مسؤولية الدولة عن أعمالها الإدارية القائمة بدون خطأ

اثنين, 15/06/2015 - 12:35

تفرض ظروف الحياة الاجتماعية ومتطلباتها اخلالات من شأنها أن تلحق أضرارًا متنوعة بالأفراد، وعليه نشأت نظرية المسؤولية والتعويض عن الضرر الناتج عن هذه الاخلالات، والمتسبب بهذا الضرر قد يكون شخصا طبيعيا أو شخصًا معنويًا وعلى رأسهم الدولة (الإدارة)، ذلك أن الدولة بجميع إداراتها ومؤسساتها وأطيافها وأجهزتها تدار من قبل أفراد قد يصيبون وقد يخطئون، وبالتالي يترتب عن أعمالهم إلحاق أضرار بالغير وهنا تقوم مسؤولية

الإدارة عن تعويض الأفراد عن هذا الضرر الناتج عن تصرفاتها.

وقد كان المبدأ السائد قديما هو عدم مسؤولية الدولة عن أعمالها بوصفها سلطة عامة ذات سيادة لا يجوز مساءلتها عن تصرفاتها ولكن القضاء الإداري الفرنسي تراجع عن هذا المبدأ وقرر في سنة 1873 مسؤولية الدولة بمقتضى حكم (بلانكو) الذي أخضع هذه المسؤولية لمبادئ خاصة تتفق مع وضع الدولة وطبيعة القانون العام.

ثم حدث تطور آخر، فبعد أن كان القضاء الإداري الفرنسي يحدد أساس المسؤولية على أساس الخطأ الجسيم أصبح يحددها على مجرد الخطأ ثم بعد ذلك حصل تطور آخر في قواعد التعويض من حيث تاريخ تقدير الضرر ومن ثم قبول الدعاوى على نطاق واسع، ثم التعويض عن الضرر المعنوي وتقدير مبلغ التعويض بصورة مجزية بحيث يكون مناسبا وكافيا لجبر الضرر وهكذا نجد أن نظرية المسؤولية الإدارية هي من صنع القضاء الإداري الفرنسي.

غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا، هو هل يجوز القول بمسؤولية الدولة عن أعمالها الإدارية القائمة بدون خطأ؟ وهل يمكن إلزامها من ثمة بالتعويض؟.

القاعدة العامة في قيام المسؤولية الإدارية هي قيامها على أساس الخطأ، ولكنها تقوم أيضًا في حالات معينة ومحددة على أساس نظرية المخاطر، ولكن قيامها في الحالة الأخيرة يعد استثناء على القاعدة العامة في قيامها على أساس الخطأ.

لقد أطلق مجلس الدولة الفرنسي اسم نظرية المخاطر أو تحمل التبعة على المسؤولية التي تستند على ركنين فقط هما ركن الضرر والعلاقة السببية بين الإدارة والضرر، وتقوم مسؤولية

الإدارة حتى ولو لم يكن هناك خطأ على ركني الضرر وعلاقة السببية بين عمل الإدارة المشروع، والضرر الذي أصاب المتضرر وسمح له بالمطالبة بالتعويض، وان الأساس القانوني لهذه المسؤولية هو فكرة الغنم بالغرم او مساواة الافراد امام التكاليف العامة.

وقد شاع استخدام مصطلح نظرية المخاطر للدلالة على مسؤولية الإدارة القائمة بدون خطأ، لكن هذه التسمية غير دقيقة لأنها لا تجمع كافة الحالات الداخلة فيها، فهي وان كانت تجمع الحالات التي ينطوي فيها نشاط الادارة على خطر محتمل الحدوث ولكن لا تجمع الحالات التي ينطوي فيها نشاط الادارة بذاته على خطر او قد يحدث خطر حال ومؤكد.

تمثلت الأسس التي دأب فقه القانون العام على توفيرها كغطاء قانوني وفكري وفلسفي لنظرية المخاطر كأساس لمسؤولية الإدارة العامة في الأسس التالية:

أولا:  مبدأ الغنم بالغرم، يتمثل هذا المبدأ في انه يجب على الجماعة المستفيدة من فوائد ومنافع الاعمال التي تقوم بها الادارة العامة ان تتحمل التعويض عن الاضرار التي قد تصيب الغير جراء هذه الاعمال، فالمغانم يجب أن يقابلها تعويض (غرم) يتوجب دفعه من قبل الدولة.

ثانيًا: مبدأ مساواة الأفراد أمام الأعباء والتكاليف العامة، حيث نصت على هذا المبدأ المواثيق الدولية والقوانين الداخلية باعتباره مبدأ دستوري، وفحوى هذا المبدأ ان هناك فئة قليلة من الافراد يتحملون اعباء اضافية دون غيرهم جراء الإجراءات والأنشطة والأعمال الإدارية، التي تهدف أساسا إلى تحقيق الصالح العام، وذلك بسبب الضرر الذي لحق بهم جراء هذا النشاط مثل الاضرار الدائمة او العرضية الناجمة عن الأشغال والمنشات العامة، فنجد هنا أن الشخص المتضرر نتيجة هذا النشاط يتحمل عبء إضافي، لذا يختل مبدأ المساواة أمام الأعباء والتكاليف العامة، فكان لا بد من ان يتحمل جميع الافراد في المجتمع عبء التعويض عن هذا الضرر.

ثالثًا: مبدأ التضامن الاجتماعي، حيث استقر الفقه الإداري على الطلب بأن يمتد هذا التضامن ليشمل الأضرار التي تنشأ عن قيام الإدارة بأعمالها وتصيب أفراد المجتمع.

رابعًا: مبادئ العدالة والإنصاف، التي تقتضي أن يتم تعويض أي فرد متضرر نتيجة نشاط ضار، ولذا ينبغي تطبيق ذلك من باب أولى على نشاط الإدارة العامة التي نتج عنه ضرر أصاب أفراد المجتمع، فليس من العدل أن يتحمل عبء الصالح العام فرد أو مجموعة من الأفراد في حين أن النفع العام يعود على جميع المجتمع.

 

هذا المسار الطويل للفقه والقضاء الإداريين في إقرار مسؤولية الدولة عن مسؤولية الدولة عن أعمالها الإدارية القائمة بدون خطأ، يأتي خلافا لما عليه الحال في القانون الخاص - اي المسؤولية المدنية - التي لا يمكن الحديث عنها الا بتوفر ثلاثة أركان وهي: الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، وهي النظرية التقليدية للمسؤولية، والتي يؤخذ بها أكثر من مشرع ويطبقها القضاء.

من ذلك مثلا ما ذهب إليه القضاء المغربي، حيث أكد قرار المجلس الأعلى رقم 302 بتاريخ 9 فبراير 1987، والذي جاء فيه "حيث ان مسؤولية الإدارة عن الأضرار الناتج مباشرة عن الأشياء الخطيرة التي تستعملها في تسيير مصالحها كالسيارة، تخضع لمقتضيات الفصل 79 السابق الذكر في جزئه الذي يرتب هذه المسؤولية عليها، وحتى بدون أي خطأ، بل يكفي في ذلك إثبات وجود علاقة سببية بين الضرر الحاصل للضحية والأشياء المستعملة من طرف الإدارة، ولا تعفى هذه الاخيرة من المسؤولية كليا أو جزئيا، إلا بإثبات خطأ الضحية، هذا الخطأ الذي لا وجود له في النازلة.

 

وبهذه العلل القانونية المحضة المستمدة من الفصل 79 المذكور، والمطبقة على الوقائع الثابتة لدى قضاة الموضوع، يعوض المجلس الأعلى العلل الخاطئة التي ارتكز عليها القرار المطعون فيه استنادا منه على الفصل 88، ويصير منطوقه بذلك مبررا تبريرا قانونيا".

كما جاء في قرار آخر للمجلس الاعلى المغربي عدد1787 بتاريخ 22/7/1987، بأن مسؤولية المكتب الوطني للسكك الحديدية باعتباره مؤسسة عمومية عن الأضرار الناشئة عن الأشياء الخطيرة التي يستعملها تخضع لمقتضيات الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، وتترتب هذه المسؤولية عن سير مصالح المكتب ولو بدون خطأ، ولا يعفى من هذه المسؤولية الا اذا اثبت ان الضرر يرجع إلى خطأ الضحية أو إلى قوة قاهرة.

 

إلا أننا وللأسف الشديد لم نطلع على هكذا قرارات في القضاء الإداري الموريتاني، وهو ما يدفعنا إلى محاولة إنارة العموم حول هذا الموضوع من خلا ل النقاط التالية:

 اولا تقدير المسؤولية القائمة بدون خطأ:

حيث أن مسؤولية الدولة تقوم بدون خطأ، وذالك على أساس الخطر والمساواة أمام التكاليف العامة -كما رأينا-، وذلك بتوفر الركنية أعلاه الضرر والعلاقة السببية، وللضرر حالات معينة، كما انه لا يرتب المسؤولية إلا بتوفر شروط معينة،

- حالات الضرر: يمكن توضيحها في حالات عدة منها:

- الأضرار الناجمة عن الأشغال العمومية: أي بشأن تنفيذها أو بعدم تنفيذها.

- المخاطر غير العادية عن الجوار: كأن يتسبب مثلا المرضى المقيمين في مستشفى للأمراض العقلية اثناء استفادتهم من ممارسة نشاط معين ويضروا بعد ذلك بمن يجاور المستشفى كأصحاب المنازل.

- استعمال الأشياء الخطيرة: وكمثال عليها استعمال آليات او تقنيات تنطوي على خطر مؤكد، ولكن الضرورة تتطلب استعمالها، كاستعمال الشرطة للأسلحة النارية اثناء قيامهم بأعمالهم فيحدث ذلك ضرر ما، فان المسؤولية هنا تقع على عاتق الدولة في حالة انتفاء الخطأ عنهم.

- رفض تنفيذ الأحكام القضائية: حيث انه إذا ترتب عنه ضرر بالمعني بالأمر دون ان ترتكب الادارة أي خطأ بشأن ذلك، فان المحاكم قد سلمت بأداء تعويض يراد به اعادة إقرار مبدأ المساواة في التكاليف العمومية.

وفي هذه النقطة بالذات نذكر قرار المجلس الأعلى المغربي رقم 55 الصادر بتاريخ 9/7/1959 المعروف بقضية "كيرا"، والذي جاء فيه "يشكل امتناع السلطة الادارية عن تنفيذ القرار القضائي والحائز لقوة الشيء المقضي به، والقاضي على الإدارة بأداء تعويض خرقا للقوانين الأساسية للتنظيم القضائي، والمسطرة القضائية، هذا الخرق الذي يمكن ان يصلح كأساس لدعوى التعويض أو الطعن بالإلغاء".

عكسا لما عليه الحال عندنا في موريتانيا، وان كان المشرع الموريتاني كان واضحا في هذه المسألة، حيث يحق للمتضرر أن يلجأ إلى القضاء الجنائي من اجل تنفيذ الحكم القضائي وإلا اعتبر الموظف الممتنع عن التنفيذ مسؤول مسؤولية جزائية عملا بنص المادة 208 من القانون الجنائي الموريتاني.

- شروط الضر وأنواعه: للضرر شروط وأنواع منها، إن شروط الضرر يمكن إجمالها في:

-       أن يكون مباشرا؛

-       أن يكون محققا ومؤكدا؛

-       أن يكون الضرر قد اخل بمركز قانوني يحميه القانون؛

-       أن يكون الضرر قابلا للتقدير بالنقود.

أما أنواعه فهي: نوع مادي يصيب الشخص في حق أو مصلحة مالية، ونوع أدبي أو معنوي وهو الذي يصيب الشخص في مصلحة غير مالية كالعرض أو الشرف ....الخ.

وفي المجمل فإننا نقول أن التعويض هو جزاء المسؤولية ويعني جبر الضرر سواء كان ماديا او معنويا ومهما كان أساس المسؤولية أي سواء كان على أساس الخطأ أو على أساس الضرر أو على أساس المساواة أمام التكاليف العامة.

وغني عن القول بأن التعويض في القانون المدني يجيز أن يكون التعويض نقدي أو عيني، إلا أنه في القانون الإداري لا يكون إلا نقدا.

 

القاضي /محمد ولد بوبكر رئيس الغرفة المدنية بانواذيبو