يا هتافة التهريج... إنسانكم خلق هلوعا

أربعاء, 08/07/2015 - 18:42

الأستاذ / الشيخ أحمد بن البان - كاتب وشاعر

لم تصل المعارضة ـ حسب علمي ـ إلى تصنيف محمد بن عبد العزيز خارج دائرة الإنسانية، لذلك لم أستطع فهم سيكولوجية الحملة التي يقودها "شباب القصر" تحت عنوان (الرئيس الإنسان)، فكرت وقدرت، فلعل "شباب القصر" الذين تعاملوا مع الرئيس عن قرب اكتشفوا فيه خصائص أخرى، فأرادوا أن يؤكدوا لأنفسهم أن الذي يلحدون إليه بشر  وليس شيئا آخر، خديعة نفسية يسعى إليها المرء الذي يريد أن يستمر في معاقرة لجة الطين، فيصورها لنفسه كوثرا مقدسا.

 

أنا أتفق معكم بأن الرئيس إنسان بتعريف المناطقة، وأتفق معكم أنه ليس كذلك إذا تجاوزنا الحد الصارم للقوم، وإن كنتم لا تريدون الاعتراف بذلك..لكن لا ضير، ما دام الرئيس إنسانا حسب قولكم!

 

أيها الإنسان! ما أبسط فهمك للإنسانية إن كانت لا تتجاوز لحظة تقفها لالتقاط صورة مع محروم، تظهر إلى جنبه في استعلاء ظاهر، ثم تمضي لتواصل نهب خيراته ويواصل هو رحلة البؤس دون أن يجد ولو حقه في نسخة من الصورة التي التقطها معك.

 

أيها الإنسان! هل من الإنسانية أن يكون لك في كل شركة سهم وفي كل صفقة نصيب، وهل من الإنسانية أن تكتب باسمك ثروة أكثر من 5 ملايين إنسان، وهل من الإنسانية أن لا نجد ما نقوت به أبناءنا وتفرض علينا أن نستدين من مستقبلنا كي نستقبلك!

 

أيها الإنسان! هل تذكر تلك المرأة المسكينة التي كانت تقوت عيالها من منافسة الطير على جمع حبات القمح من الثرى؛ ليس الأمر خيال شاعر، إنها امرأة من عالم الكبات كانت تعترض الشاحنات القادمة من الميناء محملة بالقمح، وفي لحظة انحرافها مع الطريق يتساقط منها الحب فتجمعه المسكينة لتطبخه طعاما لصبيتها الجائعين.

 

لعلك لم تسمع بها، لكن قنوات دولية أبعد سمعت بها وجاءت لتسجل مأساتها في فلم تراجيدي، هل هذا من الإنسانية؟

 

أيها الإنسان! هل تحركت عواطفك وأن تأوي إلى سريرك الناعم لتلك العائلة المكلومة في ولدها الذي غيبته المقادير، هل تذكرت دموع أمه وأخواته فانتفضت من سريرك ووضعت يدك على ذقنك وسماعة الهاتف على أذنك وقلت للوزير المعني: متى عهدك بخبر إسحاق؟..هذا هو دليل الإنسانية.

 

إن الإنسانية هي أن تبكي للألم وتنفر نفسك من الظلم، وتملك شجاعة الاعتراف والاعتذار، وتحوز فضيلة الإنصاف والمسؤولية، وتقدر الأمانة وتؤديها،  ليست الإنسانية صورة خاوية ولا بذلة أنيقة ولا عطفا كاذبا، ليست الإنسانية كذلك، ذلك خداع الثعالب.

 

إن إنسانكم خلق هلوعا، لم يكتف بامتيازاته الباذخة ولم تشبعه صفقات خمس سنين، أكل معادن الأرض وشرب نفطها واستنشق غازها، ومع ذلك ما زال يضايق التاجر الصغير في دكاكين بيع الجملة والذي أصغر منه في بيع المفرد.. فهل هذا إنسانية!

 

ثم فلينظر "الإنسان" إلى طعامه وموائده ومقدار صرفه على رغباته وشهواته، هل تذكر خلالها الفقير الذي لا يملك ما يفطر به بعد صوم يوم طويل شديد الحر! هل تذكر أيتام الجيش الذي يحميه وأرامله! هل جال بخاطره أن هناك من لا يستطيع تسديد فاتورة دواء بقيمة 300 أوقية!

 

وأنتم يا من تلهجون بإنسانيته، هل سمعتم عن منازله المجهزة في حي الرياض بالرباط؟ وعن شققه وفلله في باريس! هل من الإنسانية أن يأخذ كل ذلك من مال الشعب ويترك أكثر من أربعة أخماسه تحت لافح الشمس وقارس البرد في أحياء الكبات والكزرة والترحيل وعرفات وغيرها، ناهيك عن الولايات الداخلية التي يفتك بها العطش والجوع وقلة ذات اليد.

 

بل يريد "الإنسان" ليفجر أمامه حين يترك قيم الشعب نهبة للإلحاد والتشيع والفساد للأخلاقي، هل سمعتم عن سب الأنبياء والتطاول على ذات الباري سبحانه وسب صحابته وإعلان التشيع الرافضي إلا في عهده وأيامه! هل مزق المصحف في بلدنا قبله!

 

أي سوء يراد بهذا المجتمع حين يفتح على بوابات الشر وتغلق عنه منافذ الخير، إن الذي يمهد الطريق للتشيع الرافضي وللإلحاد المادي ويغلق جمعيات الدعوة والخير ليس له به من الإنسانية شيء.

 

أتدرون أن "إنسانكم" يضع المجتمع على حافة الانهيار ! إن الشرخ الاجتماعي على أشده، ونار الفتنة العرقية والإثنية أصبح وميضها واضحا من خلل الرماد، إن إنسانكم يفتح لنا قبورنا بحفارات جهله وطغيانه.

 

ثم، هل أتى على "الإنسان" حين من الدهر كان حارسا وخادما منزليا! يجمع قمامات مكتب سيده ويتكفل برمي حفاظات أطفاله في حاويات القمامة، وهل أتى عليه يوم سجن بسبب سرقة وأطلق سراحه بوساطة قريب! أم أن "الإنسان" سمي كذلك لنسيانه!

 

ثم، يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي منحك رتبة جنرال دون أن تحمل شهادتها أو تضحيتها! وخولك رئاسة دولة وأنت الذي ما كنت تحلم برئاسة مجلس عائلي، فسبحان من ابتلانا بك، حكمه العدل وإن حكمتنا بالجور، نسأله أن يرفع عنا غضبه الذي جاء بك وأن يغفر لنا ذنوبنا التي كنت لها جزاء وفاقا.

 

أيها المادحون السارحون، ليس الرئيس إنسانا ولا أنتم إنسانيون، بل كلكم أعداء الإنسانية.