أفي الله شك (2) / محمدن ولد الرباني

سبت, 13/06/2015 - 12:21

لم يزل الإنسان منذ نشأته يؤمن بإله -قد يتعدد ذلك الإله وقد يكون إلها واحدا- إلا أنه مركوز في الفطرة الإنسانية، وقد حكى القرآن عن المشركين إيمانهم بهذا الإله وأعاد أنماط الكفر في معظمها إلى الإشراك بالله، كحال قريش أو تكذيب الرسل كحال قوم نوح وهود أو الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعض كحال اليهود...

ومنذ القرن السابع عشر الميلادي انقلب الوضع في أوربا –وهي سيدة العالم- فانتشرت الظاهرة الإلحادية لجملة من الأسباب ذكرها العلماء كالعالم السوداني الشيخ الدكتور جعفر شيخ إدريس في كتابه الرائع "الفيزياء ووجود الخالق"  نقتصر على أهمها:

- التناقض الشديد بين كثير من دعاوى الدين الذي ورثوه والعلم الذي شاهدوه.

- التناقض بين منهج العلم التجريبي القائم على الدليل الحسي أو العقلي ومنهج الدين المسيحي القائم على التسليم والذي يقبل المتناقضات العقلية على أساس إن حقيقة الدين يقبلها القلب وإن كانت مخالفة لصريح العقل.

- خوض كثير من علماء الدين في المسائل الغيبية بمجرد الرأي.

- تعصب بعض علماء الطبيعة المتدينين تعصبا جعلهم يحاولون لي أعناق الحقائق العلمية لتوافق الدعاوي الدينية من ذلك أن المطران جيمز أشر James Usher في دراسته للكتاب المقدس استنتج أن الأرض خلقت عام 4004 قبل الميلاد وكان من الغريب أن معاصره مدير جامعة كمبردج أيد هذا الزعم وذهب إلى أبعد منه حين زعم أن الثالوث خلق الإنسان في 23 اكتوبر عام 4004 قبل الميلاد عند الساعة 9 صباحا، وهو ما علق عليه بعض الدارسين بسخرية قائلا: "إن مدير جامعة كمبردج هو وحده الذي تبلغ به الجرأة أن يجعل تاريخ خلق الإنسان موافقا لبداية العام الدراسي". (الفيزياء ووجود الخالق ص 21-23).

يضاف إل كل ذلك الشك العلمي في صحة الكتاب المقدس بكافة نسخه المتضاربة والصراع المرير ما بين العلماء ورجال الدين.

وإذا كانت تلك أهم أسباب الإلحاد فإن منظريه حرصوا على ألا يكون مجرد ردة فعل بل ألبسوه لبوسا علميا منطلقين من نظريات علمية، وقد تتبع أهم تلك الأسس العالم الهندي وحيد الدين خان في كتابه "الإسلام يتحدى" وأجملها في ثلاثة نوردها بتصرف وإيجاز:

الأول: البيولوجيا منذ أبدى نيوتن فكرة أن الكون مرتبط بقوانين ثابتة، تتحرك في نطاقها الأجرام السماوية ثم جاء بعده آخرون فأعطوا هذه الفكرة مجالا علميا أوسع يقرر أن كل ما يحدث في الكون من الأرض إلى السماء خاضع لقانون معلوم، سموه «قانون الطبيعة». فلم يبق للعلماء ما يقولون بعد هذا الكشف.

لقد فسر التطور العلمي للإنسان كثيرا من الأحداث التي لم يشاهدها من قبل، فهو لم يكن يعلم أسباب شروق الشمس وغروبها، فزعم أن هناك قوة فوق الطبيعة تجعلها تشرق وتغرب. وقد عرفنا اليوم أن شروق الشمس وغروبها يحدثان لدوران الأرض حول نفسها وبذلك انتهت ضرورة القول بهذه الطاقة تلقائيا (الله)، من أجل هذا قال هكسلي: "إذا كانت الحوادث تصدر عن قوانين طبيعية فلا ينبغي أن ننسبها إلى أسباب فوق الطبيعة"

- الثاني: علم النفس فقد اعتبر العلماء بعد البحوث العلمية في ميدان علم النفس، أن الدين نتاج اللاشعور الإنساني، وليس انكشافا لواقع خارجي وقرر عالم النفس النمساوي فرويد أن اللاشعور قد يقبل أفكارا في الطفولة، وتؤدي إلى أعمال غير عقلية، وهذا ما يحدث بالنسبة إلى العقائد الدينية: فان فكرة الجحيم والجنة ترجع إلى صدى الأماني التي تنشأ لدى الإنسان إبان طفولته، ولكن لم تسنح له الفرصة لتحقيقها، فتبقى دفينة في اللاشعور، ثم يفرض اللاشعور بدوره حياة أخرى يتيسر له فيها تحصيل ما كان يتمناه، شأن الرجل الذي قد لا يظفر بما يحب في الواقع فيحصله في المنام. وهكذا خرجت عقدة التفرقة بين الصغير والكبير من الجرائم الاجتماعية، فصاغوا منها نظرية على مستوى الكون والسماء.

- الثالث: التاريخ يرى أصحاب التفسير التاريخي أن القضايا الدينية وجدت لأسباب تاريخية أحاطت بالإنسان، فلم يكن في استطاعته أن يفلت من السهول والأعاصير والطوفان والزلازل والأمراض، فأوجد (قوى فرضية) يستغيثها، لتنقذه من البلايا النازلة. وهكذا ظهرت الحاجة إلى شيء يجتمع الناس حوله، ولا يتفرقون، فاستغل اسم (الإله) الذي تفوق قوته قوة الإنسان، ويهرع الجميع إلى رضاه يقول جوليان هكسلي Julian-Huxley "الدين نتيجة لتعامل خاص بين الانسان وبيئته"

ثم جاءت الفلسفة الشيوعية معتبرة الدين«خدعة تاريخية»، وقررت أن العوامل التاريخية التي خلقت الدين هي النظام البورجوازي الاستعماري القديم. وهذا النظام القديم يلقي اليوم حتفه.فلندع الدين أيضا يذهب معه.(الإسلام يتحدى ص 25-30).

هكذا أصحت ظاهرة الإلحاد في أوربا موضة فكرية وجدت الظهير العلمي حتى كاد الإلحاد يكون صفة لازمة للعالم وكاد الدين يصبح نقيضا للعلم.