إلى قادتنا ،،، من وحي تجربتي

أربعاء, 01/07/2015 - 16:15

إلى قادتنا ،،، من وحي تجربتي

تتقاطع دولة كندا، الفدرالية ذات المناخ القطبي البارد، مع دولة موريتانيا، الجمهورية ذات المناخ القاري الحار، في العديد من نقاط التشابه الملفتة للانتباه! فهما تتشابهان من حيث الكثافة السكانية المنخفضة (حوالي 3.33 مواطن للكيلموتر المربع)، كما أنه في الوقت الذي توجد في موريتانيا مساحات شاسعة معدومة السكان، نظرا لوعورة الأرض الصحراوية القاحلة وعديمة المياه، فإن نفس الظاهرة توجد في كندا نظرا للتضاريس القاسية وأحوال الجو المميتة أحيانا، إلا أن ظاهرة التمايز الحضاري والثقافي داخل المجتمعين الموريتاني والكندي تعتبر نقطة التشابه التي شدت انتباهي و استرعت اهتمامي أكثر من غيرها، لأن مستوى التعاطي معها من أهم محددات مدى وعي الشعوب و قدرتها على التعايش من أجل الوحدة و البناء.

يتكون الشعب الكندي من عدة مجتمعات تختلف في العرق والحضارة والثقافة واللغة، فهناك الإنجليز والفرنسيون والشعوب الأصلية (First Nation) والمهاجرون الجدد كل بلغته وحضارته وثقافته وهم يتعايشون جميعا في جو من السلم الاجتماعي والاحترام المتبادل من أجل بناء الدولة الكندية التي تقوم من جانبها بحماية كل الأقليات على الأرض الكندية أينما وجدت فمثلا تقوم الدولة الكندية بحماية الأقلية الإنجليزية في الولايات ذات الأغلبية الفرنسية والعكس صحيح، حيث  تقوم بإنشاء وتمويل مؤسسات يعهد إليها بتلك المهمة الحضارية النبيلة.

لقد شاءت الأقدار مرة ،وأنا ابن الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، أن يعهد إلي في ولاية كندية بإدارة إحدى تلك المؤسسات لحماية الأقليات المتواجدة في تلك الولاية (الحماية الثقافية والحضارية) فكانت تجربة رائعة جعلتني أعيش أهمية احترام الشعوب وثقافتها في إحداث السلم الاجتماعي وإثراء التعاطي الإيجابي واستنهاض الحس الوطني.

لن أتحدث عن تلك التجربة كلها ولكن، في إحدى المرات قمنا بتنظيم ندوة ثقافية كبيرة لصالح بعض الأقليات حضرها وفد رفيع من البرلمان الكندي كان بعض أعضائه على مستوى عال من الثقافة والتجربة وأثناء الحديث معهم سألت أكثرهم خبرة وأكبرهم سنا قائلا: "لماذا تنشئ الدولة الكندية وتمول هذه المؤسسات من أجل حماية الأقلية في ولايات الوطن الواحد؟ أليس من الأصلح إنشاء برنامج وطني موحد وإجبار كل فئات المجتمع على تطبيقه ثم نقوم بتصحيحه كلما رأينا خللا؟  !!إنه وبحق سؤال من الجانب الآطلسي الآخر!!

تمهل النائب قليلا ثم أجابني قائلا:

"إن الشعوب لا تجبر على بناء دولها وإنما تشرك في ذلك البناء ثم إن إشراك الشعوب في عملية البناء إنما يبدأ باحترام خصوصيتها الثقافية والحضارية" تطور الحديث وتعمق لنتعرض للعديد من المواضيع الفكرية الهامة ربما أحدث لكم من أمرها ذكرا.

عدت إلى البيت بعد انتهاء الندوة وبت أسائل نفسي كيف يمكن لهذا الشعب الكندي المهاجر في أغلبه والمتوطن أرض غيره أن يأتي بهذا الكلام الرائع وهذه التجربة الحضارية الراقية فيحول بذلك اختلافه الحضاري والثقافي إلى منبع للوحدة الوطنية ومشرب للسلم الاجتماعي دون أن يتسنى لشعب آخر أصيل يستوطن أرضه ويتسلح بأرقى التراكمات الحضارية وعلى الضفة الأخرى من المحيط أن يأتي بنفس الكلام ونفس التجربة أو أحسن من ذلك؟ لا ينقضي عجبي من تلك المفارقة العجيبة!!

إن الاختلاف الحضاري والثقافي في المجتمع الواحد ليس عائقا أمام الوحدة والبناء إذا ما تم الاعتراف به والتعامل معه بشكل إيجابي وحضاري، إنه ورشة للتعاطي الثقافي والحضاري ومخزن للسلم الاجتماعي.

لقد آن لقادتنا أن يدركوا أن الذين يصيحون في وجوههم رافعين شعارات تميزهم عن غيرهم ليسوا أبدا خطرا على الوحدة الوطنية بل قد تتعجبون إذا قلت لكم إنهم بصياحهم هذا وشعاراتهم تلك إنما يعبرون عن وعاء حسي دفين داخل أحشائهم امتلأ بالوطنية ليتدفق على نار الظلم الحضاري والثقافي أدركوا ذلك أم لم يدركوه، إن صراخهم داخل وطنهم للتعبير عن حقيقتهم المغيبة خطأ لأكبر دليل على وطنيتهم أدركتم ذلك أم لم تدركوه.

أيها المواطن ..... إن الذي يصرخ متألما داخل بيتك لا بد أنه حتما يشعر بالانتماء إلى ذلك البيت فإذا احتضنته وأزلت آلامه كنت بالنسبة له ذلك الأخ العزيز الذي يحترم انتماءات أخيه و آلامه، أما إذا دفعته خارج بيتك كنت بالنسبة له  شيئا آخر وسيكون صراخه خارج البيت أشد وقعا وأكثر إيذاء.                                                                   

  --                                                           طابت أوقاتكم--

                               باب بن الشيخ سيدي ، مقيم في كندا.