رواية الحالمة (الـرحــــــــيل) \ محمد عبد الله بن الشيباني

سبت, 30/05/2015 - 13:59

ردت مُنَى سلام جدتها الوقورة و هي تخطو إلى موضع محم وما كانت لتقترب إلى ذلك الحد من الشيخ عبد الحي لو كانت تراه.. نادت محم بلطف ليوقظ لها الزيعر.

كانت نبرة الوالدة صارمة وهي تقول له:

" اسمع يا بني ما زالت تفصلنا عن "الصالحين" مسافة ولا بد أن أدرك وقت الجمعة عند قبر أبي."

حاول الكلام.. كاد أن يعتذر لأول مرة في حياته عن أحد طلباتها النادرة وشرد ذهنه لحظة وهو يتساءل ماذا أفعل بكل هذا الهم ؟

الشيخ العطشان الضيف الخاص

       ابن أخي المنهك

       العلامة عبد الحي

       المطر المطل

الريم التي كانت تعتزم تعميق البحث عن جوهرة الخطوبة التي ضاعت تحت السمرة

و أغضى على لذع وهو يتذكر الوعد الذي طالما مَنََّى به مُنَى ، أن يريها السرحة والتل و مراتع لهو الصبا.

 لا مخرج يرضي ولا يغضب ليس أمامي إلا الرفض غير المعتاد أو القبول المحرج.

اختار محمد إحراج ضيوفه بدل رد طلب والدته وفي تلك اللحظة بدأ قلب مُنَى بالخفقان .. وأحسَّت وهي تسمع أنباء الرحيل قبل الفجر ببنيان أحلامها ينهار في لحظة من لحظات الحزن التي لا تنسى...

 وأحست بقرب المسافة بين القرب والبعد وهي لا تمتلك حيلة إلا أن تحمل بعض الحصباء للذكرى على أمل أن تلقي بنظرة مع الإسفار على المشهد عن بُعْد ، وحتى هذه أيست منها بعد أن أنهى الرجال الأربعة بسرعة تقويض الخيمتين ورفعََهما على الجمال لتنطلق القافلة قبل الفجر منسلخة من محيط رأس الذُّرَيِّع شيئا فشيئا.

همت مُنَى أن ترفع جانب الستر مع امتداد ضوء النهار لتلقي نظرة على حلم مات قبل أن يولد قبل أن تكتشف شقا خفيفا في السجف الذي يحيط بالهودج أطلت من خلاله على ابن عمها المطرق لوصايا وأحاديث الشيخ عبد الحي وهما يخطوان على أثر الإبل وبنفس الوتيرة، تبينت فيه وسامة جده الدي وبياض جدتهم فطومة التي ورثوا منها بياضا مشوبا بصفرة لا يكاد يخفى أو يوجد له مثيل أو يخطئ أحدا من العائلة.

بدأت خطى الشيخ وزَيْنْ تتثاقل وأخذ جملها(بودبليج) يبتعد بها عن ملاحظة ابتسامات الشاب لإنشادات الشيخ حاولت أن تزيد الشق الذي في الثوب لتلاحظ المشهد بحرية أكثر ولولا دربة "بدبليج" والتفاتة عبد الحي لأودت بها تلك المحاولة التي مالت بها حتى كادت تنجرف.

ومع شروق الشمس كانت قد انتهت معركة حامية وجهاد جهيد لإنقاذ مُنَى من سقطة محققة، ففي الحين الذي كانت تميل بها أعواد الهودج الذي تركبه غاصت يدَا الجمل في الأرض بشكل يمنعه أن يبرك ويمنعه أن يتقدم .

       صاح محمد وهو دهشان لا بد من إنزال مُنَى

-      الشيخ عبد الحي لن تستطيع النزول من الجمل واقفا

-      الشيخ العطشان وهو يضع يده على ذراع الجمل:

"سأبرك لها أنا ويتلقاها الزيعر"

كاد الشاب أن يقول أبرك أنا لكنه سكت .

 هَمَّت مُنَى أن تنظر إليه عن قرب لكنها لم تستطع فتساءلت في نفسها:

       " لماذا القرب حجاب"! ؟

"لماذا كلما سمحت ظروف حالت أخرى" ؟.

انقبض الجمل حتى كادت تسقط إلى الجهة الأخرى ثم انتزع يديه بقوة من الرمل بقفزة واحدة وعادت إلى مكانها فواصل المسير كأن شيئا لم يحدث وترك زين يبتلع ريق الحسرة.

خاف الشاب أن يصل إلى المكان المقابل لأهله قبل أن يظفر من ابنة عمه التي سماها في سره- لوحة السََحرْ – بسلام أو كلام لكنه دبر حيلة حين عرف ذلك الراكب القادم من الشرق.. عرف محمد محمود ببعيره الذي اشتراه من عندهم

ابتعد عن الثلاثة كأنه يناول عمته عصا كانت في يده وكانت له معها ذكريات لكن تنازله عنها كان ضروريا لانطلاء الحيلة,  فلم يصل محمد محمود للرجال حتى كان الشاب قد ابتعد مع المرحل.

محمد محمود وهو ينيخ بعيره: السلام عليكم

الجماعة: وعليكم السلام ورحمة الله

محمد ولد النيبط رفيق محمد محمود وهو يرفع يده إلى رأس الشيخ عبد الحي:

-      "امبرك" سفرٌ مباركٌ

-      عبد الحي وهو يرد يده علينا وعليكم إن شاء الله

أعاد محمد محمود قصصه التي يمزجها برأيه المساند لمقاومة المحتل الفرنسي وإحياء القتال إلى حد التبكيت والمهاجمة للعلماء الذين رأوا مسالمة المحتل. . وزاد أن الألمان سيعيدون احتلال باريز وأن المقاومة الجزائرية تشتد وامتلأ بالزهو وهو يروي قصة مذكرات "جوستاف شاتلي" -الجندي الفرنسي الذي شارك في حرب الفيتنام - والصادرة بعنوان (نوافذ الجحيم)/

;وأخذ نفسا طويلا ثم قبل أن يعرج على بطولات أهل الريف ونُبل وشهامة عبد الكريم الخطابي.

لم يفوت فرصة يمكن أن يكرر بها عبارة (أصل ماهم علماؤنا احن) ضاق محمد ولد النيبط ذرعا من كثرة التعريض فقال:

-      ثم كان ماذا الخطابي نفي عمر المختار شنق ولد مولاي الزين قتل؟

-      رفع محمد محمود يده وبدأ يضرب رأسه ضربا خفيفا متواليا ثم قال:

 "ذلك تاج على رؤوسنا"

ثم أردف حين سرت عنه نوبة الانفعال وهو يتصنع الابتسام:

"هكذا يتوج الأبطال "

-      محمد ولد النيبط ولكن بأي ثمن عاد هؤلاء ؟ !

-      محمد محمود :

"على المرء أن يسعى ويبذل جهده - وليس عليه أن يساعده الدهر "

مرت دقائق صمت وفكر.

اقترب ولد النيبط بهدوء من عبد الحي واضعا يده على كتفه قائلا:

" الحمد لله وجدت نسخة جيدة من كتاب النصيحة العامة والخاصة في عدم جواز مقاتلة فرانصة "

-      محمد محمود وهو يسر الغيظ ويقترب من عبد الحي : وأنا والحمد لله حفظت بعدك قصيدة (على من ساد ) في وجوب نصب الإمام وقد وضعت عليها طرة من القاموس وكذلك وجدنا نسخة من قصيدة اجدود ولد اكتوشن في التحريض على قتال النصارى ورائية ولد الشيخ سيديا ثم بدأ ينشدها بانفعال.

-      نظر عبد الحي في الأفق قليلا ثم قال حين شعر بمبلغ الغضب الذي وصل إليه الرفيقان:

"يستطيع كل واحد من أصحاب الرأيين إن خلصت النية أن يعاون الآخر فيُؤوي المهادنُ المطاردَ ويُسرِّب الترجمان(أملاز) لقيادة المقاومين بما يتسرب إليه من خطط ، فَتَحُول مهادنة المهادن دون حرب فرنسا الشاملة و تثخن ضربات المجاهدين في قواتهم مع الوقت مرة بعد مرة بقطع إمداداتهم لإبطاء أو إرباك خططهم ولا يُتَّهم عالم في نيته ولا يخون على أمته بل يُخَطَّؤ في ما ذهب إليه بشواهد الواقع ونصوص الشرع"

-      محمد ولد النيبط صارخا :

"لن نؤوي أو نستر من يعتدي على أموال ضعفة المسلمين ويكفر من دفع المداراة منهم و يتنقص الصالحين"

-      محمد محمود بحدة أشد :

 "لن نلتمس أحسن المخارج لمن يعطي الجزية للكفار ولا من يترجم لهم أو من يؤمن قوافلهم".

في تلك الأثناء كان محمد يتحرق شوقا لسماع قصيدة "العسكرية" من عبد الحي والوقوف على معنى بعض العبارات العصرية فيها ولم تكن استجابته بطيئة وكان في إنشاده شوبٌ من غناء:

سهام لحاظها بعد السلـــوِّ    رماني قصف فاتــرها المـــدوِّي

أصيخ محدقا فيها كأنـــــي   أ راقب برقا أو "فِلْمًا" مُجَــوِّي

لم يكد يصل البيت الثالث حتى قاطعه ولد النيبط قائلا:

               "كل الأحياء التي قاوم فيها أحد ذاق أهلها العري والجوع والموت واندفع مع الأمثال الحسانية" ألِّي أفشاي ايطيب اسكيطك لا اتعاندُ....  اللِّي أكثر منك ريق لا تسَّاف امعاه الدقيق"

-      فقال محمد محمود وهو يراوح رجليه معتمدا على عصاه الرقيقة:

 "مذكرات الجندي الفرنسي "شاتالي" ذكر فيها أن الفرنسيين لم ينتصروا بأنفسهم أبدا فانتصاراتها الكبرى تمت بقيادة الإيطالي نابليون والجنرال ديكول صناعة بريطانية ونزول نورماندي كان بعتاد أمريكي وجنود أفارقة جزائريون، مغاربة، سنغاليون شنا شنا شناقـ ..

ونظرَ إلى محمد ولد الدي الذي نظر إلى الشيخ العطشان نظرة اختزلت ذكريات كادت أن تنسى في الشط

-      قال محمد ولد النيبط وهو يمد لحيته إلى الأمام حتى بدت كثة  "حجة عليك ذاك عقل الفرنسين، لما علموا تفوق نبليون الإيطالي سلموه قيادتهم ونحن لا نطالب بتسليم القيادة وإنما نطالب بقبول الانضمام وعدم تعريض المسلمين لما لا قبل لهم به.

حدَّق محمد في أثر المرحل الذي ابتلعته الكثبان فنهض قائلا:

 الوالدة  ابتعدت.

-      الجميع: السلام عليكم

-      ودعناكم لله

-      مرحبا

-      بيكم وأهلا

سار محمد محمود مشرقا وسار محمد ولد النيبط مغربا