نعم.. يجب أن يستقيل 1

جمعة, 26/06/2015 - 15:00

محمد عبد الله ولد لحبيب

الاعتماد على ضعف الذاكرة وحده هو ما يُجلِبُ به أنصار الرئيس محمد ولد عبد العزيز على الداعين إلى خروجه من المشهد الوطني، غير مأسوف عليه، أو مأسوف عليه من أصفياء نعمته.

لا شيء في سيرة الرئيس محمد ولد عبد العزيز في الحكم، ولا في المهنة، يدعو إلى التشبث به رئيسا لموريتانيا ليوم واحد، أحرى لمأمورية جديدة يخرق لها الدستور الذي دخل ولد عبد العزيز القصر بالدوس عليه، وربما ينتظر دوسة مخرِجَة منه أو من غيره، أو من كليهما. ينتظر أن يدوس ولد عبد العزيز على الدستور بمحاولة شطبه (المواد الدستورية المتعلقة بالمأمورية جامدة ويعني تحريكها شطب الدستور) سيرد عسكري آخر، متحفز، بالدوس على ذكرى الدستور، ويزيح ولد عبد العزيز أو يشعل حربا من أجل إزاحته، تدوس الوطن. ليس الدستور موضوعنا الآن.

 

سبع قواعد في علم المافيا

محمد ولد عبد العزيز في محاولته بناء نظامه على أنقاض ما تبقى من شبكات الفساد والريع، التي تشكلت في عهد الأحكام العسكرية المتعاقبة لمدة سبع وعشرين سنة يوم مجيئه، نسج شبكة أخطبوطية داخل هياكل الدولة أو ما تبقى، تحولت مع الزمن إلى مشافط لميزانيات التسيير والاستثمار، والمساعدات الخارجية وعائدات الجمارك والضرائب، وما سمي تجوزا مشاريع لبنى تحتية، وأنشأ "نقاط تجميع" في كل قطاع لاستقبال المشفوطات.

 

أضيفت إلى هذا نوافير تعمل بطريقة التدوير الذكية، تلتهم الأموال المنهوبة من خزينة الدولة، وتدخل إلى المناقصات فتبتلع عائداتها، وتأخذ الصفقات بأقسى العروض على الميزانية، ثم تقترض من مؤسسات الدولة ما "تنجز" به نسخة رديئة من المشروع، ثم تستخدم في النهاية غطاء لتبييض أموال جمعت بالطرق أعلاه وغيرها مما خفي.

 

ساعتان من جهد متقطع أذهلتاني بحجم قضايا الفساد التي نشرها الإعلام موثقة خلال سنوات حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز.

 

هنا بعض القواعد، أصبحت مضطردة في السوق الوطنية؛

1. إذا أفلست مؤسسة في مجال معين فمعناه أن السيد الرئيس ، أو أحد وكلائه، سينشئ شركة في المجال.

 2. إذا أعد قانون تنظيمي لقطاع معين فمعناه أن سيادته أوحى إلى وكيل بالاستثمار هناك.

3.إذا رخصت دفعة من مؤسسات عملاقة، بحجم البنوك، فثمة "قرن" للرئيس يوسع له ليدخل.

4. إذا أُغلي سعر بضاعة أو خدمة فمعناه أن حضرته قرر اختزال مسافة لشركته الجديدة لتلحق بمنافسين أقدم، وأرقى خدمات.

5. إذا وجهت نسبة معتبرة من ميزانية الدولة إلى قطاع استثماري فمعنى ذلك أن لجلالته ما يُسَوِّقُه هناك. مقالع حجارة، أو آليات لحفر، أو شاحنات.

6. إذا تقرر توزيع أراضي على مستحقين فثمة قطع ما يجب أن تختط للرئيس.

7. إذا أنشئت شركة في موقع مدر للدخل فهناك عائدات يعد لها مصب باتجاه جيب فخامته. هذه قواعد في علم المافيا، خذوا أمثلتها، وتأملوا، وقيسوا:

يعلن إفلاس الخطوط الجوية الموريتانية، فتطل علينا موريتانيا آيروايز، وعندما يحين الاقتراب أكثر من القطاع تموت آيروايز، لتنشق السماء عن آيرلاينز. في تسويق المشتقات البترولية هنا الوطنية للبترول، وفي التأمين لنا شركة، وفي الوساطة الجمركية نملك واحدة، وفي البنوك ثلاثة بشراكة، وتأمين الطائرات في السماء فكرة اخترعناها، نأخذ عن كل طائرة في الأجواء ألف دولار، وفي أعالي البحار نزود السفن، وفي الميناء نملك شركة لا تقدم خدمة، ولا تفوتها قشرة عود من غير إتاوة. الحفارات اعترف بها سيادته، والحصَّادات تأكل الزرع في ضفة نهر السنغال. رخص التنقيب ينالها أقرباء الحضرة الزكية،  والحبل على الجرار.

 

ريع البنى التحتية

 

طاف الفساد البنى التحتية بعشرات المشاريع التي تُحُقّقَ من نهب مذهل فيها. كشفت صحيفة الأخبار لوحدها أكثر من عشرة ملفات فساد بمآت المليارات، بين الطرق، والمطارات، وشبكات المياه.

 

في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز نهبت عشرات المليارات عبر مشاريع الطرق، أسند مقطع من مشروع كيفة– العيون إلى رجل أعمال مقرب من الرئيس محمد ولد عبد العزيز، نامت فيه شركته الوهمية قرابة ثلاثة أعوام، كلفت عشرات حوادث السير ومئات الأعطاب في سيارات المواطنين، ثم أنجزت ما أنجزت، ولا أحد رمى في وجهها بسؤال، ومن يجرؤ؟.

 

مقرب آخر أو شريك للرئيس عبث بأحلام العصافير في مطار يستحق هذا الاسم؛ ماطل، ثم تأخر، ثم ماطل، ثم تأخر، ثم اقترض من مؤسسة عمومية على حافة الإفلاس، ثم هو في نفس المحطة كل يوم، نسمع عن تقدم للأشغال ثم مهلة، أخطاء فنية قاتلة. نرجو أن يتم الله الأمر على خير. سنيم شريان الأمن الاقتصادي الأوحد تقريبا، ركبت لها أنابيب تنتج كبار الأكلة، وصب ريعها في حواضن معدة للالتهام.

 

صحة الناس تلوعب بها، واستوردت لها المعدات المزورة أو منتهية الأعمار الافتراضية على يدي مقرب آخر أو شريك، والرئيس بعدُ جنرال ببزته، فلما استوت بدلة مدنية خار مرضى الكلى مما عانوا من فساده، ثم انفجرت سوق الأدوية بالمواد المزورة، ولا حسيب على أحد ورقيب. الزمرة المقربة تكون قريبة بأسمائها، وصفاتها، وشخوصها، تحوم في سماء كل فضيحة، وتفترش أرضها.

 

الثروات الوطنية تدوولت نهبا منقطع النظير؛ بيع السمك إلى شركة مافيا صينية باتفاقية فاسدة، أتت على أرزاق الأجيال في البحر، ضجت ضدها الدنيا. وافتخر علينا أصدقاء الرئيس بتحصيلهم ثروات طائلة من بحر ورثوه عن سلالاتهم النقية، لا حق لأبناء المستضعفين إلا في فتاته. قانونهم الظالم تنهب به الثروات، ويتخذ حجة لغبائنا.

 

سرحت كينروس تازيازت في بحار الذهب الوطني، وعبأتها في حاوياتها، فلما آنت من النظام التفاتة إلى صخب أرباحها، وخروقاتها البيئية وتدمير مستقبل الأجيال في وطن آمن من النفايات السامة، لوح لها بسيف الضرائب فأوفدت مديرها إلى القصر، وعين أحد المقربين ناطقا باسمها، ثم مسؤولا عن شيء من علاقاتها العامة، واختفى اللوم، وحوصر دخان الفضائح بفضيحة لا يُعلَمُ كنهها إلى الآن.

 

أما شركة  MCM فقُيض لها من يقتل عمالها المنتفضين بسلاح الدولة، وبدلة الدولة، وهيبة الدولة، وتركت تنهب من غير رادع. استشهد ولد المشظوفي دفاعا عن حق الأجيال، فما نكست الأعلام، ولا حوكم أحد. حبلكم على الغارب يا أعوان الظلمة فأميتوا وأحيوا.

 

تهم غسيل الأموال والاتجار في المخدرات تلاحق سيادة الرئيس. إطلاق سراح المتهمين في ملف المخدرات على دفعات، ولقاءات بشخصيات مشبوهة، ومصير شحن مخدرات مصادرة، تَعْلَقُ بشأنها الأسئلة حتى يلف طوقها رقبة الشخصية الأولى في النظام الذي لا يريد لأحد أن يقترب من إلهه المعبود.

 

 التسول الأعمى

 

دبلوماسية التسول العمياء خربت علاقات موريتانيا بجيرانها وأدت إلى كفران النظام بكل أواصر الانقلابات السابقة، والتسويق السابق. الجزائر نقيض المغرب في السياسة الخارجية الموريتانية، وإيران نقيض السعودية، تقلبت الدبلوماسية الموريتانية على عهد نظام عزيز بين هذه المرابع بيد موسيقية شلاء لا تحسن العزف على أكثر من وتر.

 

باصات إيران ومستشفاها، دينا، تُغيض فيض السعودية، ودنانير جنرالات الجزائر ذوي التأثير المفزع في الاتحاد الإفريقي، تنسي إحسان المغرب الناعم، وتدفقات نصائح المملكة أيام الشدائد. مالي توري تستحق المقاطعة، والأذى بدعم الحركات الأزوادية، وحين ترضى فرانس آفريك عن رائد معتوه يُضغَط على ضيوف نواكشوط لتخفيف اللهجة. السنغال التي تنتخِبُ المحامين والأساتذة الجامعيين بلد سيء جدا في ذهن النظام الموريتاني، رغم أن التفكير في الاستغناء عن علاقة دافئة بها خطيئة بمنطق التاريخ والجغرافيا، والسياسة العاقلة.

 

سوريا بشار ساحة جاهزة لاختبار السير عكس المنطق، وأزمة القذافي نوع من الوفاء في الزمن بدل الضائع تخرقه الدولارات التي يمكن أن تدفع مقابل أسر علبة الأسرار: السنوسي. الوفاء المثمون، سلعة بائرة في تاريخ يتقلب بسرعة البرق. كانت الثورة الليبية غريما عنَّت فرصة مصالحته بتسليم السنوسي، لكن اللُّعاب الذي سال من ذكر العملة الخضراء، أغضب أولياء النعمة المضمحلة دولتهم، ولا يمكن أن يرضي إخوة يلملون شتات وطن مزقته تفاهات القذافي، يا سعادة المستشار الدكتور.

 

تمريغ الهيبة

 

ظهور اسم رئيس الجمهورية ذي المقام السامي في الصحافة الدولية مقرونا بصناديق أكرا، وأسماء الشخصيات ذي السمعة غير الزكية في ملفات القارة القذرة يزيل ما تبقى من هيبة الدولة. منافسة الرئيس لصغار الباعة وكبار التجار، والسماسرة متوسطي القامة يبعث على الشعور بغثيان في قيم بناء الأمم، ويهبط بمستوى المقام السامي إلى دركات الحضيض.

ثم نُسأل هل يمكن أن نطالب باستقالته؟ نعم، عليه أن يستقيل وعلينا أن نطالبه بها، قبل أن يقيل ما تبقى من دولتنا من الوجود. نعم يجب أن يستقيل. لسنا ضعاف الذاكرة، إلى الحد الذي تصبون إليه، والثقب الذي كنتم تتسللون منه، سدته تقنية تحتفظ بالتاريخ حيا يتنفس في أجواف ماكينات تقذفه بضغطة زر. لي عودة بحول الله إلى ملفات السياسة، وبموجبها يجب أن يستقيل أيضا. نعم، يجب أن يستقيل، وشكرا لك أستاذنا محمد غلام.