الحرية والعبودية / يحي ولد السالك

سبت, 04/07/2020 - 14:24

ثنائية الحرية والعبودية، وإشكالية العلاقة التاريخية بين مختلف الشرائح والطبقات تعتبر من أبرز الإشكاليات التي لا تزال تفرض نفسها على الواقع السياسي والاجتماعي للبلد وتهدد مصير التعايش السلمي بين مكوناته المختلفة.

وفي صميم هذه الثنائية التقليدية تتزاحم عوامل عديدة منها ما هو فكري عقلي وما هو اجتماعي وما هو ديني وتاريخي..الخ

والجميع يدرك أن جدلية العبد والسيد على الطريقة الهغلية هي جدلية قديمة ظهرت مع ظهور الإنسان وكانت تجسيدا لرغبة نفسية وحاجة اقتصادية للإنسان القوي في الاعتراف به وبسيادته وسيطرته على الإنسان الضعيف الذي لم يصمد في المواجهة ولم يظفر بالفوز والانتصار فكان الرق واللين والطاعة والاستسلام، وكانت العبودية  بأفظع أنواعها.

فالرقيق إذن هو الضعيف الذي يرق أو يلين لسلطة أقوى منه هي سلطة السيد القوي.

وبنظرة خفيفة إلى تاريخ الرق عبر مسيرة الإنسان الطويلة ندرك أن كل الحضارات القديمة قد سمحت بطريقة أو أخرى للإنسان القوي أن يهدر كرامة الضعيف ويخضعه لأنواع القهر والاستعباد.

ففي المجتمع اليوناني القديم تم تقسيم المجتمع إلى طبقات ثلاث: النبلاء والجند والعبيد.

ولم تكن معجزة اليونان في الحكمة والفلسفة كافية لفرض المساواة وقيم العدالة بين أفراد وفئات المجتمع، بل إن أكبر فلاسفة اليونان وهو أرسطو كان يبرر الطبقية والعبودية بالحاجة الاقتصادية باعتبار العبيد مصدرا للثروة الاقتصادية التي لا غنى للمجتمع عنها، واعتبر أرسطو أن المساواة هي فقط بين المتماثلين وليست بين المختلفين فئويا وطبقيا.

وفي الحضارة الرومانية تم التمييز بين العبيد أنفسهم إلى ثلاث فئات:

- العبيد المصارعون (Gladiators): وهؤلاء يستخدمون في الحراسة والدفاع عن المدينة والحرب.

- عبيد الدولة (Piblicos): وهم العمال الذين تستخدمهم الدولة لأغراض معينة دون رواتب وإنما توفر لهم في المقابل المأكل والملبس.

- عبيد المنازل (Famillios): وهم الأكثرية داخل المجتمع ويعتبرون ملكا للجميع.

ورغم سماحة الأديان السماوية (اليهودية، المسيحية، الإسلام) ودعوتها للحرية والمساواة فقد استمرت العبودية في الانتشار، ولم يكن ظهور الأديان مانعا من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان حيث أن الأديان رغم سماحتها لم تحرم الرق وإنما دعت إلى المعاملة برفق مع الأرقاء ورغبت في التحرير وخاصة الدين الإسلامي.

أما في التاريخ الحديث فقد عرف العالم تجارة الرقيق عبر القارات الثلاث، وكيف استبيحت كرامة الإنسان الإفريقي لأنه ضعيف مغلوب على أمره.

ورغم قساوة الظاهرة واتساعها وشيوعها بين أفراد النوع الإنساني فلم يمنع ذلك هؤلاء الأرقاء من إسماع صوتهم عبر التاريخ كلما سمحت الفرصة بذلك، وتجسد ذلك من خلال الثورات التي سجلها التاريخ باسم "ثورات العبيد" والتي كانت صدى لصرخات وأنات العبيد عبر التاريخ وحناجرهم المبحوحة وأجسادهم المنهكة من قساوة المعاملة والاضطهاد.

ففي الحضارة الرومانية ظهرت أول ثورة للعبيد في تاريخ الإنسانية بقيادة العبد المصارع اسبارتكوس (Spartacus) سنة 71ق.م، والذي استطاع مع ثلة من رفاقه الاستيلاء على أسلحة المصارعين وقيادة تمرد شرس استمر لمدة 3 سنين هزم فيها الجيش الروماني وقتل الكثير من أتباعه.

أما في الحضارة الإسلامية فكانت أولى ثورات العبيد تلك التي ظهرت في البصرة سنة 277هـ وعرفت في التاريخ الإسلامي ب "ثورة الزنج"، وكانت تمردا على الأوضاع المأساوية للأرقاء المستجلبين من افريقيا للعمل في المزارع، والتي استمرت زهاء 15 عاما هزم فيها جيش العباسيين وقتل الكثير من الناس.

وفي المرحلة الحديثة مع التجارة المثلثية تمرد الكثير من الأفارقة العبيد وكان مصيرهم إما الرمي في البحار أو القتل تعذيبا...الخ

فرغم قساوة العبودية إذن وتأثيراتها النفسية البالغة ظلت في الإنسان الرقيق تلك الرغبة الجامحة في التحرر والعيش بكرامة والتخلص من براثين الرق والاضطهاد.

والواقع أن المجتمع الموريتاني كغيره من المجتمعات ما كان له أن يعيش بعيدا عن أجواء العبودية والاسترقاق خاصة في ظروف اجتماعية وأخلاقية وصفت ب "السيبه" في كل ما تعنيه من سلب وضيم واستهتار لكرامة الإنسان، بل وعلى أنقاض تلك السيبة بني الهرم الاجتماعي التقليدي الذي يمجد القوي ويستعبد الضعيف ولوكان ذا قربى، وأشفعت تلك البواعث النفسية بدعامات دينية وإكراهات اقتصادية.

وانطلاقا من هذا التمازج الثقافي والاجتماعي بنيت العقليات والتصرفات التي تنطلق من العبودية واللامساواة كقاعدة عامة مبررة لايشعر معها لا السيد ولا العبد بالذنب في فعل أو قبول هذا التصرف اللاإنساني.

ومع التحولات الدولية والاجتماعية والبيئية (الجغرافية) وظهور الدولة المركزية بإرادة داخلية أو خارجية بدأت روح العصر وعقلياته تأثيرها على المجتمع، كما ساهم وجود الدولة بمدارسها الأولية في خلق وعي جديد لم يكن أصلا هدفا للإستعمار الذي تنازل عن الدفاع على الحرية حفاظا على مصالحه الاستعمارية .

وهكذا إذن تبلورت فكرة المظلومية الاجتماعية شيئا فشيئا، وطبيعي أن تواجه بردة فعل قوية من طرف العقلية الاجتماعية التقليدية، وفي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى بداية تأسيس حركات اجتماعية وسياسية مثل حركة الكادحين في دفاعهم ضد العبودية وحركة الحر إضافة إلى بعض الحركات الحقوقية الأخرى.

والحقيقة أن إشكالية الحرية والعبودية هي أعمق بكثير من مجرد مظاهرها السطحية البادية للعيان من فقر وتهميش، بل هي فكرة مؤسسة على أساسها تنبني النظرة للآخر وتتحدد العلاقة معه وهو ما يتطلب فهما أعمق يحتاج إلى تفكير شمولي يجمع بين  النظرة الفكرية والسوسيولوجية والاقتصادية والقانونية...الخ

هي إذا إعادة تأهيل للعقل حتى يتمكن من التعايش الإيجابي والتفاهم مع العصر .

فللقوانين تأثيراتها على المدى البعيد وللحلول الاقتصادية كذلك إلا أن عقليات المجتمع لا تتغير إلا بتغيير عقليات الأفراد.

وبما أن الدولة الحديثة ليست مسؤولة مباشرة عن الرق ولم تنظر له على الصعيد الرسمي فمن واجبها الأخلاقي والسياسي العمل على تغيير العقليات وذلك من خلال ما يلي: 

- العمل على صياغة عقل اجتماعي متسامح ومتماسك ومنفتح ولن يكون ذلك إلا بالتركيز على تطوير تعليم ناجح له أهداف فكرية واجتماعية واعية إضافة إلى الأهداف الاقتصادية.

- تشجيع روح الانفتاح على الأخر بدلا من التقوقع على الذات، وتعزيز التبادل الثقافي والعلمي مع الثقافات الأخرى.

- تفعيل وتطوير دور وسائل الإعلام التثقيفي والتنويري وتعزيز الحوارات الفكرية التي تدعو إلى الحرية والمساواة.

- صيانة واحترام الحريات بمختلف أنواعها وخاصة حرية الرأي والتفكير.

- الدعوة إلى حوار اجتماعي شامل ومفتوح على كل الآراء والتوجهات دون تهميش ولا إقصاء.

- تفعيل المؤسسات القانونية الضرورية والتطبيق الصارم للقانون على كل من يعبث بحرية وكرامة الإنسان.

فكما يقول سقراط: إن الإنسان لا يفعل الشر إلا عن جهل، والعبودية كما وصفها الرئيس الأمريكي ابراهيم لنكولن هي شر ما بعده شر، أما الحرية فهي مطلب إنساني قبل أن يكون شرائحيا أو اجتماعيا، وليس حرا من يطلب الحرية لنفسه دون الآخرين.

وصفوة القول إن الحرية والعبودية هما مفهومان نسبيان من صنع الإنسان وطبيعة تفكيره، ولا يمكن تجاوزهما إلا بإصلاح طريقة تفكير الإنسان وتغيير عقلياته ولن يتأتى ذلك إلا بالأخذ بالنظم وأساليب التفكير العلمي الصحيح بعيدا عن الأوهام والخرافات والعقليات البائدة.

ولاشك أن الإرادة السياسية الحقيقية في الإصلاح والتحرير تشكل الرافعة الأساسية والدافع المحرك لعجلة التقدم فحيثما وجدت الإرادة السياسية ووجد القائد المستنير تهون المصاعب وتتحقق الطموحات بعيدا عن الفهومات التقليدية الضيقة والقاصرة.