسه لبعض الوقت

"سنموووت"

فقَدَ جنود فرقة الدبابات صوابهم بعد أن استهدفها القصف الجوي ودمر عشرين آلية  فدكوا مكان المظليين الألمان انتقاما من القصف الجوي.

كانت القرية الفرنسية "بيتيوا" الراقدة خلف  الربوة على موعد مع الكارثة حين استهدفها جندي فرنسي مذعور بثلاث قذائف دمرت أولاها البئر الارتوازية وأتت الثانية على خمس منازل واخترقت الثالثة جدار الكنيسة.

ووصلت الأمور إلى ذروتها حين أصابوا مخزنا للذخيرة لتتوالى الانفجارات العشوائية.

مكث الجميع نصف ساعة في ذهول واستسلام تام للموت

 قال محمد للعطشان :

"القذائف العشوائية ليست على علم بمكاننا"

- حقا ليست أهدى لموضع من موضع آخر

"هيا لنستغل هذه الفترة لنخرج من بين المتقاتلين "

-      محمد : أنا أعرف طريقا التفافيا للقرية  لكن هناك مشكلة

-  قال العطشان :

"مشكلة في الحل أحب إلي من مشكلة تصاحب العجز " فما المشكلة ؟

 كانا يزحفان عبر الحشائش في ذلك الطريق التي غيرت القذائف معالمها كاد العطشان أن يتراجع بعد أن انعطفت الطريق فأصبح لا يفصله عن الجنود الألمان غير مائتي متر.

 -     محمد : لا تفصلنا عن الكنيسة الآن إلا خمسمائة متر وهي أقرب مكان في القرية

- سر وحدك

- لن نفترق 

" و نظر محمد إلى العطشان نظرة استعطاف واستجداء لكن العطشان كرر بنفس اللهجة سر وحدك رغم أن نظرات محمد المستعطفة أثرت فيه " بعض التأثير.

- وضع محمد يده على كتف العطشان قائلا: أطعني في هذه ولك علي عهد أكيد أن ألبي لك أي طلب عزيز تطلبه مني إن سلمنا الله .

ثم أضاف محمد:

"المعروف دين في أعناق الرجال، الأيادي البيضاء كنز لا تدري متى تحتاج إليه".

ونطق العطشان ببط ء إشارة المواقفة:

-      بسم الله " ما للمغلوب كون إسامح"

لم يحتاجا إلى الإذن حين وصلا الكنيسة بعدما فتحت القذيفة الباب.. صعدا إلى برج الكنيسة الأعلى وهناك راقب القائد والجندي عن بعد معركة شرسة لا يفرحان فيها بانتصار ولا يحزنان بهزيمة، قبل أن يختطفهما النعاس إلى رحلة نوم عميق .

تجول العطشان داخل الكنيسة حين استيقظ زوالا فاستثارت فضوله قطعة لماعة و حين رفعها اكتشف صفان من البلاط المهشم أحالته إلى أخرى ليعثر على صندوق من خشب  فتحه بعد معاناة ليجد فيه جوهرة مكتوب عليها:

(... ـسـ....بل.....شم ......قال...................د........ابنة عباد حين علمت بأسر .... ومطاردة أهلي عمدت إلى أعز مالي فدفنته في أسفل هذا المسجد فمن رجا ... .فمــ..وجده فحق عليه أن يدعو الله لي بقية حياته وقد وقفت ثلثي قيمتها على سبيل الخير ونشر العلم إن كان من وجدها غير محتاج أو مدين و إلا فثلث واحد......."

استيقظ  القائد عليه وهو يقلب تلك الجوهرة ، خطا وهو يمسح النوم عن وجهه نحو تلك اللؤلؤة النادرة قائلا:

-      أين وجدت هذه

-      العطشان اقرأ هذه الرسالة .

-      محمد وهو يطويها برفق وحنان: هذه الجوهرة بيننا

-      العطشان "لا لا  سنردها ونُعفي أثرها وندفنها في مكان محدد حتى تنتهي المعركة" ثم أضاف وهو يتذكر ملامح القائد الذي استجوبه.

 "ثم هي لي"

 إذن أنت تستطيع أن تخرج هذه الجوهرة من فرنسا إذن هي لك.

-      أبدا.. ولكن سأشتريها من عندك.

في الخيمة الشرقية  من الحي و التي ذهبت صاحبتها إلى "السماكين" على شاطئ الأطلسي بعد أن أمرها الأطباء بشيِ السمك الطازج و الادهان بدهنه.. تذاكر الرجلان كل تلك الأحداث التي وقعت قبل أكثر من عقد من لقائهما في ليلة رأس الذُّرَيِّع.

 سأل محمد صاحبه :

"كيف نجوت من تلك الورطة التي تركتك فيها". 

- العطشان : انضممت بعد معارك الشط إلى معارك باريس فأسرني الألمان ثم أسرت أنا والقائد الألماني بعد تحرير باريس كتبت عدة خطابات أني جندي فرنسي ولست ألمانيا اقترح علي القائد الألماني ألا أعود إلى الوطن  إلا بعد تجربة  عسكرية طويلة

محمد بالألمانية تعلمت الألمانية

-      كنا نتكلم بالحسانية كان ذلك الضابط الألماني مكلفا بالاتصال بالمقاومين الصحراويين وببيع الأسلحة لأصحاب الشيخ ماء العينين ثم جاء الفرج و أطلق سراحنا أياما بعد الاعتقال وخيروني  أنا و أمادوا.

-      قاطعه قائلا دون مبالاة "من أمادُو

صاحب العربة التي أدخلتنا القاعدة الفرنسية

-      سبحان الله " وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان طول الدهر ألا تلاقيا"

- واصل العطشان قائلا .اخترت أنا وآمادو البقاء آمادوا أرسل إلى عائلته أما أنا فواصلت الخدمة حتى طردت بسبب  شجار مع فرنسي سب العرب في حفل تخرج

-      وأنت ؟

-      أنا خيرت بعد الحرب فاخترت العودة كنت أريد أن أقود النضال وأسطر الجهاد على صفحات المقاومة لكن بعد عودتي وجدت الوالدة امتنعت من الحضر فاندفنت هنا في هذه البادية حتى يفتح الله

-      قال العطشان :

"هل تتذكر وعدك لي في الكنيسة ليلة الجوهرة ؟

- أي وعد تقصد

"المسجد آه نعم بلى أذكر "

-      تذكر جيدا قالها وكتب على الرمل :

" المعروف دين في أعناق الرجال "

وبهدوء وابتسامة مرتجفة كتب العطشان تحت سطور محمد وبخط رديئ و إملاء مختل:

"ليادي البيضء كنز لا تدر متا تحتاج إليه"

أعاد محمد كتابة  الجملة مع بعض الترنم :

" الأيادي البيضاء كنز لا تدري متى تحتاج إليه "

وتحت سحابة الخجل التي أظلته انطلقت من فمه -وهو يلتفت ثم يزور عن محمد:

"إذن هات ثمن الجوهرة "

-      تنفس محمد الصعداء وأخذ نفسا طويلا وهو يستعرض تفاصيل المعركة حتى وصل إلى اللحظة التي نطق فيها بالوعد خُيل إليه أنه يسمع ذلك الحديث ، ففتح عينيه وهو يقول بأريحية وإصرار :

"لا تشفق علي يا عطشان ولا تتردد"

"لا تشفق علي يا عطشان ولا تتردد في طلبك والله لا تطلب شيئا في طاقتي و لا شيئا أملكه إلا لبيت طلبك".

ونطق بكلمات عجلى أطبقت فم محمد وحولت لون وجهه من زهرة تضرب في حمرة إلى غبرة تسبح في سواد ثم قال بعد صمت :

"أنا عند شرطي لك لكن تريث"

امتنعت الريم ومُنَى ولم تبد الوالدة رأيها كما هي العادة.. كان الأسبوع الموالي لذلك اللقاء أسبوعا صاخبا مثل أحداث تلك الحرب .. مرت الأيام الثلاثة الأول أمام فريقين:

 "العطشان وعجائز الحي مع قبول الخطوبة، ضد مُنَى و الريم مع حياد محمد والوالدة ومع بزوغ فجر ليلة السبت انضمت الريم وبقيت مُنَى وحيدة في وجه العاصفة "

عينت ليلة الجمعة الثانية من الشهر موعدا للعرس. كانو يشتهون الليالي المقمرة لسمر الأعراس أما منى فكان على عليها أن تقبل اغتيال حلمها الثاني "ابن عمها زَيْنْ" كما قبلت اغتيال حلمها الأول برؤية أرض ميلادها ..

جاء الأحد طويلا ثقيلا يزحف على قلب مُنَى بخطى متثاقلة.. وسمعت الريم تلك الفترة في يوم واحد ثلاثة أخبار سيئة عن ابنتها المحبوبة، سمعت أولا أنها كتبت شعرا مهذبا تعبر فيه عن الرفض ثم سمعت من محم خبرا بالغ السوء أنها تعتزم هجو الشيخ العطشان إذا زُوِّجت منه ، لكن الخبر الذي أفقدها التوازن جاء في رسالة من أهلها أن منى أَسَرَّتْ لإحدى صواحبها أنها ستنظم أبياتا في هجاء أصهارها إن ذهب بها إليهم .

 

و مع حلول الظلام تأخرت صلاة المغرب كان الحي بأكمله غارقا في الاستعداد في هذه المرحلة

العطشان كان غارقا في منازعات بين داعي هواه وبين صورة مُنَى وهي تهجوه بهجاء يحفظ و مستقبل أبناءه الذين هجت أمهم أباهم فيلغز لهم بذلك..

الريم هي الأخرى غارقة في لعن تعليم محمد لمُنَى الشعر..

 محمد كان في صراع مع الموقف الشرعي قرأ الحديث ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تزويج المرأة وهي كاره ونصوص المذهب في جواز جبر البكر وهو يلتفت مع ذلك إلى شناعة عدم الوفاء بالعهد.

 انتظرت الوالدة حتى دخل الظلام ثم مرت أمام محمد الذي لم يفطن لها وأمام الريم و تفطنت  لها دون أن تفهم من هي

كان الكل غارقا انعطفت على مُنَى الجالسة وجدتها تبكي مع بعض التنهد رفع محمد الأذان نادته لا تحرم بالصلاة أسرع إليها قائلا

-      الوالدة المسجد

-      الوالدة المسجد

لم تعره  أي اهتمام كانت تخطوا إلى المسجد غير مبالية  وهي تجر منى إلى المصلى جر كباش القرى إلى المذبح ورفعت كف مُنَى وهي تستدير نحو المصلين قائلة:

" هذه ابنتي مُنَى و و الله لن تتزوج هذه السنة.."

 دخلت مُنَى في حالة هستيرية من الفرح المبكي وعاودت محمد ابتسامة خفيفة لم يعرفها منذ أن بدأت فصول تلك الخطوبة الصاخبة.

 

إقرأ في الحلقات السابقة

لقد..سحرتني..الحالمة..تقديم..أحمدو.بن..وديعة

الفصل..الأول:مـــنى.

وطن..الأحلام

 

الزائر..الغريب

لوحة..السحر

الرحيـــــــل

المضيـــــــق

الشاعرة

الفصل الثاني : خطوبة صاخبة

مساء..إفريقي

التـــــيـــــه

ميشل..كلاس