التعليم ذلك المجهول

سبت, 13/06/2015 - 10:23

عبد الله ميارة
يتفق الموريتانيون في الغالب اليوم على تراجع مستويات التعليم وتدهور المخرجات التعليمية، وعدم تناسبها مع حاجة الأسواق الوطنية، ويختلفون في التشخيص والعلاج لتلك المشكلة التيلا تختص بها موريتانيا وحدها، بل يعاني منها العالم الثالث والبلدان المتقدمة على حد السواء، وإن كانت متفاوتة بطبيعة الحال حسب الظروف الطبيعية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمعات المعاصرة.

ورغم التقدم الحاصل والمسجل خلال السنوات الماضية إلا أن المشكل التعليمي لا يزال مستعصيا علي العلاج الحقيقي الذي يتطلب تكاتف جهود عدة قطاعات، حتى تتم عملية تشخيص وتقييم ومسح شامل لأوضاع المنظومة التربوية والتعليمية الوطنية.

لابد من إعادة تسمية القطاع التعليمي وتثبيت الشعار الوطني، فالتهذيب ترجمة فرنسية ركيكة استقرت في الأدبيات الوطنية منذ عقود ولا تترجم المعني الحقيقي لمطلوب للتعليم، ففي جميع البلدان المغاربية تسمي وزارة التربية الوطنية، وفي البلدان المشرقية يطلق عليها وزارة التربية والتعليم، كما أنه من الضروري وضع رؤية شاملة لقطاع التربية والتعليم ترسم الأهداف القريبة والمتوسطة والبعيدة المتوخاة من العملية التربوية ، وتجسيد الوحدة الوطنية وإعادة تجذير وتعزيز القيم الإسلامية ووضع البرامج انطلاقا منها، وتوفير المعدات "اللوجستية" وتدريب وتكوين الطاقم التربوي واستمرار تكوينه لا ستنبات الأرضية المناسبة للإبداع.
لقد أثبتت التجارب القديمة والمعاصرة استحالة نقل التكنولوجيا بالصورة التي يتبناها العرب اليوم، بل أن شعوبا صغيرة قد تجاوزت العرب في مضمار العلم والتكنولوجيا لأنها استلهمت القيم الوطنية والدينية واللغوية والثقافية الخاصة بها وضمنتها منظومتها التربوية والتعليمية، مثل ماليزيا وتايلاند واليابان وفيتنام وسنغافورة والهند وإيران، وقد استطاعت هذه البلدان كسب الرهان وتجاوز قاع التخلف الذي لا يزال العرب يمتلكون علامته التجارية بامتياز.

إن إعادة الاعتبار للغة العربية في كافة مراحل التعليم وبصورة حقيقية وواقعية ومدروسة بعيدة عن الاستخدام الإيديولوجي الفج والممجوج، وتطويرها أسوة بغيرها من اللغات العالمية، وتمكين التلاميذ منها والانفتاح علي اللغات العالمية

هو الحل الوحيد لتجاوز الآصار التي خلفها التعليم في الحقب الماضية، والتي ندفع ثمنها اليوم غاليا: جهل وتجهيل وعنف وتطرف وإلحاد وتجديف....بما يهدد الكيان الموريتاني الهش، كما أن إعادة النظر في الوسائل المادية وخاصة مراجعة سلم الرواتب والأجور ونظام التقاعد والتأمين الصحي، والبحث العلمي وتوفير المناخ للمعلم والمربي لأداء واجبه في أجواء الحرية والمسؤولية والأمان النفسي والاجتماعي والوظيفي، واستمرار التكوين والتدريب الداخلي والخارجي، وتفعيل التفتيش والتقويم مع إعادة رسم معاييرها وأهدافها ووسائلها مع مراعاة الخصائص الوطنية في الانفتاح علي التجارب الخارجية .

وطبيعي أن هذه المقترحات تستلزم وسائل مادية وبشرية ضخمة ، كما تستلزم مشاركة القطاعات المعنية بصياغة هذه الرؤية الشاملة وخاصة الشؤون الإسلامية والتربية والتعليم الشؤون الاقتصادية والتنمية والإعلام والعدل والخارجية والدفاع والمجتمع المدني والأهلي والأحزاب السياسية وهيئة العلماء ...مع اختيار الكفاءات الوطنية المشهود لها بالنزاهة والاستقامة والحياد وتغليب المصلحة الوطنية ،ومنح اللجنة كافة الصلاحيات والموارد المطلوبة لإنجاز العمل.

وأعلم أن البعض قد يرى أن هذ العمل من المستحيل، وأن الظروف غير مواتية، لكني أعتقد أن الوطن يحتضن الكثير من الكفاءات والقدرات والنوايا الحسنة، كما أن مربط الفرس في كل هذا هو الإرادة البشرية الواعية والمسؤولة.