رواية الحالمة (الفصل الثاني) ميشيل اكلاس / محمدعبد الله بن الشيباني

ثلاثاء, 30/06/2015 - 15:57

لم يكن الامتحان الذي واجهه في ثالث أيام توليه المنصب بالسهل.. أحيلت إليه في بداية الجلسة ملفات الخميس الخاصة بالقضايا الداخلية لجيش التحرير، بدأت الجلسة بعرض متتابع لعناوين الملفات:

  "ملف جندي مصاب في ساقه يطلب راحة أيام.. أمهات الجنود والمتطوعين يطالبون بكشف مصير أربعة جنود مفقودين.. بطاقة موشاة بصور الورد من عاشقة من تولوز تستجدي رئيس المركز أن لا يرسل عشقيها "جان" إلى المناطق الخطرة.. جندي فرنسي متهم بالخيانة والتخابر مع العدو.. جاسوسة ألمانية متنكرة في زي متطوعة إنسانية.. اتحادية الجزارين في كان في رسالة سرية تحذر من انهيار السوق إذا لم تسدد الكتيبة السابعة فواتيرها المستحقة منذ شهرين.."

-     حسنا سنبدأ بالملفات حسب الورود.

-     لن يكفي الوقت كل الملفات.

-     إذن نؤجل الباقي لجلسة الغد الصباحية.

استدار"جان مونتيني" في المقعد معلقا على حوار ميشل كلاس ونائبه جانتي لويس:

"قانون الطوارئ  الخاص صريح في استعجال ملفين فقط:

 "الجندي الخائن وصاحبة المنظمة الإغاثية".

- إذن أحضروا المتهمين.

- الآن؟

- في جلسة المساء الخاصة.

واستمعت أكاثا في المساء وهي خارج الغرفة المخصصة للمحاكمة زعيق جندي وهو يصيح:

"والآن اسمح لنا أن نعرض عليك الجاسوسة التي اتخذت من أعمال البر ستارا لنياتها الشريرة وطويتها الخبيثة"

و انفتح باب بقدر النافذة يرتفع عن الأرض ذراعا وارتمى منه - فوق بلاط تلك الغرفة الدائرية - هيكل عظمي نحيل، ذو شعر أشقر ثائر قد غُلَّت يداه بحبل رقيق.

تساءل ميشل سؤالا يشف عن شفقة:

"يا إلهي هل هذا إنسان" ؟!

رد "جان مونتيني" بلغة ساخرة.. "بل هو كنكر في زي امرأة"

"أو بالأحرى امرأة أخبث منه".

 خُيل للقائد أن العدد القليل من الضباط على علم بمعرفته السابقة لها، أحس بريقه يجف وبأعصابه تنهار، توالت صور غير مرئية وبدأ يترنح ، كاد أن يسقط أحست "أكاثا" شيئا ما يدعوها إلى الصراخ راحت تسب الفرنسيين و فرنسا، وجد فرصة في تحديق الضباط فيها فتناول كوبا من ماء أعاد إليه بعض التوازن ثم جلس على غير ما يقتضيه العرف وطلب من مساعديه استجوابها.

-     "سيدي القائد يبدو أنها ستواصل عنادها، وعليها أن تفهم أن امتناعها سيؤدي بها إلى قرارة الجحيم"

-     "لن يذهب غيركم إلى قرارة الجحيم"

-     جئنا محررين، وحكومتكم هي التي وقعت معنا اتفاق التقسيم:

-     حكومتنا!

-     نعم ..بيتان أليس زعيمكم وقائدكم المبجل باعترافكم.

-     كفى كُفَّ يا جان لقد استمعنا بما فيه الكفاية لهذه الغوغاء وبسط الملف بقوة قائلا:

" أخرجوها من القاعة و أدخلوا الجندي المتهم بالتخابر مع العدو.

و دخل صديقه العطشان الذي قدم بتهمة التخابر مع العدو كانت علامات التعب بادية على وجهه حتى إنه لم يعرف صديقه ورفيق دربه والحق أنه لم يحاول ذلك من شدة الإعياء.

رفعت الجلسة واجتمع الضباط لتقرير مصير المتهمين.

- "جان مونتيني" : ليس لدينا وقت لهذين اللعينين ينبغي أن يحبسا احتياطا ثم يسممان ويدفنان في الظلام.

-     تدخلت الضابطة " جانتي لويس" قائلة: لا لا.. ينبغي أن يحكم بالقانون ويجب تعميق التحقيق ليبرأ البريء ويجرم المجرم.

-     قاطعها "نيكولاس"  قائلا :

"الجندي من أصول إفريقية يمكن أن يغتال في الظلام أما الألمانية... فقد نقايضها ببعض الأسرى".

-     ميشيل "كلاس" رئيس الجلسة:

"فرنسا تنتصر بالحرية والقانون ولابد من أخذ رأي " جانتي " بالاعتبار أعيدوهما دون تعذيب اسمحوا لهما بالاستحمام.

تفضلوا رفعت الجلسة بإمكانكم  الخروج الآن سأبقى في القاعة لبعض الوقت .

"إن لم أبادر فسيقتلون أخي هنا في الظلام

"الوقت يمر"

"علي أن أستخدم صلاحياتي وأطلق سراحه"

" ..لا لا .علي أن أنتظر روبين دوكلاس الذي سيزور خلال يومين وأدبر لأخي هروبا هو وأغاثا"

قطع ميشل كلاس تلك الأفكار الحائرة فجأة وضغط على منبه الباب .

حضرة الضابط هل من خدمة قالها الحارس. وهو يثاءب.

نعم أحضر لي نائبي من فضلك

- تعني نيكولاس؟

- وهل لدي نائب غيره!!

ودخل نيكولاس وهو يترنم بأغنية ريفية تعلمها حديثا

سائرا بطلف ..في أمسك بيدي مسمارين ..

منحنيا  انحناءهما

أخطو  كجارنا البشوش الهرم الزَّمِن

ينحنى ليثبت للسنوات أنه يسمع نشيدها ويطربه

لكني أبحث عن ماء

قد ينعطف أحد المسمارين على الآخر

إيذانا بوجود الماء

لكن هل ينعطف القلبان ..

عذرا هل ينعطف..

ونظر إلى كلاس في مستديرا استدارة استعراضية قائلا:

لا شك أنك استدعيتني لأمر مهم .

ثم واصل الغناء.

-     استدعيتك لأمر غير مهم لو كان في قضايا الأمن أمر كذلك..ثم أردف وهو يقلب ملف المتهمين:

" الحقيقة لقد أعجبتني فكرتك وأقترح عليها تعديلا بسيطا سننتظر بالألمانية مقايضة أو فك أسرى و أقترح بدل تسميم الإفريقى أن نرسله في وحدات الاقتحام فيموت في خدمة  ونوفر علينا أجرة حفر قبره و نقل جنازته و وقت المشي وراءه"

كان قد عاود الترنم بالأغنية الريفية لينفجر ضاحكا و يضيف:

" ونوفر علينا الدموع أيضا"

تبادلا الضحكات وكانت المرة الوحيدة التي شوهد فيها يضحك منذ وصل الجنوب، كانت تلك الحيلة الوحيدة التي يستطيع بها إنقاذه من اغتيال هادئ في الظلام.

أصبح "اكلاس" أكثر توترا ومع كل نفس يتساءل عن أي شيء يدافع.. قبل أن يكون لوصول صديقه الذي وثق فيه بعد عملية باريس الجنرال "روبين دوكلاس" دور بارز في نقله من الجنوب الهادئ إلى ريف باريس.

 كان عليه أن يقود كتائب جيش التحرير الفرنسية عالية التدريب على خط النار ويباشر التنسيق بين القوة الجوية القليلة والاستخبارات العسكرية كما تحتم عليه في بعض الأحيان أن يتجول في ساحة القتال عن كثب.

جراءته المشهودة لا تعجب القادة الفرنسيين لقد كانوا يعتبرون أن مجازفة القائد مؤشر غرور بخلاف فلسفته العربية.. كانت زياراته المفاجئة الميدانية تزعج القادة الميدانيين وحراسه على حد سواء.

تلك الزيارات كادت أن تطوي صفحة حياته إلى الأبد حين كان في الجنوب ليلة معركة " القرية الهاجعة" حين كان في زيارة لكتيبة المشاة الرابعة في منطقة "تولوز".

 

إقرأ في الحلقات السابقة

لقد..سحرتني..الحالمة..تقديم..أحمدو.بن..وديعة

الفصل..الأول:مـــنى.

وطن..الأحلام

 

الزائر..الغريب

لوحة..السحر

الرحيـــــــل

المضيـــــــق

الشاعرة

 

الفصل الثاني : خطوبة صاخبة

مساء..إفريقي

التـــــيـــــه

الراهبة