موسوعة الفتك بحجج محللي ربا البنك/ أحمد ولد أجاه

أحد, 24/05/2015 - 20:25

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

أما بعد:

فهذه كتب تمتاز بالعلمية، فكلها قواعد علمية ناصعة، مسلمة بين أهل العلم، إلا أنها بعيدة عن التأويلات المضمحلة، والمخترعات الداحضة، فهي المحجة البيضاء، والسبيل السابلة، لا اعوجاج ولا خَبَارَ ولا غبار، من تمسك بها استبرأ لدينه وعرضه:

فمن يحط بعلمها ويعمل
 

 

ترج له النجاة من حرب العلي
 

وبعثه في صورة الخنزير
 

 

والكلب والقرد وكالمسعور
 

وأَمَل الظَّفَر بالتوفيق
 

 

إذ هو بين الماء والدقيق
 

زكاها واعتمدها ورضي عنها كوكبة من خيرة العلماء تحقق بهم وعد رسول الله  صلى الله عليه وسلم بعد ما تحقق وعيده، ففي الوقت الذي شاهدنا تحقق وصدق قوله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره» شاهدنا فيه إنجاز الله وعده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم    بحفظه دينه ببقاء طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون، لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم.

نعم في الوقت الذي بلغ فيه سيل الربا الزبى، وعم غباره وتسرب بخاره، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل شرع الربا وسنت له قوانين تحميه، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل ظهر ممن ينتسب للعلم من يشرع الربا ويدافع عنه، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى  مَنَّ بطائفة من العلماء ظاهرين على الحق، لا يبالون من خذلهم، ولا من نصرهم، ليسوا في ليل الفتن ممن يصبح مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا، ليسوا ممن يبيع آخرته بدنياه أحرى دنيا غيره:

لم يجعلوا همهم حشو البطون ولا
 

 

لبس الحرير ولا الإغراق في النعم
 

حفظوا الشرع من أهواء الزائغين، وحموا الملة من زحف المناوئين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، فكانوا سدًّا في طريق المرابين والمحللين، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا.

أسأل اللهَ سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يجعلنا وسائر علماء المسلمين من تلك الطائفة المنصورة، وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أحمد بن اجّاه

07 رمضان 1433هـ

###

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

 

الحمد لله الذي جعل الإجماع من الأمة، والاتفاق من أهل القبلة، حجة من حجج الله على خلقه، ومنارا يهتدى به إلى حقه، والصلاة والسلام على محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله وأزواجه وذريته وأمته المعصومة من أن تزل بها القدم.

وبعد:

فقد اطلعت على سؤال لوالدي الذي له علي منن، وله في رقبتي أياد، بل:

أقامت في الرقاب له أيادٍ
 

 

هي الأطواق والناس الحمام
 

وما أظنكم إلا قد عرفتموه، أحمد سالك بن محمد الامين ابن ابوه:

أساميا لم تزده معرفة
 

 

وإنما لذة ذكرناها
 

يسأل فيه:

 هل تحريم القرض بنفع إجماعي كما ذكر ابن المنذر وغيره؟

أم غير إجماعي كما ذكر ابن حزم وغيره؟

 وهل ذلك التحريم تعبدي فلا مجال للسؤال؟

 أم تعليلي فيمكن السؤال ويكون للبحث مجال؟... إلى آخر ما يأتي - إن شاء الله تعالى - في السؤال.

وقد أخبرني أنه طرحه على بعض أجلاء العلماء فقال له بعضهم: إن السؤال فقهه في السماء يحتاج إلى من ينزله،

وقال له بعضهم: لن يجيبك عليه أحد، ولم يجبه البعض، فتصدى للجواب الشيخ اليدالي بن الحاج أحمد، فكتب فيه بحثًا.

ولما اطلعت على هذا البحث، ولم يكن ليخفى، فهو معروض في مكتبة مفتوحة في المكان المفتوح من الدارْ للزوار لا زالت كعبة للزوارْ، فلم يكن ليخفى وما كان ينبغي أن يخفى؛ لأنه إذا كان حكم الله، فلا ينبغي أن يخفى عن عبيد الله، إلا عمن لم يبعث إليه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يقال: إنه من باب من خص قوما دون قوم، لأن قصارى أمره إباحة اشتراط النفع في القرض، وهو في متناول الطوافين على تلك المكتبة سيان في ذلك الـمَعنيُّ بالقرض المتاحُ له الممكنُ له وغيره، فهو معروض في مكتبة الدار، وهي ولله الحمد بارك الله تعالى فيها كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه في مدح أبناء جفنة:

يغشون حتى ما تهِر كلابهم
 

 

لا يسألون عن السواد المقبل
 

 وخلاصة هذا البحث المتألف من واحد وثلاثين صفحة خلاصته إباحة اشتراط النفع في القرض الذي هو ربا بإجماع المؤمنين: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء: 115] لما اطلعت على هذا البحث الذي هو جواب لوالدي، وكنت أنا ووالدي أجدرَ من أبي شجاع فاتك وأبي الطيب المتنبي بقول أبي الطيب:

لا خيل عندك تهديها ولا مال
 

 

فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
 

واجز الأمير الذي نعماه فاجئة
 

 

من غير قول ونعمى الناس أقوال
 

رأيت أن من المكافأة لوالدي أن أبين له أن الجواب الذي أجابه به الشيخ يطوف من أوله إلى آخره بين عدم صحة العزو، وفساد التصور، وعدم الصلاحية للاستدلال على محل النزاع، فربما احتج بما لا حجة له فيه، وربما احتج بما هو حجة عليه،

رأيت أن أبين له ذلك ثم أبينَ له حكم الله تعالى وأنيرَ له الطريق وأجنبه خَبَارها،

بل رأيت أن من النصح لله ورسوله - وقد جنداني تجنيدًا إجباريًّا – وأنا به راض- أن أكون جنديًّا مخلصًا في حربهما الدائرة رحاها على الربا، فلبست لامتي([1])، وتقلدت سيفي، وتنكبت قوسي، واعتقلت رمحي، ممسكا عنان فرسي في سبيل الله، أطير على متنه كلما سمعت هيعة أو فزعة،

وإني في الحرب الضروس موكل
 

 

بإقدام نفس ما أريد بقاءها
 

 فبادرت قبل الفوت بالموتْ، مسابقا المنيهْ، إلى بقية العلماء البقيهْ، إذ قل منهم من لم يجاوز أو يقارب السبعين، وهي دقاقة الأعناق، ومعترك المنايا، و«أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين وأقلهم من يجوز ذلك»([2])، مغتنما فرصة وجودهم قبل أن يعفوَ رسم العلم منهم، ويبقى بحث الشيخ بين الجهلة والمرابين،

مناديا لهم: يا خيل الله اركبي:

والحرب لا يبقى لجا
 

 

حمها التخيل والمراح
 

إلا الفتى الصبار في النـ
 

 

ـنجدات والفرس الوقاح
 

والنثرة الحصداء والـ
 

 

ـبيض المكلل والرماح
 

والكر بعد الفر إذ
 

 

كره التقدم والنطاح
 

وتساقط التنواط والذ
 

 

ذنبات إن جهد الفضاح
 

صبرا بني قيس لها
 

 

حتى تريحوا أو تراحوا
 

إن الـمُوائل خوفها
 

 

يعتاقه الأجل المتاح
 

يا ليلة طالت عليـ
 

 

ـي تفجعا فمتى الصباح
 

هيهات حال الموت دو
 

 

ن الفوت وانتضي السلاح
 

كيف الحياة إذا خلت
 

 

منا الظواهر والبطاح
 

أين الأعزة والأسنـ
 

 

ـنة عند ذلك والسماح
 

من صد عن نيرانها
 

 

فأنا ابن قيس لا براح
 

فجعلت كل مذهب تحت راية، ليُعلم من أي المذاهب يؤتى حمى الله ورسوله، فدفعت راية الحنابلة لابن قدامة، وراية الحنفية لمحمد بن الحسن الشيباني، وراية المالكية لعالم أهل المغرب، أبي محمد، عبد الله بن أبي زيد، القيرواني، الشهير بـ«مالك الصغير»، وراية الشافعية لمحمد بن أبي العباس الرملي الشهير بـ «الشافعي الصغير» وسلمت قيادة الميمنة لابن حزم، وقيادة الميسرة لابن المنذر، وقيادة القلب لابن القطان، وقيادة الساق للجندي خليل بن إسحاق.

ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر
 

 

للحرب دائرة على ابني ضمضم
 

اللهم بك أصول وبك أجول.

طلائع الفتك

قال الشيخ في ص 4: قد رأينا أن يكون هذا السؤال مبحوثا في ظل المحاور التالية:

1- طبيعة الإجماع المذكور.

2- مستنده من الدليل الأصلي.

3- آراء العلماء في المنفعة إذا كانت مشروطة.

قلت: وأنا أيضا أرى أن يكون الرد على الشيخ مبحوثا في ظل هذه المحاور الثلاثة، وبما أن ترتيب الشيخ لهذه المحاور لم ينزل من السماء رأيت أن تكون البداية من آخر محور استند إليه، وهو آراء العلماء في المنفعة إذا كانت مشروطة، لعدة أمور:

1- لأن ذلك هو مقتضى الأدب، فمقتضى الأدب أن لا يسبق الأكابر بالقول ولا يقدم بين أيديهم.

2- أن مسألة فرغ لها العلماء أربعة عشر قرنا فأفرغوا فيها جهودهم وعقولهم وأذهانهم على حينَِ الأذهان صافية والعقول سليمة والأفهام صحيحة مصيبة غير سقيمة والأوقات غير ضائعة لا يتقاسمها غرماء الشواغل فتذهبَ بين زحمة المرور، ونشرات الأخبار، وقراءة الصحف، وتصفح مواقع الإنترنت، واستقبال المكالمات، وإجابات الدعوات، والكد على البنين والبنات، فحرٍ بنا طبعا وشرعا أن لا نسبقهم فيها بالقول، وأن لا نقدم بين أيديهم وأن لا ننبس قبلهم ولا بعدهم:

نبئت أن النار بعدك أوقدت
 

 

واستب بعدك يا كليب المجلس
 

وتكلموا في أمر كل عظيمة
 

 

لو كنت حاضرهم بها لم ينبِسوا
 

فرأيت أن أسرع الطرق إلى إبطال شبه هذا البحث هي:

1- إبطال مستنداته التي استند فيها لكلام العلماء بتجريح العزو تارة، وتقويم الفهم تارة أخرى.

2- بيان الإجماع على خلاف دعاويه فلا يبقى أمامه إلا خرق الإجماع وهو كاف في إبطال دعاويه.

ثم بعد ذلك أقذف بالحق على ما به الجهلة تغترْ، وأعرض عن بعض لأنه بالإعراض والستر أجدرْ، فالستر على المسلمين مطلوبْ، ولعل الشيخ يرجع ويتوبْ، فيسلك الصراط المستبينْ، ويكون لهذا الرد من أول المسلِّمينْ، مستنا في الرجوع إلى الحق بأمير المؤمنينْ، داخلا تحت سلطان: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدينْ»، وخصوصًا عندما يتبين له أن خيرَ ما تشبث به تحريفُ الناسخينْ، فيخرق ما خرق به الإجماعْ، فلا يبقى بعده دينا لكل همج رعاعْ، فما الحياة الدنيا إلا متاعْ، وما نيل الخلود بمستطاعْ:

وما من كاتب إلا سيفنى
 

 

ويبقى الدهر ما كتبت يداه
 

فلا تكتب بخطك غير شيء
 

 

يسرك في القيامة أن تراه
 

وقد قررت نشر هذ البحث مع الرد عليه محكما عليه بذلك قبضة حديدْ، لئلا يفرَّ ويكرَّ تحت قناع جديدْ، فتمنعه من ذلك هزيمة الرجوعْ، فلا يبقى أمامه إلا استسلام الخنوع والخضوعْ،

إن تغدفي دوني القناع فإنني 
  

 

طب بأخذ الفارس المستلئم
 

و سميته «الفتك بحجج محلل ربا البنك» وفاءً لله ورسوله ثم للعلماء الأجلاء الأوفياء الأشداء الذين اختبأ الكتاب عنهم منذ طباعته 1993م حتى مات من مات منهم وكبِر من كبِرْ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظرْ.

بزني الدهر وكان غشوما
 

 

بأبي جاره ما يذل
 

خلف العبء علي وولى
 

 

أنا بالعبء له مستقل.
 

أذؤاب إني لم أهبك ولم أقم
 

 

للبيع عند تحضر الأجلاب
 

فها هو البحث بين أيدي بقية العلماء تناله أيديهم ورماحهمْ، ويذبه عن حرمة دين الله تعالى كفاحهمْ، بعدما واصل الإغارة على دين الله خفيةً ثمانَِ([3]) عشرة سنة، بلغ فيها الحلم، فدانت رقبته لربقة التكليفْ، فحان حسابه على التبديل والتحريفْ([4]

فيا علماء الدينْ، أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنينْ، والله ورسوله أحق أن ترضوهْ، فاتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوهْ.

مقدمة في الإجماع:

قال ابن القطان في الإقناع: الإحكام: وأجمع الجمهور الأعظم أن الإجماع من علماء أهل الإسلام حجة لازمة وحق مقطوع به لا يسع خلافه.

والاتفاق على لزوم الجماعة من الجميع ولا مخالف في ذلك.

الانتصار: والذي يقتضيه إجماع المحققين تقديم الإجماع في الرتبة على الكتاب والسنة وإن كانت أصولَ الإجماع، فإنما يقطع بهما إذا كانا نصوصا لا تقبل التأويل ولا تحتمله أصلا.

فأما إذا كانت ظواهرهما في مقاصدهما لا تبلغ مبلغ النصوص فالإجماع أحق بالتقديم في ترتيب الحجاج، فإن الإجماع لا مجال لطرق التأويل فيه.

ومجوز خرق الإجماع كافر، إن كان على عمد عند الجمهور، أو مباح الدم عند قوم لم يقطعوا بتكفيره.

الرسالة: وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد أن يخرج على أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه وعما اختلفوا فيه أو في تأويله، فإن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم.

المراتب: واتفقوا على أن من خالف الإجماع المتيقن بعد علمه بأنه إجماع فإنه كافر([5]).

وقال سيد عبد الله في مراقي السعود:

وهو حجة.............

 

..................................

قال في شرحه: يعني: أن الإجماع حجة عند الجميع خلافا للنظام والشيعة والخوارج لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ }   الآية، وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على وجوب المتابعة لهم في سبيلهم وهو قولهم أو فعلهم ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» أو على الخطإ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله»، «يد الله مع الجماعة»، «من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية» فهي وإن لم تتواتر لفظا فقد تواتر القدر المشترك وحصل العلم به وذلك التواتر المعنوي. انتهى                 الغرض منه([6]).

وقال الإمام الشافعي في الرسالة:

قال لي قائل: قد فهمت مذهبك في أحكام الله، ثم أحكام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن من قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن الله قبل، بأن الله افترض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقامت الحجة بما قلت بأن لا يحل لمسلم علم كتابا ولا سنة أن يقول بخلاف واحد منهما، وعلمت أن هذا فرض الله، فما حجتك في أن تتبع ما اجتمع الناس عليه، مما ليس فيه نص حكم الله، ولم يحكوه عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أتزعم ما يقول غيرك: أن إجماعهم لا يكون أبدا إلا عن سنة ثابتة وإن لم يحكوها؟!

قال: فقلت له: إن ما اجتمعوا عليه فذكروا أنه حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكما قالوا إن شاء الله.

وأما ما لم يحكوه، فاحتمل أن يكون قالوا حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحتمل غيره، ولا يجوز أن نعده له حكاية، لأنه لا يجوز أن يحكي إلا مسموعا، ولا يجوز أن يحكي([7]) شيئا يتوهم، يمكن فيه غير ما قال، فكنا نقول بما قالوا به اتباعا لهم، ونعلم أنهم إذا كانت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعزب عن عامتهم، وقد تعزب عن                    بعضهم، ونعلم أن عامتهم لا تجتمع على خلاف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا على خطإ إن شاء الله.

فإن قال: فهل من شيء يدل على ذلك وتشده به؟

قيل: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نضر الله عبدا...» أخبرنا سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد عن ابن سليمان بن يسار عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا كمقامي فيكم، فقال: «أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا فمن سره بَحْبَحَة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن».

قال: فما معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم جماعتهم؟

قلت له: لا معنى له إلا واحد.

قال: فكيف لا يحتمل إلا واحدا؟

قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنىً لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنىً إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.

ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين، فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافةً غفلةٌ عن معنى كتاب ولا سنة  ولا قياس إن شاء الله([8]).

الشبهة الأولى:

قال الشيخ في الصفحة 17 والصفحة 18 ناقضا نقل العلماء على- مختلف مذاهبهم ومشاربهم - أن كل قرض جر نفعا مشروطا محرم بإجماع علماء المسلمين، قال ناقضا ذلك: وعبارة ابن حزم في مراتب الإجماع: واختلفوا إذا شرط رد أفضل أو أكثر مما استقرض أجائز أم لا يحل؟. وقد سلم ابن تيمية حكاية هذا الخلاف، وقد نقل عليش في فتاويه: فما([9]) الذي جرح إجماع ابن حزم لا سيما والشيوخ يقولون: أصح الإجماعات إجماعاته.

وقال في ص 31 وهي الأخيرة: هذا وفي الجزء الخامس والثامن من المحلى لابن حزم ما يخالف ما مر عنه في المراتب، ويمكن توجيه ذلك بأنه من الخلاف في فهم الدليل، وهو غير قادح فيه عند أهل الأصول على أن أهل البيان يقولون:

كل مقام عنده مقال
 

 

به ثبوته والانتقال
 

خطابك الذكي والغبي لا
 

 

يتحدان ما الثبيت الأميلا.
 

جواب الشبهة الأولى:

 

 

 

([1]) الأصل في اللأمة الهمز وقد يترك همزها تخفيفا.

([2]) رواه الترمذي.

([3]) ابن مالك في الكافية:

وافتح أو اسكن يا "ثماني عشره
 

 

أو احذف اثر فتحة أو كسره
 

وبعضهم نون "ثمانٍ" جعلا
 

 

محل  إعراب  كقول من خلا
 

لها  ثنايا أربع حسانُ
 

 

وأربع فثغرها ثمانُ
 

 

([4]) تنبيه: لقد تريثت قبل الرد على الشيخ أكثر من سنة لأكلِّمه وأعذر إليه لعله يرجع، فالتقيت معه فقمت إليه على استحياء، فقلت له: إن الكتاب إذا كان يرى أنه حكم الله فلا ينبغي أن يُكتم بل ينبغي أن يعرض على العلماء لينقضوه أو يبرموه، وإن لم يكن حكم الله فعليك أن ترجع عنه وتحرقه، فقال لي بالحسانية: "إدُورْ ألاَّ ينْتْشَرْ"، ثم قال لي بالحسانية أيضا: "هُوَّ معْزِ" أي سينشر يوما ما وما فيه معزو للعلماء، هذا معناه الإجمالي ثم أمرني بالرد عليه متمثلا بمقالة الشيخ سعد بوه :: «لا يأتيني خصم بدليل إلا غلبته بدليله»، ومعلوم أن الأمر يأتي لغير الأمر.

([5]) الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان ج 1 ص 135-136 طبعة دار القلم- دمشق.

([6]) نشر البنود شرح مراقي السعود كلاهما للعلامة سيدي عبد الله بن الحاج ابراهيم العلوي تحقيق: محمد الامين بن محمد بيب ج2 ص 209 - 213 - 215.

([7]) كذا في الأصل "يحكي" بالياء المثناة التحتية.

([8]) الرسالة للإمام الشافعي، الفقرة 109 وما بعدها ص 203 تحقيق محمد سيد كيلاني الطبعة الأولى 1388هـ 1969م.

([9]) التركيب هكذا في بحثه، وقوله: "فما الذي" مفعول "نقل"، فلا تتوهم أن عليشاً نقل الخلاف الذي هو في الطبعة الفاسدة التي نقل منها الشيخ.