العبودية ومحاولات تفريق الدم بين تعدد المنظمات وزعامات اللحظة الأخيرة

جمعة, 03/07/2015 - 16:39

رأي حر

منذ سنين عديدة والمجتمع الموريتاني ينقاد للانتحار، صاغرا، ليس لشجاعة فيه، أو دفاعا عن شرف ديسَ، ولكن تحديا منه.. انه المصير الذي يبدو أنه استسلم له كأنما هو حتمية يستحيل تفاديها كالقــَــــدَر.

فالأصوات النادرة التي ما تزال تقبل أن ترتفع تكاد لا تــُـسمِع في هذا الجو الجديد الذي ضاعت فيه كل مفاهيم الخير الغارقة في جلجلة شحذ الأسلحة المُصمّـة للآذان، وتنافر المبارزات الخطابية الملحمية التي يعاد إليها الاعتبار مرة تلو المرة، وحيث ساد تمجيد الفئات والأعراق والإثنيات والشرائح الاجتماعية والجهات والقبائل وحتى الأسر  دون رادع، بدلا من سيادة المواضيع الجامعةِ شمْــلَ الجمهورية الواحدة التي لا تتجزأ، وسيادة الحق العام اللامُــشخصن.

وهكذا تتحول موريتانيا بشكل طبيعي إلى حلبة ضخمة يتأهب فيها الموريتانيون، أبطالا ومتفرجين، لمواجهة موتهم الخاص.

ويبدو أن مثل هذا المنظور يهيج الكثيرين ممن ينتظرونه بفارغ الصبر، فكل واحد من الفرقاء مجاملٌ لقناعاته، مخادع لنفسه بأوهامه، ومفرط في تقدير قوته غير المجدية والمضللة في الحقيقة.

ففي الواقع، بينما يزدهي، من جهة، المهيمنون بالأمن الذي تضمنه لهم القوة الهادئة للاحتكار المعنوي والفكري والروحي والسياسي والاقتصادي والعسكري الذي يعتبرونه قلعة منيعة لا يستطيع اختراقها لا صراخ ولا أنين ضحايا العبودية والظلم والإقصاء والعنصرية والفقر والبؤس والجهل، فإنه يقابلهم، من جهة أخرى، المضطهدون المغلوب على أمرهم، المدفوعون بعدالة قضيتهم وبعددهم الذي يتباهون به ويعتبرونه، عكسا لأولئك، القوة الحقيقية الوحيدة: إنه اتسونامي الجارف الذي لن يكون بمقدور أيأحد ولا أي شيء أن يصمد في وجهه. 

هذا النزول إلى الجحيم،الذي عَجـّـلته في اعتقادي عقلية المؤسسة الوطنية الحاكمة العنيدة بداهة أمام كل مفاهيم التنظيم والنظام والانضباط، وعموما عنيدة أمام أدنى تقدم في اتجاه الرقي، مصدره الواحد والوحيد إشكالية العبودية التي أثيرت علنـًا لأول مرة سنة 1962 قبل أن تتحدد معالمها رسميا من خلال إنشاء حركة الحر في مارس 1978.

إن الضجة التي أثارها هذا السعي المشروع إلى الحرية والمساواة، وفظاظة الرد اللاعادل وغير الملائم الذي اختارته السلطات العمومية، رسّخ انطلاقة لعنة لم تبرح مكانها مُــذاك.

إنه ليتوجب التخوف من تكرار الأسطورة الشعبية المعروفة جدا والمتعلقة بشخص لكثرة قوله في كل مرة زورا أنه ثمة قـُـطاع طرق في طريقهم لغزو الحي، ساهم في تدمير هذا الأخير عندما أعلنها صادقا هذه المرة، ولكن أحدا لم يصدقه. إنها أسطورة تــُـذكــّــر، مع فارق تقريبي دقيق، بالوضع الراهن.

إلا أن الفرق هنا هو أن تدمير البلد بات وشيكا، ليس لأن العبودية تأكد أنها قضية مـُـفتراة أو بلاغ كاذب، وإنما لأن السلطات العمومية والشريحة المهيمنة من المجتمع عَمَــدَا، مرة أخرى، بردودهما غير المناسبة حول القضية، إلى خلق تيارات مطلبية أخرى بمقاربات مغايرة، كما فتحا في الآن نفسه عديد الشهيات.

إن إرادة السلطات العمومية المتعاقبة الرامية إلى حشر العبيد والعبيد السابقين في مغاراتهم، وكبت تطلعاتهم المشروعة إلى الحرية وكامل المواطنة، تدفع بهم للارتجالية والتسرع. لقد أفرطت الأنظمة في البداية في استعمال العصا مما قلص معارضيها إلى عدد لا يمكن اختزاله،الأمر الذي منحهم رأس مال معتبر من المصداقية والاحترام والتعاطف كما منحهم الهالة التي ينعمون بها اليوم والتي تثير غيظ منتقديهم. وللتصدي لهذا الانقلاب المفاجئ للوضع، استخدم النظام أيضا الجزرة مما أدى، في دفعة واحدة، إلى بروز العديد من الحركات والمنظمات والتكتلات المناهضة للرق، لكن ليس فقط من أجل هذه القضية، لذلك تشعبت القضايا، حتى الأكثر سخافة، مع الإسراف في خلق زعامات وأبطال كان بوسعهم كسب الحب والشهرة لو كانوا صادقين.

إن البرنامج الوحيد المعروف(لأنه معلن وكثيرا ما يكون مرفوعا من قبل كل هذه الحركات والزعامات الجديدة الناشئة: مناضلي الدقائق الأخيرة) هو المساس بصورة ومصداقية وهيبة من أصبح كفاحــُـه ومواظبته وشجاعته ووطنيته وتسامحه وتواضعه يخلق من الحساد والخصوم والغيورين أكثر مما يخلق من المقـتدين به، إذ بدا أن استنساخ نموذجه أصبح من أكثر المهام عسرا، بل من سابع المستحيلات.

ورغم غيظ النظام والمغتابين وأعداء الظاهر والباطن، فإن الحر ومسعود ولد بولخير والعمل من أجل التغيير والتحالف الشعبي التقدمي سيواصلون احتلال صدارة هذا الكفاح السلمي من أجل تحرير وانعتاق الحراطين (أو العبيد) في موريتانيا.

إن كل الذين يحاولون إثبات العكس باستغلالهم نضال عمر كامل أو استغلال النتائج المترتبة عليه لن يخرجوا أبدا من محاولاتهم إلا مهزومين وأصغر من ذي قبل.

فيجب بكل تريث تحكيم العقل وإعطاء لكل ذي حق حقه وخاصة الاعتراف أن رفض حرية وانعتاق ومساواة لحراطين يجب ألا تدفع للتضحية بشعب بأكمله.فللحراطين حق الاحترام من لدن جميع المواطنين؛ فهم أهل لذلك، وعلاوة عن ذلك يستحقونه لأنهم في قرارة أنفسهم يحبون مكونتهم ومواطنيهم وبلدهم.

في الواقع، كان لا يراد بالأمر، في البداية،سوى لفت انتباه السلطات العمومية حول هذه الظاهرة التي عرفتها كل الأمم وكل الأعراق وكل الإثنيات وكل المكونات وكل الألوان،بغية جعلها تعترف بوجودها بشكل لا لبس فيه، ولكي تعالجها بجد، ومن أجل أن تنأى بها عن التلاعب أو التدخل خبيث الطوية، داخليا كان أو خارجيا.

ولأن هذا النظام كان قليل التقبل لهذه المقاربة البناءة حقا، بل لأنه غذى وطوّر مواقف معادية لحركة مناهضة للرق، وحيدة وناشئة حينها، فإن نفس النظام يجد نفسه اليوم في مواجهة أكثر من عشرات المنظمات من جميع المساعي والاتجاهات، كلها في صراع مطلبي محموم ضد بعضها البعض في التطرف، ولا تسعى بالضرورة إلى خيار النضال السلمي.

وعلى حين غرة وقعت السلطات في البئر الذي حفرت، فاختارت أسوء الحلول لكبح مثل هذه الاتجاهات، فاتحة الباب على مصراعيه لشتى أنواع وأشكال «المطالب الفئوية"، مبررة كانت أو غير مبررة، وأمام كل مكونات المجتمع؛ وهي ذات المطالب الفئوية التي تشكل اليوم الشغل الشاغل في البلد.

إن الخلاصة التي تستنتج من كل ما سبق هي أن البساطة والنزاهة هما الطريق الأقصر لحل كل المشاكل، كما أنهما الأقدر على إبعاد كافة الشرور.

 

إن النظام مكره وملزم اليوم على الاعتراف، في وقت تطفو فيه حدة الخلافات والشروخ الهوياتية وتتحدد فيه مخاطر المواجهة، أن الإستراتيجية المتبعة حتى الآن ليست الأسلم، بل بعيدة من ذلك.

يبقى أن نأمل في إعداد إستراتيجية جيدة قادرة على القضاء مبكرا على كل التوجهات الانتحارية حتى داخل نسيج المناهضين للعبودية أنفسهم, والتضرع إلى الله، بخشوع، كي لا تحكم المعالجةُ السيئة المخصصة لقضية العبودية ولكل التفاوتات على البلد وساكنيه أن يُـقاسوا مصير منت اصطيلي التي قتلها سم زعاف وانتهى به الأمر إلى قتل مُغسـّــلتها.

انواكشوط، 29 يونيو 2015

أستاذ/ عثمان ولد بيجل