رواية الحالمة الفصل الأول (الشاعرة)

خميس, 11/06/2015 - 11:19

كان محمد مستغرقا في بحثه في غابر الوعود عن هذا الوعد الذي تستنجزة ذلك المساء، وكانت بقدر إغراقه في التفكير يزداد صوت منى جهارة وصرامة وهي تقترب منه

محمد أين ما كنت تقول!!

-      ما كنت أقول ؟!

-      مُنَى : ما وعدتني به يوم العيد إذا ختمت القرءان .

-      محمد "أهيهْ" الآن ذكرته أن أشتري لك كتاب الوسيط ثم يضيف أي شعراء ذلك الكتاب أحب إليك؟

-      مُنَى أبدا لا لا أقصد ذلك

-      لم يشأ أن يقول أن نمكث يوما عند رأس الذُّرَيِّع مكان مولدك.

-      قاطعته قائلة: أن تعلمني قول الشعر

-      محمد: أو "لغن" الشعر الحساني أهون عليك.

" صحيح وعد الحر دين"

 ثم قال لها وهو يضع يده على ضفائرها الجديدة:

 الآن وقت (يتعاقبون) تعوذي بالله الآن"

-      مُنَى  : متى نبدأ

-      الليلة بعد العشاء.

لم تفهم الريم حين عادت بعد العشاء أن يحفظ محمد لمُنَى  تلك المقطوعات الغزلية وحين ألمحت بذلك أجابها:

-         أين كنت في هذا الوقت ؟

-         الريم: كنت أجمع بعض "الصدرَ الخظرة"

-         ورق شجر السرح

-         نعم

-         ذلك أنجع دواء للشقيقة وأمراض البرد

-         لمن كنت تريدينه

-         للحزم

لم تكن الريم تجمع الأوراق كما زعمت بل كانت تسترق السمع إلى المدح الليلي حينما بدأت بنج ولم تكن تملك نفسها حين علمت أن السهرة سيحييها المداح الشهير سعيد و مارية و كانوا حين تناهى إلى آذانها غناؤهم في استراحة عابثة بين مدحتين .

-                 محمد ملتفتا لمنى : اسمعى  في الشعر الحساني يسمى البيت "كاف" بالقاف اليمنية وفي التقطيع لا يعتبر الساكن ويسمى الشطر" تافلويت" سنبدأ ببت واحد وهو متحرك واحد اثنان بحر يسمى منه "بت أثنين" و شطران منه شطر واحد من "احويويص" وشطران منه شطر كامل من أشرف البحور "لبتيت "

كانت تعرف أسماء تلك المصطلحات دون أن تصل منها إلى معنى أو تفهم دلالة .. شيء واحد استفادته منى حين قال لها في إحدى جلسات التعليم :

وهذه خمسة أبيات كرريها حتى تتعودي على نمطها ثم حاولي أن تقولي على ذلك الوزن دون تقيد بالمعنى ولا بالروي وإذا أتقنتيه فحاولي الالتزام بالروي ثم حاولي العودة للمعنى، قاطعتها الريم قائلة:

" هذا نوع من الفضول لم يُلحق من قبل "

كانت تلك الأحاديث مثار استغراب الشيخ العطشان لكنه كان مأخوذا بذكرياته العاصفة مع محمد في "الشط" والتي تتوالى عليه منذ عرفه على النار مع محمد ليلة رأس الذُّرَيِّع .

بعد إلحاح الريم أنهى محمد تعليم مُنَى  لكن تلك النهاية كانت بداية لمُنَى  مع أسبوع من المحاولات اطمأنت في آخرها إلى محاولة عرضتها على والدها مدعية أنها لصديقه المحبوب الأديب حطَّار الذي كان له مجالس أدب ساهرة في مقامهم العام الماضي عند بلدة تِلمَّاس.

كان ذلك "الكاف" أو البيت كما تسميه صديقتها مريم متداولا على كل لسان ولكل معه قصة فالأب ينشده باعتباره إبداعا من صديق عزيز وصواحب مُنَى  يعتبرنه انتصارا حيث استطاعت صديقتهم أن تقول الشعر وحدها فاطمة لم تسمعه فهي لا تستطيع أن تسأل محمد عنه والريم لا جدوى من سؤالها فهي لا تحفظ وقد حاولت من بعض تلامذتها وتوددت إليهن دون جدوى.

أخيرا جاءها لوح مُنَى  المصنوع من شجر التنضب والذي توارثتة خمس جدات ولا يعلم أحد تاريخ صناعته إلا أن صفائح الحديد التي تلائم أجزاءه تشي بتقادم عهد صانعيه .

 وجاء اللوح  من الدار التي نسيته فيها مكتوبا عليه بخط زَيْنْ بقلم رقيق لم تقرأ فاطمة منه إلا كلمتي (شنه عندك ذاك) وكانت تعالج قراءتها بنظاراتها الجيدة وتدعوا بالبقاء لسيف القبيلة الذي أهداها لها السنة الماضية مع مصحف كبير ونسخة من دلائل الخيرات .

-      مُنَى  يا مُنَى  قالتها فطمة بصوت مرتفع تخنقه بحة حين مرت بها في هدأة الزوال .

-  عجلى لقد أرسلتني  الريم لمنقاش تنزع به شوكة

-  شوكة لمن ؟

- ما نعرف شوكة في  قدم عابر سبيل؟

-  وعادت مُنَى بعد إلحاح فاطمة .

-  الحمد لله جاء لوحي متى جاء؟

-      فطمة : بالأمس، اقرئي لي هذه الأبيات وأشارت إلى اللوح 

-      مُنَى  وهي تسر الاستغراب مَلْكَايَ.... مَلْكَايَ.

-      فطمة: مشي الشعر ليس فيه حياء

وأخيرا وضعت فاطمة يدها على كلمة مـمحوه قائلة لمـُنَى  اقرئي ثم على كلمة أخري ، عندها فهمت فاطمة البيت تشم رائحة شجو و لا تبصر  .

وشردت أوهامها وهي تتمتم :

هل يقع الشاعر حقا على الشاعر .؟ أيهم الذي وافق خاطر الآخر.؟ أم أن في هذا الشعر خطة ؟

وأخذ صوتها يرتفع بنبرة موسيقية متقنة:

مَلكــــاي لك ذاك بك

ش فخـــلاك هــــاك

شنــه عندك ذاك حك

          شنــــه عنــدك ذاك