رواية الحالمة الفصل الثاني: التيه / محمد عبد الله بن الشيباني

أربعاء, 17/06/2015 - 16:39

"أين نحن الآن ؟"

سؤال تبادله الثلاثة مع مجموعة من عشرين شخصا من جنسيات إفريقية مختلفة، وجدوا أنفسهم فجأة أمام ساحات واسعة و أسوار مرتفعة وغرف ضيقة وآلات حديدية سرعان ما بدأت تبوح لهم مع كل طلوع شمس بسر من أسرارها فتكها وتدميرها.

 لكن أسرار تلك الآلات الشيطانية لم تبح لهم بسر كانوا أشد اشتياقا لمعرفته وتلهفا للإطلاع عليه واستمر طيلة تدريب يتمثل في إجابة سؤال واحد "شاق.أين نحن ؟

في أحد أيام تلك القلعة العجيبة تذاكرا شأن القائد العجيب ونائبه.

-                تري الفرق بين القائد ونائبه يا محمد.

-                إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تطنن أن الليث يبتسم..

وماذا يدعوه للتصنع وهو القائد، ابن زعيم باريسي.

 ألا تراه حين تأذيت من لبسة التدريب البالية تسلل إلى غرفتك برفق متأبطا لباسا أنيقا ضافيا في هذا الثلج الذي لا عهد لنا به و لا قبل.

-                ألا تراه حين جذبنا باب غرفته بدل دفعه حتى تكسر زجاجه قام إلينا بلطف وهو يعتذر حتى كأنه هو الذي كسر الباب.

-                ألا تراه في كل مشكلة تثار لطيفا ومتفهما إلى أقصى حد لم يقل أية كلمة نابية على عكس نائبه "بول" الذي لا يضيع فرصة لسب العرب والإسلام وإفريقيا.

"تبادل جيد للأدوار"

-                 قالها محمد وهو يهز رأسه مميلا شفتيه عكسيا برفق:

-                وهل هم بحاجة إلى ذلك ؟

-                وهل كانوا بحاجة لذريعة حين قرروا احتلال الجزائر لم يصفع سفيرهم بمروحة  كما ادعوا.. بل لم يماطلوا في قضاء دين الجزائر عن فقر.

-                غريب نعلم كل شيء عن القادة ولا نستطيع أن نعلم في أي أرض نحن

-                أدار محمد قصعة المعكرونة الملوية وهو يستمع للعطشان يهمس في أذنه :

-                " هنا سجناء من إسلامية دول في هذه القاعدة ومن العرب"

-                وكيف عرفت ذلك ؟

سمعت البارحة قراءة القرءان..

-                فكرت في طريق للهروب فخرجت سحرا حتى بلغت السور

-                انتفض  محمد وهو يجافي  وجهه عن فوار الطبق الساخن قائلا:  

"لا تهلكنا "

"سأقوم بمغامرة "

-                قالها العطشان عاضا طرف شفته السفلى عضا لطيفا

-                لا تهلكنا وتهلك نفسك يا عطشان .

-                لن يهلك أحد ، سأرد على "بول" اليوم  إن ندرت منه أي كلمة سب

-                ستعتقل

-                 ابتسم وهو يقول :

" وسأعود إليكم بالخبر اليقين" أين نحن"

 والفت إلى محمد قائلا:

 "ألا يستحق ذلك مغامرة ؟"

العطشان لم يقض في التدريب إلا خمسة عشرة يوما حيث قضى الأيام الباقية الست موقوفا في غار عقوبة على إجابة النائب حين سب إفريقيا ليرد عليه:

-      إذا كان الأفارقة والمسلمون جبناء إلى هذا الحد فلماذا تستعينون بهم على إخوتكم الأوربيين؟ ! لما ذا تختارونهم للدفاع عن فرنسا!!"

-                كان سيقضي عشرة أيام لكن الرئيس خففها إلى ستة وزيادة في التكريم ومحو الأثر السيئ للعقوبة سمح له أن يذهب إلى السينما الجديدة .

وهي في نظر القائد أهم ما صرفت فيه أموال الجيش الفرنسي ويصرح دائما حتى دون سبب أنها أداة إعلامية إيجابية وأنها نقطة التوفيق الوحيدة التي حالف فيها التوفيق حثالة المخمورين في فرنسا كما يتندر هو على  قادته.

ويعتبرها الأداة الجادة الوحيدة في مواجهة جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائرية الذي يهز تلك المنطقة.

مع دخول العطشان من تلك الرحلة الاستجمامية كان محمد خارجا من الباب الثاني إلى مقر القائد الذي أعجب بثقافة محمد و سرعة تحدثه بلغة الراء الغينية.

"ستتعلم الألمانية وتحال إلى شعبة التخطيط "الشعبة الخاصة"

قالها القائد وهو بفرق أصابعه ويجمعها في غير نظام – كما هي عادته حين يحس بالإحراج. وأمسك بمقبض مظلة كان على أريكته ثم أضاف في تلعثم :

"تأكد انه لم يرسل إليها غير الفرنسيين قبلك"

-                ألست فرنسيا بالإكراه؟  رد محمد.

-                أعني من مواليد فرنسا

-                لقد ولدت حسب أوراقكم في "سينلوي" وتنص قوانينكم على فرنسية من ولد في سينلوي أو كوري أو دكار ..

قاطعه القائد قائلا :

" عليك أن تنفذ عفوا أعني أن تفهم" قد تكافؤ سأقترح نقلك لعمل أكثر جدية وأثمر عطاءا ثم التفت وهو يهز يده كأن بينهما صداقة أعوام قائلا:

"تقدم وسجل اسمك بين العظماء الفرنسيين" 

وودعه قائلا :

"فكر وما أظن الحظ إلا وهو يبتسم لك "

قضى شهرين في تدريب متين على اللغتين الفرنسية والألمانية يبدأ من السحر و ينتهي مع الغروب.

لم يكن لليوم عدد معين من الدروس بل كان البرنامج هو الإتقان فقط ، كان يجد صعوبة في الدرس التطبيقي في الألمانية حيث كان يؤخذ إلى ملجئ أرضي متعفن فيه سجناء ألمان كان عليه أن يتحدث معهم كل يوم ساعة صباحا ونصف ساعة زوالا ونصف ساعة بعد العشاء.

 في آخر تلك الفترة أخذ مبادئ علم التحقيق وتقنيات اكتشاف التناقض وأساليب التأثير النفسي والبدني  على السجناء .

كاد أن يكون جلادا.

لكن يوما واحدا قضاه مع جنود الثكنة في رحلة خارجية كان صباح سوء علمه أن الإنسان قد ينسلخ من كل علاقة له بالإنسان.

كانت أولى ساعات الصباح قد حملت له نذير شر حين أمر قائد الفرقة أحد الجنود أن يختبر كفاءة أحد المدافع مصوبا إلى جهة قرية بدوية على يمين الطريق بدل تجريبها في الجو.. وحملت ساعات الضحى محاولة تفجير قلبت سيارتهم دون أن تصيبهم بأذى يذكر ثم جاءت ساعة الظهر ليمنع لأول مرة في حياته من أداء الصلاة وكانت تلك أبعد صدمات ذلك اليوم أثرا في نفسه.

رغم أن ساعات الغروب سيرى فيها أول إطلاق نار على أعزل ، و أول قتيل تدور عيناه وهو يرى المسدس الذي سيكتم أنفاسه،  وحتى حين سحب إلى فرنسا في مهمة خاصة ظلت ظلال ذلك الغروب ماثلة لناظريه و كان يلح عليه سؤال لن يوجد له جواب.

"تلك المرأة التي كانت تهرع إلى ذلك الشاب الأربعيني وهو يترنح مثل منزوف الشراب ثم يستدير ويرتخي رأسه ثم ينطرح أرضا هل كانت  أخته أو زوجته  وكان يبالغ في أمنيات ضائعة أن لا تكون تلك المرأة أمَّ ذلك الفتى المجندل.

 

روابط الحلقات السابقة

تقديم الأستاذ أحمدو ولد الوديعة

الفصل الأول: منى

الفصل الأول: الزائر الغريب