رواية الحالمة: المضيق/ محمد عبد الله بن الشيباني

جمعة, 05/06/2015 - 11:33

كان على طرف الوادي طريق وحيد ضيق لابد للإبل أن تتفاوت فيه، لم يخطط الشاب لتأخر مُنَى ولم تثني مُنَى الزمام ليلتحق بها بن العم لكن "بدبليج" اعتاد أن يتأنف عن مزاحمة الإبل عند المضايق .. مرت العضباء وعليها العمة فَطِمَتُّ ثم مر البعير"بُكَي" الذي اختير للوالدة وتوالت الإبل و انعطفت الطريق .. أصبح الآن أمام ابني العم ستمائة قدم هي طول المضيق الرملي عليهما أن يقطعاها بعيدا عن أسماع وأعين الناس كان يحضر في نفسه كلمات معبرة وموحية تفهم دون أن يصرح. في مجتمع لم يعهد التعبير عن المشاعر حزنا أو فرحا..

 همَت أن تنظر إليه من الشق ثم تذكرت حادثة الشروق فرفعت السجف قليلا قليلا وحين أدركت أن الرجال لم يلتحقوا بالركب ابتسمت من مفارقات قصص محمد محمود التي استعذبتها مقيل الأمس وهي خلية وأزعجتها ليلة البارحة وهي حالمة وها هي الآن تعطيها فرصة تمنتها منذ زمن بعيد جدا هو ليلة البارحة.

رفعت السجف وما زالت تعلوها تلك الابتسامة كاد الشاب أن يقول لها:

"أحبك"

 كلمة لم يسمع أحدا يقولها لأحد وإن كان قرأها في الأدب العربي والحساني.

هم أن يخاطبها بالكلام المقلوب على عادة الشباب في تلك الصحراء، لكن لم تطاوعه نفسه أن يواجهها بكلام خشن حتى ولو كان مفهوم المعنى والدلالة أبطأ قليلا ثم أخذ ينشد :

وحَــالمة على وَعْثِ الرِّمال ** خَطت سكرى تبسم للخيال

وترفــل في سواد النيلة ترنو** إلى وطن من الأحلام غال

أضاء البرق فارتسمت بروحي ** جمالا لا يبيد مدى الليالي

لم تعرف مُنَى كيف أفلتت منها تلك الكلمة:

 و"الله إنك لتقصدني البارحة"

ولم يتمالك هو أن قال وبكل انفعال:

 "والله أل حق".

لم يعط انتهاء المضيق واقتراب الرجال الثلاثة فرصة لأحدهما ليتبين جدية الآخر وانعطف الشاب بالعشار مشرقا هو وعبد الحي والتحق الشيخ العطشان ومحمد بالمرحل وظلوا صامدين للشمس حتى اعترض طريقهم حي من أخوالهم.

-         والله لن ندعك تتجاوزنا بفطومة

"قالها أحد رجال الحي وهو يُصوِّب رأس الجمل ليبرك.

-         الحمد لله الذي جاء بكم رغما عنكم.

"قالتها امرأة جاءت وهي تحمل قدحا عظيما

-         قالت ثانية سبقتها ببعض الهدايا

"امكثوا معنا أسبوعا أو شهرا تخطيكم لنا قطيعة للرحم"

-         قالت ثالثة بصوت فيه غنة واضحة :

"ستمكثون معنا لتدرس فاطمة أبناء الحي ويذهب أحد الفتيان مع فطومة إلى المقبرة"

-         ولد بودف:

" سأذهب أنا معها

... نظرت مُنَى إلى والدها كأنها تستجديه قبول العرض نقل محمد نظرات مُنَى  إلى والدته التي ابتسمت قائلة "والله فيها خير".

كان مر عام على آخر رؤية لهذا الأجواء بالنسبة لمُنَى .. لوح يغسل إلى جنب جذع شجرة.. صبي يذرُّ التراب بلطف على لوحه ليبيضَّ.. صبي يجذب رأسها ببراءة ليسألها

-      متى الأربعاء؟

-      مُنَى  :بعد يومين

واستدار الصبي ثم أخذ يدور في نقطة ثابتة مادا يديه تاركا الرياح ترفع ثوبه انضمت إليه مجموعة من الصبيان.. ولد متال, منت يوسف, الزغمه, الدرجالها, احميادة... أحست أول الأمر بالدوار وسرعان ما ألِفت من جديد ذلك المشهد الذي كان جزءا من حياتها قبل سنة.

لم تتذكر الريم أن تطلب من فاطمة أن تكمل لمُنَى نصف الحزب المتبقي لها من القرءان إلا بعد أن قارب وقت العصر يوم الأربعاء

-      الريم عصر الأربعاء هل دخل ؟

-      الوالدة – حتى ولو - ما بدء أمر بيوم الأربعاء إلا تم .

لوحي لم يأت؟

لم يأت وسأكتب لك في لوح آخر

هذا ؟

سحبت فاطمة اللوح من مُنَى  وكتبت فيه سطرا واحدا ثم ناولتها إياه قائلة

-      نأخذ الفال انزعي عشرا

من سطر واحد؟!

نعم كرريه عشر مرات قبل دخول عصر الأربعاء وحين ولت - وهي تميل ضفائرها المهلهلة المتقاربة وتقارب خطوها في قفزات متتالية مائلة ألفتها قبل التسمين –

نادتها

"      انزعي سبعا فقط ففي السبع سر"

ظلت مُنَى  يوم ختمها القرءان تعيش جوا من الفرح العارم تتنازعها التبريكات والتهانئ.. نظرات غيرة من بعض الأمهات .. صديقاتها السبعة - إضافة إلى كل تلاميذ فاطمة – ظلوا ذلك اليوم يتراشقون بالنوى القليل الذي وجدوا في شنة التمر المفصص التي خبأتها الريم لهذا اليوم وكانت مُنَى  تقطع المسافة بين كل الجيران حاملة إليهم الهدايا على أجنحة من الحلم الخيالي السعيد ..

الهدايا متقاربة.. ثياب أنواع من المسك ، قطع من الكحل الحجري .. هديتان فقط حملتا بصمات المدنية ، هدية أباه و هي عبارة عن ساعة ساعد عجيبة تحدد الساعات بدقة ، تمنى حين جاءته بها أن يكون عبد الحي حاضرا ليسأله عن حكم تقليدها في مواقيت الصلاة وهل جعلها في اليد تشبه بالنساء أم لا ؟.

الهدية الثانية هي مصباح ضوئي عجيب يوقد بلمسة ويطفأ بأخرى.. شرح استعمال الهديتين كلف مُنَى  ساعة جد في يوم هازل طروب ، توزع تلامذة فاطمة طيلته بين  لعبة "اشناك" و" صلبطودمراو" قبل أن يصلوا إلى لعبة "هيب" بعد العصر

سوى تلك الساعة لم يقطع سعادة مُنَى إلا شيء واحد حين تناولت قطعة ناضجة من اللحم ذكرتها بليلة التسمين الأولى حين عملوا لها "الليلية" باللحم الناضج المغموس في الدهن الحر وباتت تُسقى عليه المذق الرقيق حتى الصباح. تلك العملية الحزينة التي أضافت إلى عمرها خمس سنوات في شهر.

بقي أثر من تلك الليلة يضفي ضيقا على منى ويظللها بالاكتئاب ذلك المساء حتى أسدلت رؤية والدها قادما من الشرق، ستارا على تلك الذكرى .. كان متقلدا عقال بعير و منتطقا فوق دراعته الجديدة بخطام ناقة.

 هرولت نحوه مع غروب الشمس وهي تقول في صبيانية عذبة :

-      محمد .. محمد.. أين ما كنت تقول؟