الدكتور محمد سالم إنجيه يكتب : يوميات معتمر ح 1

ثلاثاء, 07/07/2015 - 10:06

لما شرح الله سبحانه وتعالى صدري لأداء عمرة في شهر رمضان لهذا العام 1436هـ حدثت بعض الأصدقاء والإخوان بالأمر، ولقيت منهم تجاوبا مع عزمي، وحرصهم على مشاركتي السفر؛ فالعمرة في رمضان تعدل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صح في الحديث.

 بعدها اهتممت بطلب عروض وكالات الأسفار في كل من العيون وأكادير وتزنيت وانزكان والبيضاء والرباط؛ وتحصلت لدي من خلال مقارنة البرامج المختلفة قناعة بضرورة وضع معيار للبرنامج الذي سأختاره، رعيا لحالة الأشغال الجارية في الحرم، وموسم الصيف..

وكان المحكم في الاختيار قرب السكن ومستوى الخدمة بما فيها رحلات الطيران فضلا عن الرفقة المعينة على عمرة ماتعة تعبدا وتعلما وحسن استغلال للوقت في زمن فاضل جعله الله فرصة لتنمية التقوى وتحقيق الرشد وصولا إلى مقام الشكر عزيز المنال؛ وبفضل الله تعالى حالفني التوفيق في اختيار الرفقة من معارفي الذين سبق أن سافرت مع بعضهم، وهيأ الله لي وكالة أسفار قامت بإجراءات الحصول على التأشيرة والحجز بسلاسة...

سأحاول في كلمات يسيرة رصد أجواء العمرة على شكل يوميات خفيفة، تتناول ما أراه مفيدا للقارئ بخصوص رحلة العمرة، تذكيرا لنفسي، وإرشادا لمن يطلع على المكتوب، وحفزا لهمم القراء للتفكير في برمجة رحلات عبادة ومن أعظمها التوجه إلى بيت الله العتيق، خاصة أنه سبحانه وتعالى أمرنا بإتمام الحج والعمرة لله تعالى...

سؤال الله تعالى التوفيق للإخلاص في العبادة وقبولها، سؤال ملح ينبغي أن يكون حاضرا بقوة قبل وأثناء وبعد التلبس بأي عبادة، مع المداومة على حديث النفس عن الجهد الذي يقوم به المرء العابد، والسعي لمطاردة وساوس الرياء، ومدافعة خطرات السُّمْعة، أمور مهمة، تنضاف إلى التوجه إلى الله القدير لتيسير مراحل الرحلة، وإبعاد المثبطات والمعوقات لا سيما في زمن تتعدد فيه دواعي التردد والإحجام عن القيام بالطاعات التي يكون الجهد فيها ماديا ومعنويا...

حجز لنا صاحب الوكالة على رحلة نظامية للخطوط السعودية من الدار البيضاء إلى جدة مع رحلة داخلية إلى مطار المدينة، فكانت أولى بشارات التيسير حيث مرت في أجواء طيبة... وصلنا المدينة المنورة بحمد الله صباح الخميس منتصف رمضان على الساعة 6.20، مطار الأمير محمد بن عبد العزيز عرف تطويرا وتوسعة مهمة... درجة الحرارة في هذا الصباح بلغت الثلاثين، وصلنا للفندق المطل على ساحات الحرم النبوي، واسترحنا في الغرف إلى حين صلاة الظهر..

تبقى المدينة مأرزا للإيمان، تنشرح فيها الصدور، وينسى فيها الزائر مشقة السفر؛ ولعل هذا من لطائف اختيارها دار هجرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم... الأشغال في المنطقة المركزية لا تعرف توقفا، هدما وبناء وتطويرا... لاحظنا محو أحياء كثيرة جنب مقبرة البقيع، والجهات المختلفة المحيطة بالحرم؛ كل ذلك يرمي إلى توفير فضاءات شاسعة تلحق بالحرم، لاستيعاب الزائرين مهما كان عددهم، ولأزمان لاحقة...

"شرٍّفْنا يا حاج بالإفطار معنا" جملة مقترنة بسبق إصرار وترصد، يستقبلك بها أطفال وشباب المدينة المنورة عند بوابات ومداخل الحرم النبوي، حتى إنك لتصاب بالحرج في مرافقة بعض دون آخرين إلى حيث سُفْر الإفطار...

في المدينة النبوية يحسن بالزائر أن يستدعي كل معلوماته ومعارفه المتعلقة بتاريخ المدينة، وحياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونبل عطاء صحابته الكرام، ويستحضر مراحل رسالة الإسلام؛ بل عليه أن يستجيش عواطفه ببلد الحبيب علية الصلاة والسلام...

 يهتز المرء لسماع الأذان وخاصة عند سماع " أشهد أن محمدا رسول الله" وأنت بقربه، وتخطو على أرض وطئتها قدماه، وعاش فيه الحلو والمر من أجل تبليغ رسالة الإسلام الصافية؛ رسالة الرحمة واللطف، والحرص على الهداية، والسعي لغرس معاني التوحيد في النفوس حتى لا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى...

يفطر الصائمون في وقت وجيز لتُجمَع السُّفرات، وتصلى المغرب، ويقبل القراء على كتاب الله تعالى كل يتلو ما تيسر له، في انتظار صلاة العشاء والتراويح... يزدحم الزوار عند السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه رضي الله عنهما وفي الروضة التي بين القبر الشريف والمنبر، وهي روضة من رياض الجنة كما في الحديث الصحيح.

بدعوة كريمة من أخ فاضل من أهل المدينة زرناه في بيته رفقة الأخ خطاري ببيت ومعنا الولد ماء العينين إنجيه الذي يرافقني في رحلة العمرة هذا الموسم، التحق بنا بعض الأفاضل من الزوار المدعوين وضيوف من سكان المدينة، تجاذبنا أطراف الحديث، وكان الواقع المصري المؤلم حاضرا بقوة، يليه ما تعانيه الأمة من مشكلات وتحولات، تنبئ بإذن الله عن إعادة ترتيب تعود بها الأمة إلى رشدها، بعد فضح زيف كثير من دعاوي النهوض التي تزعمتها تيارات مستلبة ردحا من الزمن، والتي سقطت في مستنقع دعم الظالمين، واستباحت الحرمات، واستحلت الدماء.. وسوغت الظلم الذي حرمه الله على نفسه وجعله بيننا محرما...

 فاللهم لطفك ورحمك بالأمة، وعليك بالظالمين ومن يدعمهم فإنهم لا يعجزونك...