رواية الحالمة (لوحة السَّـحَـر) / محمد عبد الله بن الشيباني

خميس, 28/05/2015 - 10:20

لم يكد صوت الجماعة يخفت حتى تسللت مُنَى من تحت الفرو متجهة إلى أول معلم تتعرف عليه من معالم وطنها الخيالي العذب.

هناك تحت السرحة - التي أكمل تحتها أبوها قراءة كتاب "طرة ابن بون" في أقل من سنة - جلست في الظلام الدامس تستعيد ذكريات توالت منها صور وشردت أخرى.. خلعت نعلي والدها المنحوتة من شجر "آدرس" لتباشر أرض الميلاد بعد أن حجب عنها الظلام رؤيتها بالعين .. تهادت على حصباء ناعمة بللتها زخات مطر قبل ربع ساعة كانت متجهة نحو سمرة لم تهتد إليها مع إتقانها الدقيق للمسافة الفاصلة بينها وبين السرحة العظيمة...

"ترى هل غلطت نفيسة في تحديد مكان الشجرة؟

أم أني سرتُ في اتجاه آخر؟

أين مني الآن جوهرة الريم التي أضلتها عند الشجرة؟

هل سرقت حقا كما قالت " اكزانة" العرَّاف ولد اندلغين ؟

أم ما زالت مدفونة إلى حين كما حلمت بذلك فراسة الطفلة أميَّ...؟"

لم تخطئ أحاديث نفيسة ولم تسر مُنَى في الاتجاه الآخر وإنما امتدت يدٌ عابثة إلى تلك الشجرة فلم تبق منها إلا جذعا قصيرا ينتصب على بعد خطوات منها كان على موعد مع قدمها لو لم تتراجع إلى الخلف وهي تكرر كلمة والدها المشهورة:

" الليل كافرٌ أي جاحد لما فيه"

كان زَيْنْ في تلك اللحظة يكاد أن يصيح من ألم ضربة سددها له الشيخ العطشان في إحدى انقلاباته العنيفة والتي اعتادها أثناء نومه ومع انحسار الألم بدأت تداعبه خيالات لم تعرف إلى قلبه سبيلا قبل تلك اللحظه .

شعر كأنه أفاق فجأة أن له ابنة عم عليه أن يهتم بها وبدأ يحاول رسم صورتها البراقة و بدأت تسري في جسده حمى خفية وهو يحاول رسم صورة ابنة عمه البراقة كان يمد خياله تلك اللحظات الحياتية الفارقة بحر من أشعار وقصص الجاهليين التي يعيش معها منذ سنة ونصف داخل غرف أشعار الشعراء الستة الجاهليين الأخاذة.

"علي أن أرى ابنة عمي الآن "

قالها في نفسه مازحا ثم بدا أن الحيلة قد تحول تلك المزحة إلى جد.

" الظلام دامس الشيخ عبد الحي يتلو سورة طه... الشيخ العطشان يعاوده السعال من حين لآخر."

 - آه ماذا يضر سمعتي لو لسعتني عقرب الآن ...

 أم سيرقيني عبد الحي دون أن توقد نار!!

" مصباح النهار أوضح"   سأنام الآن ليقصر الوقت

واعترته موجة احتراق .. اعتدل قائما وهو يريد أن يسقط من طوله ..

انعكست في ذهنه من عينيها صورته المزعجة مغشيا عليه فتراجع وهو يقول :" أن لا أراها الآن خير من أن تراني على تلك الحالة"

انحنى بهدوء إلى مضجعه و  أخذ يمسح عن جبينه عرقا خفيفا وهو يقول بصوت ظنه غير مسموع 

-      (أليس الصبح بقريب)

-      عبد الحي أنا أتلو سورة طه وليست فيها هذه الآية أعيذك بالله أن تكون نسيت القرءان.

-      أطرق مفكرا بما يجيب الشيخ الذي لم ينتظر الإجابة وعاود التلاوة.

في تلك اللحظة كانت مُنَى تقترب من الخيمة تتثنى بقوامها الفاتن، ساحبة طرف ملحفة النيلة السوداء ممعنة في الغوص في الرمل حاسرة الرأس مبتسمة للخيال المداعب ... تلك اللوحة الرائعة كان يمكن أن تموت مثل آلاف لوحات الكون المبدعة لو لم يسطع البرق فجأة ليرسمها إلى الأبد لوحة حسن حالمة في ذاكرة الرجال الثلاثة لتصبح فيما بعد اللوحة التي ألهبت في الشاب كل ذلك القصيد وذكرت الشيخ العطشان تفاصيل الحرب الطائشة وبقيت غصة في حلق الشيخ عبد الحي... !!