المثقف العربي و الواقع الراهن

أحد, 21/06/2015 - 16:32

كشفت الثورات العربية الموؤدة عن عور وانكشاف كثير من المثقفين العرب الذين صدعوا رؤوس المجتمعات والشعوب العربية بالحديث عن قيم الحداثة والتنوير والتقدم والديمقراطية والعدالة والمساواة، الخ، ثم تبين أن أكثر هؤلاء خونة وأدعياء وأبواق وكلاب حراسة للأنظمة العربية الاستبدادية الممسكة بمقاليد الدولة والمجتمع.

لم تأت الثورات العربية من فراغ، فحصيلة العقود الماضية من الاستبداد والظلم والفقر والحرمان، راكمت كثيرا من الغضب والتمرد والثورة، التي تفجرت فجأة في غفلة من الأنظمة والأحزاب السياسية والحركات الأيديولوجية والمحللين والباحثين والمؤرخين، وكانت فرادتها أنها خارج التوقعات والتنبؤات، وجمعت كل أطياف المجتمع المطحون، عمالا وفلاحين وطلابا ورأسمالية وطنية ومتدينين ورجالا ونساء ومناضلين مستقلين، والغالبية من اللآ منتمين الذين فجروا الانتفاضات والثورات العربية في تونس ومصر وليبيا
وسوريا واليمن، قبل أن تسرقها الأحزاب والمخابرات والقوى الأجنبية المتربصة والحامية لأنظمة القهر والفقر العربية.

كان المثقف هو طليعة الثورات التاريخية منذ الثورة الفرنسية التي حمل لواءها فولتير ومونتيسيكيو وجان جاك روسو وغيرهم، وأصبحت هذه الثورة ملء السمع والبصر، فلا غرو أن صيغت مبادئ الثورة الفرنسية من طرف هؤلاء المفكرين والمثقفين والباحثين، وهم الذين وضعوا إعلان حقوق الإنسان والمواطن المؤسس للحقوق والحريات العامة والأساسية: حرية العمل والقول والرأي والتفكير والأحزاب والنقابات وحرية المبادرة، تلك القواعد والمبادئ التي صنعت الثورة الصناعية في أوربا بعد ذلك.

أما الثورات العربية المعاصرة فقد عانت من عنت الأنظمة المستبدة وأصحاب الثقافة من اليساريين والليبراليين والقوميين وبعض الإسلاميين الذين خانوا المبادئ والشعارات التي حملوها عقودا من الزمن، وطفقوا يصمون هذه الثورات بكل النعوت التي أبدع الشيطان في إلهامهم إياها، فهي مؤامرة كونية شارك فيه الكيان الصهيوني وقطر وتركيا وقناة الجزيرة والولايات المتحدة والماسونية العالمية.

وهي فوضى خلاقة أو هلاكه نفذها العملاء ضد استقرار المجتمعات العربية التي كانت تعيش جنات معروشات وغير معروشات، وهي مؤامرة من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين بقيادة شقيق الرئيس الأمريكي ... المفارقة أن القوى المعارضة للثورات العربية ضمت قوى لم تتفق على شيء اتفاقها على معاداة هذه الانتفاضات ومحاربتها بكل الوسائل، الأنظمة الرسمية الاستبدادية ، بلدان الخليج باستثناء قطر، وكثير من القوى القومية واليسارية والليبرالية والسلفية والمتصوفة وبعض المغاضبين والمتساقطين من الإخوان، ومثقفي السلطة وعشاق المال وطالبي المتعة ومثلييى السياسة ومشعوذي الإعلام ، وأصطف هذا الخليط المتنافر والمتشاكس على معاداة ومحاربة الثورات العربية بكل الوسائل الخسيسة للفضاء على أحلام الشعوب التي انطلقت من عقالها.

كان المثقفون في الغالب هم الذين تولوا كبر هذا الحلف غير المقدس، ونسوا أو تناسوا كل قيمة أخلاقية أو سياسية أو دينية للقضاء عل خصومهم الإسلاميين الذي اكتسحوا الانتخابات وفازوا في غالبية الاستحقاقات التي جرت في بلدان الربيع العربي، باستثناءات قليلة: المفكر عزمي بشارة ، برهان غليون ، خليل العناني ، محمد المختار الشنقيطي ...

لقد كانت خيانة المثقفين العرب لقضية الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية بالغة التأثير، حيث دخلت هذه المجتمعات في حالة احتراب داخلي قوض السلم الوطني ومكن للعسكر وقضى علي التنوع الثقافي والتعدد السياسي وكلس فرص التطور الطبيعي للمجتمعات العربية وضخ دماء جديدة في أنظمة الاستبداد والقهر والهوان التي أدمنت سياسيتها البائسة المعهودة : المزيد من إذلال الداخل، والمزيد من الذلة أمام الأجنبي.

عبد الله ميارة