فوز بطعم الهزيمة .. أردوغان لم يمت

اثنين, 08/06/2015 - 16:53

بات في حكم المؤكد الآن أن حزب العدالة والتنمية حافظ على صدارة المشهد السياسي التركي، مع أنه مني بانتكاسة هي الأولى في تاريخه. سيجد نفسه أقلية في البرلمان التركي في مقابل طيف سياسي لا يجمع بين مكوناته سوى رفض "أتاتوركية" أردوغان.

258 نائبا في برلمان من أصل 550 عضوا، يبدو هذا الرقم صاعقا، خصوصا إذا أضيف إليه أن أقرب منافسه لم يحصد سوى نصف هذا العدد تقريبا (132)، لكن ديمقراطية تركيا الواثقة من نفسها، وضعت رجب طيب أردوغان في ورطة؛ فقد أكد مسؤولون في حزب العدالة والتنمية أنهم لن يقودوا حكومات ائتلافية، كما أن فرادة إنجازهم تجعل الشراكة معهم أمرا معقدا.

الأحزاب الأخرى أكدت على رفض الشراكة مع العدالة والتنمية، وفي مقدمتها حزب الشعب الجمهوري، وحزب الشعوب الديمقراطية الكردي.

وضع الناخب التركي باختياراته التي رحب بها أوغلو قبل قليل، حدا لطموحات أردوغان بحمل الصلاحيات إلى قصر الرئاسة، ولو مؤقتا، وأرسل رسالة سلبية إلى سياسيته الخارجية، وانخراطه "غير الحصيف" في بعض ملفات الشرق الأوسط اللاهبة، ووضع على حافة الخطر حلمه في تركيا 2023، التي حشد لها أقوى مشاريعه التنموية.

لا تعني النتائج أن خصوم أردوغان فازوا في الانتخابات أو انتصرت مشاريعهم. إنهم استطاعوا إعاقة مشاريع أردوغان، إلى حين على الأقل. فما يفرق بينهم أكثر مما يجمع. يتحمل حزب الشعب الجمهوري دماء "آلاف الشهداء" من الأتراك بحسب القيادات الكردية التقليدية، وإن كان قائد الحزب الكردي (78 نائبا) صلاح الدين دمرطاش والزمرة المحيطة لا يمانعون في التلاقي مع أحفاد أتاتورك.

يوجد تنافر جذري بين الأكراد والحركة القومية (82 نائبا)، ويعد اللقاء بينهما أقرب إلى "المستحيل السياسي". قبل ايام قال رئيس الحركة إنه سيستقيل إذا تجاوز الأكراد حاجز 10%.

لم يبق محتملا إلا لقاء مصالح بين الثلاثة يعيق تشكيل حكومة ائتلافية بين أي منهما والحزب الحاكم، كما أن ائتلافا يجمع ثلاثتهم غير وارد، مما يعني إمكانية تشكيل حكومة أقليلة بقيادة العدالة والتنمية، أو استمالة بعض النواب (يحتاج 18 نائبا) لتحوز حكومته أغلبية في البرلمان.

ويمكن أن يتجه الحزب الحاكم إلى تحالف معلن مع الحركة القومية، باعتبارها لوبيات مصالح لا تقيم كبير اعتبار للمحددات الإيديولوجية، ولم يغلق نائب رئيس الحركة الباب أمام هذا الاحتمال عندما قال إن الحديث عن الائتلاف سابق لأوانه. كما يمكنه اللجوء إلى اتفاقات من تحت الطاولة مع الأكراد تُميل الأوجلانيين منهم إلى دعم حكومته، ولو في الخفاء.

وفي حال لم تتمكن المعارضة من تحصيل ائتلاف تنزع به الحكومة من عباءة أردوغان، ولم يستطع العدالة والتنمية أن يحصل دعما لتشكيل حكومة فإن أمام تركيا أن تقاد بحكومة أقلية، أو تسير باتجاه انتخابات مبكرة لا تضمن فائزا، ولا تؤمن منتصرا. وهو اختيار مرٌّ في حالة لا توجد بها خيارات عسل.

لما ذا تخلى الأتراك عن أردوغان؟

لم يتخل الأتراك عن أردوغان، وإن أوقفوه بذكاء عن أن يتحول إلى أتاتورك. ما من شك في أن نتيجة الانتخابات تشير إلى امتعاض من شيء ما في سياسة الحزب الحاكم. ليس قطعا تحسين حياة الأتراك ولا المشاريع التنموية التي تعيش تركيا بفضلها طفرة اقتصادية.

لن يجد المراقبون إلا سياسة العدالة والتنمية الخارجية ليقولوا إنها كانت وراء موقف الناخبين الأتراك الذين منحوا أردوغان قبل أقل من عام أكثر من خمسين في المائة من أصواتهم.

مدينة اسطنبول التي وصفت بالقاصمة لظهر العدالة والتنمية في هذه الانتخابات ينظر سكانها إلى اندفاع أردوغان في ملفات المنطقة على أنه ضيق عليهم المدينة الفسيحة، وضايقهم في أرزاقهم، بملايين السوريين ومآت الآلاف من العرب من الجنسيات الأخرى، كما ينظر بعض أرباب رؤوس المال فيها إلى أن سياسة حكومتهم تضر بالاقتصاد، وتقلص أرباح الشركات.

غياب أردوغان وكاريزماه لا شك لعب دورا في هذا "الفوز"، وانتقال شعبويته إلى دائرة غير الدعاية الانتخابية المباشرة.

خارجيا سينظر إلى هذه الانتخابات بعيون متناقضة؛ فعواصم مثل الدوحة والرياض، إضافة إلى غزة، ستجد أنها خسرت الانتخابات، بينما ستعتقد أبو ظبي وتل أبيب والقاهرة ودمشق وطهران أنها ثأرت للانتخابات الرئاسية، وسينتشي غولن بما يعتقد أنه نصر لحلفائه الأخفياء، ويعتقد السذج من أتباعه أنه نصر إلهي هبطت به الملائكة من بنسلفانيا.

يبقى أن النخب التركية لا يمكن أن تعيد تقسيم الليرة التركية على أربعمائة، ولا أن تأخذ من جيوب المواطن التركي تسعة أعشار دخله الحالي لتعيده إلى ما قبل أردوغان، ولا يمكن للنخب المدنية أن تفكر في إعادة الدولة والحياة إلى حضن البزة العسكرية، تقطر الحرية، وتضيق هوامش التحرك في الحياة السياسية.

إن رجب طيب أردوغان مارد لم يتعود أن تهزم راياته، أو يعش على أنصاف الانتصارات، فهو من بنى مجدا ينظر إليه مكتملا بعد ثماني سنوات من الآن، يتخيله في نومه، ويقظته، ولن يسمح بسرقة، حلمه، حتى ولو دفعه ذلك إلى "تنازلات" قد تبدو مذلة، فهو أستاذ التنازلات المؤقتة.

حزب العدالة والتنمية ما زال الأولن ومؤسسه يجلس في قصر الرئاسة، وقياداته القوية مبثوثة في مفاصل الدولة، ورجال أعماله يرقبون حركة الاقتصاد باتجاه أهداف كبرى، ترفع تركيا إلى الاقتصاد الأول عالميا في ظرف عقد من الزمن.

العدالة والتنمية لم ينهزم، ولم ينتصر خصومه، وإن كان خطا خطوة إلى الوراء، فلا شك أنه سيظل أهم الفاعلين في تركيا، لعقود، وربما لقرون قادمة. أردوغان لم يمت.