عامٌ على رحيل شهيد الأخلاق... الحاج المقري/ دحمان ولد المقري

أحد, 24/05/2015 - 10:56

لم يكن هذا اليوم من العام الماضي يوما كسائر الأيام حيث رحل فيه عن دنيانا في ضحوته يوم الجمعة الإبن الحنون والغيث العميم: الحاج ولد المقري، الإنسان العالم العامل، والنفس الأمارة بالخير والمعروف، تلك النفس التي لم تُقم طويلا ..؛ فما كان انتماؤها لدنيا الأرض وعوالم الفناء. الحاج - رحمه الله- من تلك الشخصيات الفذة التي يبقى أثرها أينما تحل، وصداها في نفس كل من تقابل، كان البر ديدناً له وطبعا جُبل عليه ليس بوالديه فقط بل بجميع خلق الله، وظل نقاء السريرة والتواضع في رفعة وسموّ أخلاقْ صفةً تلازمه جذبت إليه القلوب والعقول

وُلد المرحوم الحاج ولد أحمد سالم سنة 1969 وأنهى مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي في ولاية لعصابة متجولا بين كرو وكيفة وقراهما، ثم أكمل تعليمه الثانوي في العاصمة انواكشوط، ليحصل على الثانوية العامة فيمم وجهه شطر ليبيا، فعاد منها بشهادة جامعية في تخصص الكهرباء خولته التدريس في مركز التكوين المهني للمحاظر قبل أن يتولى مسؤوليات إدارية في معهد "إقرأ" من بينها مهمة إدارة الدروس بالمعهد،

ومع مطلع الألفية الثالثة لبى نداء الهجرة فغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليقيم بها سنوات عدة غادر بعدها إلى كندا فحصل على الجنسية وعمل في شركات عدة، وتابع في نفس الوقت دراسات عليا في تخصصه. ضرب الراحل المثل خلال هذه الغربة -التي امتدت ثلاثة عشر عاماً- للرجل الشهم وحامل الهمْ والكلْ ومأوى الجميع وملجئ الملهوف، والمواسي بماله وخبرته، والمسخر لطاقته وجهده لأي مغترب جديد له دهشة، أو قديم مضطر. وكان هذا ديدنه أينما حل أو ارتحل، عُرف الحاج بالإنفاق السخي سرا، وبحب الصالحين والعطف على المساكين،

وكان -بحق- برا عطوفا، سمحاً جواداً كريما، موطأ الأكناف، لذيذ العشرة،قريب النجدة،رحب الصدر، واسع الباع، متواضعا في غير ابتذال، شهماً لذيذ العشرة جميل المبسم، صبوح المحيا،كان شجرة ثمرٍ بلا شوك،يزرع الخير لا ينتظر الحصاد، ينفق دون خشية إملاق، كان الحاج قويا في الحق، لينا في التعامل، حسن الخلق، ساعيا في ذات البين وكان بحق مؤمناً، ورجلا من أهل الجنة على أديم الأرض يمشي كانت زيارته قبل الأخيرة للوطن كأنها زيارة مودع

... كان يعُبّ من الزمن كما لو أنه يُدرك أن الرحيل قد أزف وأن لقاء الله قريب فظل طوالها حريصا لقاء الإخوة والأحبة مصرا على زيارة أهل الفصل وصلتهم، حريصا على جمع إخوته في بيته ورؤيتهم حوله، في جو أخوي مريح.

كانت علاقة فقيدنا بالشباب جميعاً بمختلف فئاتهم العمرية علاقة حميمية، وكان كل واحد منهم يرى في نفسه أنه مخصوص بأخوة وأبوة الحاج، في حين كان الرجل شلال محبة متدفق يصل ويروي الجميع. ولأن الموت أسرع بالخيار من المؤمنين كان ضحى الجمعة الثالث والعشرين من مايو- أيار ألفان وأربعة عشر ظرفا زمنيا لنهاية البداية لحياة جوهرها الإخلاص والكرم والوفاء، نهاية عمر قصير بأيامه عريض بعطائه.... كان نهاية حياة رجل كرسها للحب للخير للعطاء لحسن الخلق، حياة وهبت لما ينفع الناس ويمكث في الأرض ...

كان ذلك يوم النداء العلوي أن قد حانت لحظة الارتقاء... نعم قُبضت تلك الروح الكريمة روح الحاج المقري... فغادر إلى رحاب الله، صعدت تلك النفس المطمئنة الطاهرة مستيقنةَ بوعد الله .. راضية مرضية رضيت وأرضتْ. وتركت غصات وجراحاً وآلاما، وألسنة لاهجة بالدعاء والثناء...

وتركت مرابع تحتضن وهادها ونجادها عبقا من ذكريات خالدة لرجل خالد في القلوب، رجل لم يترك دينارا ولا درهماً لكنه ترك المحبة والذكر الحسن، والثناء الجميل.. وترك في محبيه وذويه جرحا غائرا لن يندمل... أجل رحل الحاج شهيد الأخلاق وحبيب الجميع ... رحل لكن روحه لا تزال ترفرف بين جناحيْ كل من عرفه عن قرب أو من بعيد. رحم الله الحاج وأمطره بوابل المغفرة وصيب الرحمات ... رحم الله الحاج ما بقي الوفاء فضيلةً وما بقيت الشهامة خصلةً خير، وما بقي الجود والكرم صفات الخيرين. إنا لله وإنا إليه راجعــــــون.