رواية الحالمة: الراهبة/ محمد عبد الله بن الشيباني

جمعة, 26/06/2015 - 18:31

كانت هناك مدرسة غوث إنجيلية تتوسط الأحراش قرب قرية "بورج" على الطريق المعبد ، فاعتاد  التنزه في المنتزهات الممرعة المحيطة بالمدرسة وكانت قد نشأت بينه حميمية مع شجيرات الضرم الفرنسية المزهرة ورائحته الزكية التي تماهت في ذهنه مع شجرة الشيح البدوية رغم تباين الشجرتين ، كانت سنة الريف قد محت  من لسانه آخر ربط يمكن أن يشِفَّ عن جذوره العربية .

كان جالسا أمام تلك المدرسة في تلك العزلة الهادئة يفكر في مخرج من الحرب المفروضة، حين سمع تلك الكلمات التي لا تخلو من ترخيم متعمد:

"عفوا ألا تتفضل عندنا وجبة طعام خفيفة وكلمة عن فكرة الخلاص"

وهناك قراءة ممتعة للمزامير؟

مسح رأسه بمقدمة أصابعه اليسرى محدقا في تلك الراهبة الحديثة السن قائلا:

المزامير؟ا

ردت بهدوء

"نعم مزامير داوود". ثم مضت لشأنها في رشافة قلما يلاحظها.

تاه لبعض الوقت.. في ردهات المدرسة ففاتته الكلمة وأدرك الراهب وكان كهلا في الستين وهو يضم كتابا عتيقا غليظ الأوراق في صالة لا تعكس فخامة المدخل مكررا بهدوء من المزامير:

"وحتى إذا سِرتُ في وادي الموت الرهيب لن أخاف لأنك معي"

 أسرعت رئيسة المكتبة.. للملمة أوراقها حين أحست أقداما تصعد إلى غرفة المطالعة.

 ثم قالت - وهي ترى منطقة مزركشة بعناية طالما ألفت رؤيتها تلمع من ذلك الشباك بعد كل عِظة- :

-        ادخل حضرت الأب.

-        معي صديق.

-        حسنا ادخلا

كانت ما تزال تنظر في مرءاة تحضنها بيدها بقوة، وحين توسط السلم رآها تنظر في ظهرها وتمسحها مسحة حانية .

أخذ الراهب و"أكاثا" يتبادلان أحاديث عادية تحمل إشارة إلى أبحاث ضيفهم التاريخية بينما كان ضيفهما يتساءل تحت إلحاح واحدة من محفوظات دروسه العسكرية :

"الفضول أساس العمل الأمني" :

-        راهبة تنظر في المرآة ؟!!

-        قد يحدث ذلك ولكن لماذا ظهر المرآة بالضبط؟

-        ولماذا هذا التمديد الحاني؟

خطت نحوه بكتاب " بلاد الغال عبر العصور" قائلة:

سأتركك.. قبل أن  تضيف عندي شغل في الشرفة في العليا ابق قليلا مع أنيس الروح.
والتفت فلم ير الراهب.

ابتسمت بلطف قائلة :

"أعني الكتاب أليس أنيس الروح، تقول النكتة الايرلندية..

لم يسمع تلك النكتة ولكنه بادلها بابتسامة خفيفة وبقي فكره مرفرفا حول المرآة.

"علي أن أملك أعصابي حتى أسمع باب الشرفة يغلق"

قالها وهو يراها تصعد إلى شرفتها العليا.

و انطلق بخفة إلى المرآة ينظر فيها وجهه المستطيل من كل الاتجاهات.. وظل يناقل عينيه بين مداخل الغرفة وبين المرآة.. ثم اكتشف بقليل من الجهد فراغا في إطار الغلاف قاده إلى ورقة تحت غلافها الجلدي العتيق " صرخ قائلا:

"أه لقد عثرت على كنز ثمين "  ثم أضاف وعيناه تبرقان:

"أو أني عثرت على تفاهة كنسية"

ثم كاد يفقد السيطرة وأخذ يصرخ قسما هي هي، نعم إنها ورقة فك الرموز التي أتعبت المحققين وتكتم علها الضباط المأسورون رغم النكال.

كانت تلك الرموز للرسائل المتعلقة بتعيين القادة السريين للعمليات ولهذا لم يتجاوز عدد ما أرسل إلى كافة أرجاء فرنسا عشرين رسالة فقط أما رسالة فك الرموز فلم تدخل منها إلا نسختان:

" نسخة في منزل الماريشال بيتان"إضافة إلى نسخة المدرسة الانجيلية"

كانت التعليمات صارمة لا تسمح بالقيام بأي عمل رسمي إلا في غرفة مُحْكَمَةِ الإغلاق باستخدام مصباح خافت.

"أكاثا" التي كانت باحثة تاريخية شغوفة قبل أن يكلفها التنظيم السري النازي بهذه المهمة وصديقتها "مدام ريدينك" استطاع التوصل من خلالهما إلى كلمة السر وشفرة التواصل في خمس مناطق قتالية هامة .

ثم توج ذلك الإنجاز باكتشاف القيادة الحقيقية للعمليات وهي عبارة عن خمس ضباط يقطنون في منزل متواضع في حي من أحياء المقاطعة الرابعة في باريس وهو الأمر الذي كان للتأكد السريع منه أثر بالغ في نيل ثقة قيادة جيش التحرير الفرنسي..

 

داخل إحدى غرف العمليات كان يدور بين جان بيير خبير فك الشفرات وبين قائده حوار هادئ قبل أن يصيح جان بيير :

      "يا إلهي لا يصدق هذه أسماء عملاء الحكومة والمتعاونين"

" وهذه أيضا أسماء جهازهم الاستخباري المرتبط بالنازيين"

من اكتشف هذه الورقة ؟

 يا إلهي انتهى الاحتلال هذه أيضا جداول بأماكنهم.

-      لا تعجل " سنعرف هل هذه حقيقة أو فخ منصوب"

-        إن كان فخا فهو منصوب بإحكام.

-        وهذه أسماؤهم الحقيقية مقرونة بألقابهم الوهمية وشفرة الاتصال بهم ؟

ينبغي أن يلقب مكتشف هذه الورقة بالفاتح وبعظيم الفرنسيين
يؤسفني أن أخبرك أنه ليس فرنسيا؟
إنكليزي؟
قالها وهو يستند إلى مكتبه واقفا:
 مغاربي عربي مسلم .
عربي !! العرب أصدقاء الألمان
حتى ولو .. ينبغي أن يكرم
سنمنحه فقط ترقية إلى رتبة رائد و إجازة بعد المعركة

وسمعتهم يهمسون باحتمال بعثه في مهمة قتالية في الجنوب.