حول استئذان الإمام/ الشيخ محمد يسلم ولد محفوظ

جمعة, 26/12/2014 - 13:16

عد إنشاء قانون المساجد والتضييق عليها سنة 2004 ترسخت ثقافة عند الإمام والمصلين عموما بل وأصبحت شبه فقه مسلم به عند الفقهاء وهي أنه لا يجوز التعليم ولا الإرشاد في المسجد إلا بإذن الإمام ومن تكلم دون إذن الإمام نهره المصلون وقاموا عليه كأنه أتى بمنكر عظيم واستباح بعض الأئمة ممن ينتسبون للعلم منع مساجدهم من الدعوة والتعليم لغيرهم. وكأن المسجد ملك لهم وحق التوجيه والتعليم مقصور عليهم . 
ذكرني هذا المعنى بما كان يحدثنا به شيخنا الإمام بداه ابن البوصيري رحمه الله تعالى عن القانون الصادر عن حكام قرطبة ونصه كما في الباجي " كان الولاة عندنا بقرطبة إذا ولوا القضاء رجلا شرطوا عليه في سجله أن لا يخرج عن مذهب ابن القاسم ما وجده " قال الباجي "وهذا جهل منهم، يريد لأن الحق ليس في شيء معين" مواهب الجليل
وكان الإمام بداه يقول "هذا قانون وضعي". يعني أنه مخالف للشرع وقد يظن البعض أن ما قاله الإمام كان ردة فعل على المتعصبين في زمنه لكن الأمر ليس كذالك بل إن العلماء نصوا على أن هذا الشرط باطل لأنه مخالف للشرع ففي مواهب الجليل نقلا عن كتاب التوضيح للشيخ خليل قال:" للإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه كالمالكي يولي شافعيا أو حنفيا ولو شرط أي: الإمام على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلا وصح العقد، وهكذا نقله في الجواهر عن الطرطوشي. وقال غيره: العقد غير جائز وينبغي فسخه ورده". ومثله في النوادر والذخيرة وابن فرحون وغيرها. 
وقد سبب هذا القانون مفاسد كثيرة منها مخالفة الراجح في مسائل في المذهب مثل السدل والرفع ونحوهما وقد قال العلماء: العمل بالراجح واجب لا راجح. 
كما سبب أيضا تقاطعا وتدابرا وتفسيقا وتبديعا بين العلماء وأتباعهم حتى صار العامة يشددون النكير على من رأوا منه فعل السنة.وحتى أصبح بعضهم لا يصلي خلف البعض.
بالإضافة كونه مخالفا للشرع. وانظر القصة التي ذكرها ابن العربي في الأحكام ونقلها القرطبي في تفسيره 
قال ابن العربي: ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه ، وهو مذهب مالك و الشافعي ، وتفعله الشيعة ـ قال ـ فحضر عندي يوماً في محرس أبي الشعراء بالثغر موضع تدريس عند صلاة الظهر. ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف الأول وأنا في المؤخرة قاعداً على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعي في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده في نفر من أصحابه ينتظر الصلاة. ويتطلع على مراكب المنار، فلما رفع الشيخ الفهري يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه. قال. قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترى إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا ؟ قوموا إليه فاقتلوه وارموا به في البحر فلا يراكم أحد، فطار قلبي من بين جوانحي؟ وقلت : سبحان الله ! هذا الطرطوشي فقيه الوقت، فقالوا لي : ولم يرفع يديه ؟ فقلت: كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت أسكنهم وأسكنهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي فأنكر، وسألني فأعلمته فضحك، وقال: من أين لي أن أقتل على سنة ؟ فقلت له: ويحل لك هذا، فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك ، وربما ذهب دمك. فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره. 
المقصود من هذا الاستطراد أن تدخل الحكام في تقنين الأحكام الشرعية بما يوافق هواهم يضر بالدين أكثر من ضرر مخالفة فقيه في مسألة من المسائل لسرعة شيوع الأول في خاصة الناس وعامتهم وتبني بعض الفقهاء خوفا وطمعا له،
وبذلك تصبح مخالفته منكرا عند العامة كما في مسألة استئذان الإمام على الكلام في المسجد عندنا.والتي لم تكن معروفة قبل مضايقة المساجد 2003* 2004 وكان الهدف منها هو منع الخطاب الشرعي في المساجد لأن الحكام يخافون من إنكار منكرهم وتوعية الناس لدينهم وحقوقهم فاحتالوا على الإمام فحملوه المسئولية ليصير عقبة في وجه الدعوة والتعليم فيعطل المسجد بحجة أحقيته في منع المسجد من الفوضى. 
ولا شك أن ذلك محرم لأن منع المسجد من وظيفته ممنوع بنص القرآن 
قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) 
ثانيا أن الإمام لا يملك إلا حق الصلاة بالناس فإذا انتهت فقد استوى مع سائر المسلمين قال تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وقد مر عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وهو إذ ذاك خليفة وإمام مر بحسان ينشد في المسجد فنظر إليه كأنه كره ذلك فقال حسان (لقد كنت أنشده بحضرة من هو خير منك يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كان استئذان الإمام لازما لما أنشد حسان إلا بإذن عمر الخليفة والإمام. 
وقد علل العلماء ندب انصراف الإمام عن المحراب فور سلامه بأنه لا يستحق المكان إلا بالصلاة فإذا انتهت فلا يستحق التقدم عليهم انظر الثمر الداني والقول الآخر أنه إذا غير جلسته عن هيئة الصلاة يكفيه ذلك وتكون العلة حينئذ خوف التلبيس على المصلين بأن الصلاة لم تنته.
قد يقول البعض إن الإمام هو ناظر الوقف ومسئول عنه الجواب أن الإمام قد يكون ناظرا للوقف وقد لا يكون ناظرا عليه وعلى كل حال فإن كان ناظر الوقف فمسؤوليته منوطة بالمصلحة وفي ما يدخل في اختصاصه وقد قال الله تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) 
فالله تعالى أمر برفع المساجد ومن رفعها تشييدها وتنظيفها وتطييبها ووضع المطاهر عند أبوابها وإقامة الدين فيها بالتعليم والتوجيه والإرشاد فعلى الإمام أن يدعو للمسجد من يعلم ويرشد فيه لا أن يمنع من يريد ذلك، فالله تعالى يقول (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).