موسوعة الفتك بحجج محللي ربا الفتك ح2

أربعاء, 03/06/2015 - 13:20

الشبهة الأولى:

قال الشيخ اليدالي في الصفحة 17 والصفحة 18 ناقضا نقل العلماء -  على مختلف مذاهبهم ومشاربهم - أن كل قرض جر نفعا مشروطا محرم بإجماع علماء المسلمين، قال ناقضا ذلك: ((وعبارة ابن حزم في مراتب الإجماع: واختلفوا إذا شرط رد أفضل أو أكثر مما استقرض أجائز أم لا يحل؟. وقد سلم ابن تيمية حكاية هذا الخلاف، وقد نقل عليش في فتاويه: "فما([1]) الذي جرح إجماع ابن حزم لا سيما والشيوخ يقولون: أصح الإجماعات إجماعاته".

وقال في ص 31 - وهي الأخيرة-: ((هذا وفي الجزء الخامس والثامن من المحلى لابن حزم ما يخالف ما مر عنه في المراتب، ويمكن توجيه ذلك بأنه من الخلاف في فهم الدليل، وهو غير قادح فيه عند أهل الأصول على أن أهل البيان يقولون:

كل مقام عنده مقال
 

 

به ثبوته والانتقال
 

خطابك الذكيَّ والغبيَّ لا
 

 

يتَّحدان ما الثبيت الأميلا.))
 

جواب الشبهة الأولى:

الجواب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب: صحيح أن أصح الإجماعات إجماعاتُ ابن حزم، وقد نقل عليش ذلك في فتاويه([2]) عن أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي في المعيار، فقد قال في المعيار : ((لا يقال: إجماعات أبي عمر مدخولة وقد حذَّر الناصحون منها ومن اتِّفاقات ابن رشد واحتمالات الباجي واختلافات([3]) اللخمي، لأنا نقول: غاية هذا نسبة الوهم إلى أبي عمر من غير دليل([4]), ولئن سلم على سبيل المنازلة فما الذي جرح إجماع ابن حزم لا سيما والشيوخ يقولون: أصح الإجماعات إجماعاته. ([5]) ))

لكن هذا حجة على الشيخ, فالحمد لله الذي أنطقه بها، فابن حزم إنما نقل في «مراتب الإجماع» الإجماعَ على حرمة اشتراط ردِّ أفضلَ أو أكثرَ مما استقرض، فالنسخة التي اعتمد عليها الشيخ هي أفسد النسخ الموجودة من مراتب الإجماع، وهي نسخة دار الآفاق الجديدة بيروت الطبعة الثانية 1402هـ/1982م بدليل أن الشيخ أحال على ص 108 من مراتب الإجماع، وهو ما يوافق تلك الطبعة، وهي أفسد الطبعات التي وقفت عليها من مراتب الإجماع، وإنما سلمها ابن تيمية لأن عهده بها في القرن السابع سليمةً، فتسليمه لها حجةٌ على الشيخ أيضا، وقد وقفت على ثلاث طبعات من "مراتب الإجماع", ولم يخف عليَّ ولا على من لقيت من العلماء فسادَها، لأن أول كلامه وآخرَه يدل على فسادها، لأنه قال في أول كلامه في غير النسخة التي اعتمد عليها الشيخ: ((واتفقوا أن اشتراط رد أفضل أو أكثر مما استقرض جائز أم لا يحل، واختلفوا إذا تطوع المقترض بذلك دون شرط)). فلا يخفى أن قوله: ((جائز أم لا يحل)) غير مستقيم مع ما قبله، ولا يخفى أن النسخة التي اعتمد عليها الشيخ وهي: ((واختلفوا إن اشتراط([6]) رد أفضل أو أكثر مما استقرض جائز أم لا يحل، واختلفوا إذا تطوع المقترض بذلك دون شرط))، لا يخفى أن قوله في هذه النسخة: ((جائز أم لا يحل)) غير متناسب مع ما بعده، فهو بعيد، إذ كيف يقول: ((اختلفوا إذا اشترط رد أفضل أو أكثر مما استقرض أجائز أم لا يحل، واختلفوا إذا تطوع المقترض بذلك دون شرط)) ولم يقل: ((واختلفوا في رد أكثر مما استقرض مطلقا شرط أم لا)) فهو بعيد، وأبعد منه أنه مخالف لابن حزم نفسِه كما اعترف به الشيخ، لكنه اعترف به متأخرا، فقد نقل كلام ابن حزم في المراتب في أول نقوله التي استند فيها لإباحة اشتراط النفع في القرض ونقل كلامه في المحلى في خاتمة كلامه، جامعا بينهما بما جمع، فما أبدعه من جمع وتفريق.

فقد نقل ابن حزم الإجماع على حرمة اشتراط النفع في القرض في المحلى: في ثلاثة مواضع حسبما اطلعت عليه، وصرح في بعضها بأنه إجماع مقطوع به([7])، مع تشدده في الإجماع، فهو من أشد الناس تشددا في الإجماع، وذلك هو السر في صحة إجماعاته، فقد قال في خاتمة مراتب الإجماع: ((ونحن نرغب ممن قرأ كتابنا هذا أن يلتزم لنا شرطين، أحدهما أن لا ينحلنا ما لم نقل بكلفة منه أو تعمد...)) إلى أن قال: ((وإنما شرطنا ذكر الاتفاق لا ذكر الاختلاف، ولعل الاختلاف يكون أزيد من خمسمائة كتاب مثل هذا الكتاب إذا تُقُصِّيَ، ورأيت لبعض من ينسب نفسه للإمامة والكلام في الدين - ونصب لذلك طوائفه من المسلمين - فصولا ذكر فيها الإجماع فأتى بكلام لو سكت عنه لكان أسلم له في أخراه بل الخرس([8]) كان أسلم له...)) إلى أن قال: ((فلقد يحق على المرء أن يخطم كلامه وأن يزمه، إلا بعد تحقيق وميز، وأن يعلم أن الله تعالى بالمرصاد، وأن كلامه محسوب مكتوب مسؤول عنه يوم القيامة وعن كل تابع له، إلى آخر من اتبعه, عليه وِزْره، ثم لجمهور علماء الحديث وأئمتنا رضي الله عنهم اتفاقات أخر لم نذكرها هنا، لأنهم لم يجمعوا على تفسيق من خالفها فضلاً عن تكفيره، كما أنهم لم يختلفوا في تكفير من خالفهم فيما قدمنا في هذا الكتاب.)) انتهى الغرض منه([9]).

وقال ابن تيمية معلقا على قوله: "أن لا ينحلنا ما لم نقل": ((ومن هذا القبيل الاستدراك عليه بذكر خلاف بدون سند صحيح وبدون نقل عن كتاب معروف بصحة النقل.)) انتهى الغرض منه.

وهنا نتمثل بقول الشيخ سعد بوه : القائل – حسب ما عزاه له الشيخ اليدالي- : إنه لا يأتيه خصم بدليل إلا غلبه بدليله. فليس هذا إلا ابن تيمية وابن حزم اللذين اعتمد عليهما الشيخ .

ولتقارن بين قول ابن حزم في المحلى: إن الإجماع على حرمة اشتراط النفع في القرض إجماع مقطوع به، وبين قوله في المراتب: ((كما أنهم لم يختلفوا في تكفير من خالفهم فيما قدمنا في هذا الكتاب)) تجدهما يخرجان من مشكاة واحدة.

فما في النسخ الفاسدة مخالف لابن حزم, ومخالف لابن تيمية أيضا، فقد نقل عليه الإجماع في فتاويه([10]).

وأبعد من ذلك أنه مخالف لكافَّة العلماء الذين تكلموا في المسألة ونقلوا عليها الإجماع، وربما صرح بعضهم أنه لا يعلم فيها خلافا كما سترى إن شاء الله سبحانه وتعالى، وإجماعات ابن حزم أشهر من أن تفوت على العلماء، وأصح من أن تخالفهم.

 ثم بعد أن ظهر لي ما ظهر وقفت على كتاب: "الإقناع في مسائل الإجماع" فإذا به قد نقل كلام ابن حزم في "مراتب الإجماع" في القرن السابع الهجري قبل أن تعبث به أيدي النَّسَخَة، ولو عبثت به لما فات ذلك على أمثاله، فقال: ((المراتب: واتفقوا على أن القرض فعل خير وأنه إلى أجل محدود أو حال في الذمة جائز، واتفقوا على رد مثل الشيء المستقرض، واتفقوا أن اشتراط رد أفضل أو أكثر مما استقرض (حرام لا يحل([11])) واختلفوا إذا تطوع المستقرض بذلك دون شرط)). اهـ الغرض منه([12]).

فالحمد لله الذي لم يجعلنا تبعا للمطابع الفاسدة وأبطل هذه الشبهة وسد هذا الثغر المفتوح على شرع الله من أشهر وأصح كتاب من كتب الإجماع المتداولة بين المسلمين، وبذلك يكون من ارتقى مراتب الإجماع سُلَّما لإباحة الربا قد:

... ... ... ... ...

 

زلت به إلى الحضيض قدمُه
 

ولعلَّ رشَّ المداد نقط راء (حرام) فقلبها زايا، فقرأ الناسخ الثاني: نصف (حرام) وهو الألف والميم: (ام) قرأه (أم)  لا سيما والناسخون الأُول لا يعتنون بالهمز، هذا هو سبب التصحيف إن شاء الله تعالى. والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

الشبهة الثانية:

قال الشيخ في ص 17: ((عبارة ابن المنذر في كتاب الإجماع آخر باب السلم: (وأجمعوا على أن المسلف إن اشترط (عشر) السلف هديةً أو زيادةً فأسلفه على ذلك أن أخذ الزيادة ربا)).

ثم قال الشيخ بعدما نقل عبارة ابن المنذر: ((ثم انظر قوله: (عشر السلف) حتى تدرك سريَّة الحرفيَّة في التعبير)) ثم قال في ص 18: ((وأما إجماعات ابن المنذر فمشهود لأغلبها بالصحة ولهذا استحقت التأمل الذي أشرنا إليه)) ثم قال في ص 15: ((وبعد هذه الإشارة السالفة والإشارة الخاطفة نبقى أمام إجماعٍ ولا إجماعَ أو قياس وهو مظهر للحكم لا مثبت له، أو أحاديث ضعيفة، وإنما يحكم بها في الترغيب والترهيب)) إلى آخر ما في ص 15 وص 16 مما هو أجدر بالإعراض عن إفساد الورق والمداد فيه، ثم قال في ص 21 قادحا في إجماع ابن المنذر بعدما نقل كلام فتح الباري الآتي، وكلام نيل الأوطار الآتي، وكلام النووي الآتي قال ناقضا إجماعَ ابن المنذر: ((وانطلاقا من هذه النقول يتأكد أهمية ما أشرنا إليه في عبارة ابن المنذر التي جاء فيها: وأجمعوا على أنه إن اشترط عشر السلف... إلخ.))

جواب الشبهة الثانية:

 

 

([1]) التركيب هكذا في بحثه، وقوله: "فما الذي" مفعول "نقل"، فلا تتوهم أن عليشاً نقل الخلاف الذي هو في الطبعة الفاسدة التي نقل منها الشيخ.

([2]) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه المجلد الأول ص 79 دار الفكر.

([3]) ليست خطأ مطبعيا.

([4]) – قف.

([5]) المعيار ج12 ص 31.

([6]) هكذا النسخة التي اعتمد عليها الشيخ، لكن الشيخ هذَّبها فأبدل الاسم بالفعل، و(ان) التي لا أعرف هل هي شرطية أو حرف ناسخ، أبدلها بـ (إذا) وأدخل الهمزة على (جائز)، فاستقام الكلام فأصبح لا يلفت انتباه القارئ.

([7]) المحلى لابن حزم ص 77 و468 و494 من الجزء الخامس في باب القرض وفي كتاب البيوع طبعة دار الفكر.

([8]) كذا في الأصل وهو غير بعيد.

([9]) نقد مراتب الإجماع، ص 178 طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

([10]) مجموع فتاوى ابن تيمية المجلد 29 ص 34 طبع بأمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود.

([11]) قف.

([12]) الإقناع في مسائل الإجماع ص 1667 من المجلد 3 طبعة دار القلم دمشق، والصفحة: 196 من طبعة الفاروق الحديثة للطباعة والنشر.