أول مَعْلَم في رمضان

أربعاء, 17/06/2015 - 17:18

نحن في اليوم الأول من رمضان.. الساعة الثانية بعد الظهر..الحرارة ليست بقاسية خلافا لما يفترض في هذا الوقت من فصل الصيف.. أو على الأقل ذلكم إحساسي .. طالما أني لا أشعر بأشعة الشمس الحارقة.. ربما لكوني لم أخرج من البيت .. حيث بقيت بمفردي.

الأولاد و أمهم غير صائمين. مما جعلنا على فئتين منفصلتين .. متميزتين.

فهم مثلما كانوا في الأيام السابقة: يشربون..يأكلون.. يطبخون .. في النهار و  تحسبا للمساء..  بل إنهم ينشطون لدرجة جعلتني احسبهم أكثر سعادة مما عهدتهم عليه. بيد أن الآمر ليس كذلك: فهذا انطباع تولد في نفسي نتيجة لمشاعر يغذيها إنفرادي عن غير الصائمين ..شعور بدأ يكتسحني تدريجيا منذ الصباح.. فارضا علي عزلة لا تخلو من كآبة و شيء من عدم الواقعية.. كنت استشعر هذه الأحاسيس متجاهلا بغير قصد مني ما قد يكون لها من مرارة  طعم.

أما أنا فإني  ـ خلافا لهم ـ قد بقيت منزويا.. بمعزل عن هذا الجو الأسري الحيوي الذي تديره زوجتي بمرح، وحتي ولو كان  يسعدني دون أن ينال ذلك انتباها من لدني.

 فقد كان لي شأني : كنت أحاول التكيف بسرعة مع الحرمان الذي فرضت على نفسي تجاوبا مع ضميري.  فتعودي و قبولي بطيب خاطر لتلك الممنوعات يعطيني مرضاة عظيمة. ففعلا : إن أداء الواجب الديني أمر شريف له أجر كريم .. كما هو معروف لدى جميع المؤمنين. فمجرد التذكر والتفكر في هذا الشأن يشدان حزمي و عزمي.. يرفعان معنوياتي بشكل لا يتصور. وهنا يكمن سر قوة الإيمان وأهميته لدى المسلم.

و رغم تلك، القوة فإن هذا اليوم الأول من رمضان كان عنيدا. فقساوته ترتسم.. بادية للعيان..أقرأها  في لوحات متفرقة.. إذ لها عدة أوجه تتراءى لي من خلالها جلية.

 فمن الناحية البدنية، أشعر بصداع في الرأس.. يذكرني ـ بألم ـ تعودي على تناول الشاي المصنوع على الطريقة الموريتانية.. ذلك المشروب الساخن المتوفر بغزارة.. الذي كنت أتناوله طيلة يومي و على مر الساعات.. بينما هو الآن محرم علي. ولولا تركي للتدخين منذ فترة ليست بقصيرة لكان الأمر أشد.. حيث ستنضاف السيجارة إلي معاناة الشهوات المادية الناقصة في رمضان. هذا وإن أضفنا قليلا من الجوع و العطش ـ أي ما يكفي لمضايقتي ـ فإن رمضان يكون قد طبع بصماته فور ما أعطيت إشارة انطلاق الصيام.. علما أن المسار ما زال في أولى خطواته التي ستدوم شهرا كاملا.. لم نقض بعد سوي نصف يومه الأول!

أما على المستوى الاجتماعي فإن الأصدقاء والزوار قلة ..حتى الإفتراضيين منهم! فعلا كثير من مشاركي الشبكات الاجتماعية فروا.. أو اختفوا.. دون أن اعرف سبب ذلك؛ بينما فضل البعض إغلاق حساباتهم؛ في حين قام آخرون بتغيير المحتوى و البنية مخصصين حيزا كبيرا للأدعية و الابتهالات الدينية.. أو مقتصرين بكل بساطة على الحد الأدنى من الرسائل والنشر.

و لم أكن بدوري ألا لأتأثر بما يجري. فما كان مني إلا أن وجدتني أتوهم كثيرا.. و أتصور.. و كأني بنفسي شاردة بعيدا.. بعيدا.. في الخيال .. دون أن أدرك  إلى  أين ما ستؤول إليه أحلامي. ثم تمالكت مناجيا ذاتي: "ينبغي أن ارسم حدودا توجه تفكيري". و هكذا جاء المَعْلَم الأول.. فورا.. كما يلي:

 

" لدي يقين وحيد لا يقبل الشك: شكي في أمور الدنيا.

فهذه أداة فكرية تساعد على الصفح.. على المقاسمة أي على الأخذ و العطاء.. على الحب.. على التفكير و التأني.. بعيدا عن الهوى و عن الانفعال..على التحفظ حسب ما تستدعيه الضرورة..على التصرف بحكمة وعن بينة...                                    

و لكن، هل هذه النظرة الفلسفية لإدارة السلوك، التي تستدعي تحكيم العقل..و تتبنى الاعتدال و الاحتراس.. تكفي في الحياة؟ لا يمكنني إعطاء رد قاطع.. لا تأكيدا و لا نفيا: فلا "نعم" .. و لا "لا".. تفي أي منهما بإجابة صائبة.

فكل ما اعرفه أنه ليس كل شيء لدى الإنسان قابلا للقياس، إذ لا يمكن التحكم في موجات بحر الفكر .. و لا في سيل مجاري العواطف.. و لا في تدفق الحدس أو البديهة.

فليس بوسع المنطق.. وما لديه من آليات لانتقاء البرهان وصقله.. أن يحول دون أن تمر أوهام عبر عيون الشبكات التي يحتمي بها العقل. و هذا أمر نحمد الله عليه! لأن هذه المسامية منقذة بطبيعتها. فلولاها لبقينا عاجزين في وجه أسئلة خطيرة و كثيرة ستبقى بلا أجوبة، أسئلة تنهال علينا باستمرار..من كل صوب.. و منذ الأزل:

من أين نأتي بالمصادر اللامادية اللازمة لتغذية الروح؟ كيف  نُجِل الحب ونستشعره؟ كيف نحَفِز الفكر؟ بأي سبيل يمكننا أن نسير قدما في مشاريعنا..في تصوراتنا..في خيالنا؟ كيف يمكننا أن نرسم أهدافا.. لنا.. طموحة..تكون بعيدة المدى.. ليست في متناول الجميع؟ ...الخ من الأسئلة المثالية والطموحة.

فمن المحال تصور حياة بشرية، دون الأحلام!

الحرية الجميلة..ذات الطعم اللذيذ.. هي  تلك التي تتمثل في مغامرة رائعة.. تدار بشكل جيد عندما تتوفر المعايرة الصحيحة بين الخيال والواقع. أي بعبارة اخرى: مسايرة العقل والعاطفة معا و مواكبة كل منهما للآخر".

 

البخاري محمد مؤمل