رواية الحالمة الفصل الثاني: خطوبة صاخبة/ محمد عبد الله بن الشيباني

سبت, 13/06/2015 - 12:36

 

مساء إفريقي على العربة كان ثلاثة رجال " آمادو لو" يحث البغلة مستعجلا الرواح إلى أهله بعد غياب عشرة أيام حالما أن يرى ابنه الذي ولد بعده لإحدى زوجتيه. وعلى الجانب الآخر محمد ولد الدي والعطشان مستفيضين في أشعار "الهذليين" في إنشادات قد تتخللها كلمات من هنا أو لفتة من هناك ردا على سؤال لـ"آمادو لو" أو طلبا منه تخفيف السرعة.

عبرا من الشعر الهذلي إلى الوصف عند الموريتانيين ثم إلى وصف الشاي والإبل والصحراء.

كانت الشمس تجنح للغروب تتخلل أشعتُها أشجار الطلح والخروع العملاق ..

زقزقات الطيور تختلط بدقات الطبول في ذلك المساء الإفريقي بامتياز.

"آحْ شذى الأزهار الفواح بعد سموم الصحراء" والتفت العطشان حين قالها إلى محمد متنفسا ملء صدره. -       

  لا تسرف في استنشاق هواء الخريف فهو كما قال الطبيب أوفى "مستعذب مستلطف خطاف" -     

   ليلة في الخير خيرٌ .. يا خليلي إنني لا أستطيع إلا أن استنشق ملء النفس كيف لا و قد حمل النسيم شذى الأزهار المبرد القادم من النهر. 

   خفف السرعة لا تقلب العربة 

  لقد بدأ شعراؤنا يتحدثون عن كل المخترعات

الشعر ديوان ، ولا معنى لديوان غير شامل

لقد خلدوا كل الطوارئ الشاي و صناعته ..

والسيارات والألبسة النسائية الطارئة

 قاطعه محمد مميلا شفته السفلى :

"تهكمهم بلباس النساء لا يعجبني"

- الوصف المبدع إنما هو وصف الأسلحة و الطائرات مثل قوله .. كادت العربة أن تنقلب حين انفجر إطارها المطاطي، سقط محمد كان منفعلا حين سقط وهو يحاول أن ينشد أبياتا في وصف القطار نحلها

– كما هي عادته لبعض الأسماء المختلقة : اضطر آمادو لنقص السرعة على مضض فصار حديثهم أسمع وأعذب فاندفع العطشان ينشد في وصف السيارات :

ركبنا والزمان لنا ربيع – وشمل الليل بالأضوا صديع مربعة بنا تطوي الصحاري ويسبقها لها صوت مريع لها في كل ناحية فطام

-    تناهت إلى آذانهم أذانات المغرب من الحواضر و " القصور" المتناثرة على جوانب الطريق، أوقفوا العربة.

صلى محمد والعطشان تيمما وبقي أمادو على العربة يردد أنغام أغنية منمية إفريقية هجرها راعي غنمها فهي تبكي حظها وتعدد خصاله ورفقه بضأنه وابتسامته التي لا تفارق محياه الوضيء

- بكلمات شجية. حسنت صوته قليلا.

-        أمادو في نفسه:

   " لا يمكن أن تكون صلاتهم بالتيمم وهم أصحاء إلا استخفافا بالدين"

- العطشان مخاطبا محمد : "اهْ كثير الكفر دون ترك الصلاة " حين عادوا إلى الطريق كان الظلام قد التهم كل تلك المناظر الخلابة .. قال العطشان  للسائق: "واصل مع هذه الطريق العتيقة"

-       فرد بلكنة إفريقية:

-     "الأهمق في سانه أدرى يا أتشان"

-      دعه عنك هذه الطريق التي سلك طريق جديدة وسيكتشف ذلك و يعود وذلك أحسن لنا " قالها محمد في هدوء.

-   ولم ؟ .  رد العطشان.

-     كلما تأخرنا كان دخان المراجل أقل. كانت الطريق الفرعية التي سلكوا عبارة عن مدخل لقاعدة عسكرية فرنسية قيد الإنجاز معنونة بشركة "شركة آبيو لإنتاج الفحم" ويستخدمها ضباط متحمسون لجيش التحرير الفرنسي.

وكثيرا ما تساءل الناس في تلك المنطقة عن سر بيعها للفحم بأقل من النصف وكان استخدام الآلات والخبرة أجوبة توقف سيل التساؤلات  والشكوك التي مافتئ الناس يثيرونها حول تلك الشركة الغريبة وتصرفات أعضائها البشوشين الصامتين.

استمع الثلاثة إلى كلمة "آلت"  قال أمادو وهو ينزل عن العربة:

" لا يتحرك منكم أحد" لم يكد يخطو خطواته الأولى نحو مصدر الصوت حتى نفرت البغلة ، فأطلقت القاعدة الرصاصة باتجاه الفارين .

لم يفق أحد الثلاثة إلا بعد خمس ليال في جزيرة "كُورى" وهم في صفوف المُبَنْطَلِين. كانوا يسيرون على مهل بين بيوت قصيرة البناء ضيقة الأزقة متقابلة الأبواب معتمة السراديب وكانت روائح المطبخ الإفريقي تعج بها تلك السراديب وكانت شَنشَنة زيت الطبخ المعزوفة التي تكاد تنفرد بتلك اللحظة ، كما هي العادة في وقت الحادية عشرة كل يوم .

-   اسمعوا لقد نجحتم في دخول الجيش الفرنسي .

-   ماذا ؟ -  

  ما سمعت .

-  أجاب الضابط الفرنسي محمد بصرامة وهو يمد إليه ورقة ليوقع عليها "كنت أظن أننا نجحنا في الدخول في شركة للفحم فقط" واصل الضابط الفرنسي: "وستتدربون على الرماية والدفاع اليدوي عشرين يوما ثم تنقلون إلى ساحات الرجال وإن شئتم فقولوا ساحات القتال.

قالها وبدأ توزيع بعض الحلوى الصناعية .

وقع محمد و آمادو وامتنع العطشان. وقف الضابط "أوليفي" مقطبا جبينه. كان ينظر بحدة ناحية صورة على الحائط للجنرال ديكول. ثم غمغم قائلا: سأعذبه حتى يوقع. تدخَّل المساعد " مكداد " لا تعذبه سأحاوله بالإحسان.

و أخذ أوليفيي بتلابيب العطشان يجره إلى غرفة التعذيب. وقف بالباب بجثته الضخمة مناشدا أوليفيي " أرجوك  يكفي التهديد حي ن يرى صور التعذيب و آلاته سيوقع"

- " لم تعد هنا صور تعذيب اضطررنا لإتلافها خوفا من هجوم مباغت أو قرصنة من الصحافة .. لا تنس أن نجاح أحد الصحافة في سرقة تلك الصور يعني فتح باريس بالنسبة له" تدخلت اكرستيا ومدت يدها بـ"خلطة الهذيان" قائلة " "من سيرسل إلى الجبهات لا ينبغي أن يعذب سيحقد على فرنسا ، ربما ارتكب حماقة" كان عطشا حين مدت إليه القدح لم يستسغ منه إلا القليل وتفل الباقي ..

وكان ذلك القليل كافيا ليوقع.