العاشر يوليو: مسيرة التيه! بقلم/ م. محفوظ بن أحمد

جمعة, 10/07/2015 - 12:21

لن أنسى ضابط الصف الواقف على ملتقى طرق العيادة المجمعة مكان شرطي المرور وقائما بدوره.

كان الملفت للنظر أيضا أنه يقوم بتنظيم الحركة رافعا مسدسا بيده!

كان ذلك ضحوة العاشر من يوليو 1978م.

الإذاعة الوطنية تصدح بالموسيقى العسكرية ثم بالبيان رقم1 وما تلاه من بيانات...

توالت مسيرات وبيانات مع تعليقات الإذاعة، كلها تلعن النظام المقلوب وتعدد عيوبه، وترقص على الأنغام العسكرية واعدة بنعيم الرخاء وعميم التنمية والديمقراطية والحرية... الخ.

في النهاية ومنذ ذلك اليوم وما تلاه من تطورات سبع وثلاثين سنة شهباء مُمحلة، تتضح الخلاصة التالية:

كان الخاسر الأكبر من ذلك الانقلاب العسكري هو كيان الدولة نفسها. وكان التأسيس لاحتقار القانون والنظام، وبناء صرح النفاق السياسي الذي علا وارتفع.

وكان الرابح الوحيد من ذلك الانقلاب العسكري هو المختار ولد داداه الذي قاد تأسيس الدولة الموريتانية وجعلها، بكدٍ وشقاءٍ، كيانا قائما كاد يستقيم وينطلق على نهج الدولة الحديثة لولا تجاوز الطموح المشروع حدَّ الطاقة الفعلية قليلا... ولولا تقاصر بعض الهمم!

سقطت الدولة، التي ما تزال طرية العود تتلمس عقبات طريقها الطويل الموحش، في يد جنود أغرار لا يتمتعون بمعارف علمية ولا مهارات سياسية؛ فأصبح الضابط الصغير، الذي لا يتقن بَعدَ مَسك السلاح إلا لعب الورق، يدير وزارات ويتصرف في مليارات الأوقية بعد أن كان يتصرف في راتب لا يتجاوز كثيرا ثمانية آلاف أوقية... والضابط الكبير يتصرف في الجميع!

وكما هي طبيعة الأنظمة الانقلابية تحكمت الديكتاتورية في أثواب تتلون بألوان زمانها وظروفه الإقليمية والدولية، لكن ظل يجمع بينها نفس أسلوب الحكم وسماته البارزة؛ وهي الخوف والاضطراب، واتباع فلسفة "تمشية الحال" التي تعني في الواقع تسخير الدولة والمجتمع لخدمة رأس النظام، والاعتماد على الولاءات الضيقة في السياسة، وعلى رقاق الضمائر والمتملقين والفاسدين في الحكم والإدارة، وعلى إذكاء واستغلال القبلية العصبية للتحكم والسيطرة...

باختصار تعاورت هذا الوطنَ الضعيف أنظمة عسكرية لا هدف لها سوى السلطة، ولا يملك أي منها رؤية ولا قدرة؛ بل تتقاذفه هواجس الفزع الداخلي من عدم شرعيته، وعوامل العجز والفشل في الإدارة والتسيير بسبب الارتجال والفساد والاعتماد على الإمعات، وإقصاء ذوي الكفاءات العالية والضمائر الحية...

وطوال مختلف الحقب الانقلابية تحللت معاني الدولة وتلاشت هيبتها وهيض جناحاها، وسادت "الفوضى الهادئة" وتجذر الفساد حتى ألفه الناس وفقدوا الإحساس بمخاطره.

وعلى سبيل المثال لا تاجرٌ ولا مستثمرٌ اليوم يطمئن إلى حماية القانون أو يأمن من ابتزاز السلطة، من قمتها إلى أسفل أعوانها، كما لا يستطيع التنبأ بحجم الضرائب والغرامات التي ستفرض عليه في المرة التالية، وقد ينتظر هولها فينجيه الإهمال كلية منها... ولا موظفٌ مرتشٍ يعلم أحدٌ اليوم هل سيُطرد ويُجرد من وظيفته أم سيعين وزيرا في الحكومة! فهما حظان متعادلان في حقه وقد يجتمعان له أيضا!!

وهكذا أصيبت الدولة، ككيان إداري وسياسي، بالكساح فتوقفت ثم انقلب نموها أوراما خبيثة قضت على معانيها السيادية والتنظيمية، وحولتها إلى إقطاعات يتكالب عليها ضباط تتبطنهم مافيا الفساد بمجرد تمكن أحدهم من إذاعة البيان الأول، ليبدأ لنفسه تاريخا جديدا يجُب ما قبله وإن كان نسخة ممسوخة منه؛ يجمعهم شعار واحد لا يحيد: الدولة في خدمة النظام والرئيس هو النظام، والشعب وقود رخيص...

حتى في المرة اليتيمة التي لاح فيها الأمل بانتهاء تلك اللعنة العسكريتارية فانتُخب رئيس مدني متعلم بشكل مقبول ـ رغم شوائبه ـ عاجل فيها أحدُهم الأملَ بإشهار سلاحه وإذاعة بيانه. وبدلا من مواجهته بسخافة أسبابه الشخصية الواهية، وبالأضرار المعنوية والمادية التي ألحقها انقلابه بالبلاد، انبرت لتحريضه وتشجيعه ودفعه شياطين السياسة وتجار الضمير والتبغ والخردة... فكان الإصلاح والانطلاق مجرد برق خلب!!

أما الرئيس المختار ولد داداه فإنما ارتكب خطأ تكتيكيا حين اعتمد على منطق الحق والتاريخ ووثِـق ـ بناء على ذلك أيضا ـ بصدق الزعماء السياسيين في قيادة جبهة البوليساريو وفي الجمهورية الجزائرية؛ فانخرط في مشكلة الصحراء دون حسبان الحرب. ثم بعدما وقعت الحرب لم يكن من الجبن وضعف العهد بحيث يهرب منها ويترك لها مواطنيه من "أنصار الوحدة الوطنية"، ويخذل حلفاءه المغاربة.

وهكذا جاء الانقلاب العسكري عليه مخرجا كأنه "كرامة" أراحته، وإن أزعجته بما لاقى من السجن البدني والألم النفسي لرؤية "نخبة" عسكرية ومدنية، مكّن لها واعتمد عليها، تتكالب عليه بألسنة حداد مُفحشة وشعارات منافقة... وهو قابع في زنزانته معزول عن العالم.

ترى ما الذي كان عسكره المنقلبون يخافون منه لو أطلقوا سراحه ومنحوه الحرية؟ أهم جبناء لتلك الدرجة؟ وهل الانقلاب العسكري الأول كان في جوهره سوى حالة جبن وفرار؟؟!

م. محفوظ