رواية الحالمة ( الحلقة الثانية) / محمد عبد الله بن الشيباني

سبت, 23/05/2015 - 12:54

الحالمة

الفصل الأول : مُنى

 

2

الزائر الغريب

 

كان داعي النعاس أقوى بعد يوم شاق وطويل و بعد أن توقفت موجاتُ ظلال أعناق الابل المزدحمة و سوقها المتعاقبة و ذراها المتراقصة استسلمت مُنَى لنوم عميق قبل أن تُحِسَّ بجذب ضعيف لجانب الفرو المقابل لقدميها أوجست خيفة ثم انقلبت على الجانب الآخر قبل أن تحس بكف خشن يطوق ساقها اليسري بقوة في ظلام ذلك الليل، صرخت في الأعماق واستطاعت بجهد أن تميت تلك الصرخات في فمها، كانت تنضاف في تلك اللحظة إلى تلك الكف كفٌ أخشن في وسط ساقها تحمل شيئا من خشونة أعواد التسمين وشيئا من ثباتها وعنفها.. زحفت قليلا حتى استطاعت أن تغرز أظافرها في ذراع والدتها

كادت الريم أن تصيح لولا تذكرها أن نسيبتها أخت الزيعر فاطمة في الخيمة المجاورة.

نهض محمد حين سمع صوت الريم الخافت وهي تقول:

"قم وانظر ما هذا"

تناول بسرعة عودا من بشام وأعوادا من ثُمام ليحُكَّ بها النار، تذكرت الريم هدية محمود العجيبة و لم تكد تصل للمصباح حتى كان محمد قد أضرم النار.

مضت تلك الدقائق الثلاث على مُنَى كألف سنة أرهقتها خلالها مئات الكوابيس ليسفر المشهد عن شيخ في الستين متسخ الثياب ثائر الشعر غائر العينين في آخر رمق.

"لقد مات لقد ارتخت يداه"

قالتها الريم وهي تتجه نحو القربة.

"انتظري"

أجابها محمد وهو يسرع إلى والدته في الخيمة الغربية.

وبعد معاناة و غوص في تلك الأرض اللينة، وصلت إلى الخيمة وبهدوء ألقت نظرة على الزائر الغريب أشارت لمحمد أو الزيعر كما تسميه هي وأصحابه ثم قالت بصوت خافت:

"هذا قد وصل إلى حد من العطش يحرم معه سقي الماء أو اللبن"

ثم أردفت وهي تنظر إلى عينيه الشاخصتين وفكه السفلي المائل:

"إن كان في النحي شيء من دهن وإلا فاختر بين ذبح شاة تُحَلَّى له مرقتها الدسمة أو أن تبحث عن شيء من "وَرْقَة" الشاي المفتول وتسقيه من "براده" الثاني..

همت مُنَى أن تقول:

"سيموت الرجل عطشا قبل أن يحضر الشاي أو تذبح الشاة"

حين أسند محمد الرجل إلى ركبته بدأت الوالدة تقطر له ببطء ما عصرت بالثوب من كبد وشحم ذبيحة محم السمينة.

أخيرا فتح مسعود عينيه ثم ابتلع ريقه، كانت شربته الأولى بعد أربعة أيام بلياليها كان أولها خوفا وأوسطها اختفاء وآخرها مطاردة وعطشا... عرف الشيخ العطشان محمدا حين رآه مع محم يشويان على نار الطلح في وهويقول حوار باسم:

" أردكت العجائز يقولون إن هذا أجود عتاد لليلة (يب) وسنواجهها بما تقتضيه من ادهان وشبع واصطلاء ".

مسح محم العرق عن جبهته: ليلة "بي" ما معناها ؟

- محمد: يب رمز لعدد هو 12- دجنبر

- و ما هي "قُرَّايَتُها" وشأنها؟

- ليلة عادية إلا أن أهل التجارب من الأطباء يزعمون أنها هي أبرد ليلة في السنة وأن ما يصيب من بردها لا يرده إلا الدهن والاصطلاء وأن مريضها لا يبرأ عادة إلا على يد مهرة الأطباء

- أول هذه الليلة معتدل أو حار لكنها من وسطها بدأت تبرد.

- أجاب محمد وهو يمسح وجهه

"صحيح ويبدو أن رذاذ المطر بدأ يسقط سبحان الله مطر ونحن في وسط دجمبر الأصم"!! .

- هل تسمع صوت حنين

- أمال محمد رأسه ورفع أذنه اليسرى قارنا ذلك بإغماض عينه اليمنى ثم ابتعد عن أجيج النار دون أن يسمع شيئا أو يحس نبأة...

- و لم يمض وقت طويل - وهما على تلك الحال - حتى قالا بصوت واحد :

- "والله إنها عشار أهل أحمد" واختلطت الأصوات حس "الزريقة" حس "أم كمبور" حس "بكي"

استقبل محمد الوفد الجديد بتسعة قيود من الحلفاء كان قد فتل معظمها أثناء الليل. وأخذ ينادي كل ناقة باسمها واضعا يده على ذروة سنامها ثم على عضدها الأيمن بلمسة حانية مكررا " لا يورثك" مع شعور بالمرارة.

حانت من مُنَى التفاتة فأبصرت على ضوء النار مع والدها والراعي فتى في السادسة عشرة من عمره يجاذب أباها أطراف السلام.. لم تعرفه لكنها تعلم أن ابن عمها زَيْنْ في مثل هذه السن.

قالت الريم حين دخل الشاب وهي تناوله آلات الشاي:

"شاي القدوم " مردفة وهي تعثر في طرف الحصير:

" لم تزرنا منذ غياب المرحوم.

كان الشيخ العطشان قد عاوده نشاطه فتحامل على الجلوس.. قام زَيْنْ وسلم عليه وأحس بقشعريرة خفيفه وهو يلمس كفه الشثِنة.. وتحلق الثلاثة قريبا من مضجع محم وبدأت جلسة أدب سامرة كأنما اختطفتها يد الدهر من بين كل تلك الأكدار.. تململ محم وهو يقول في نفسه عندما سمع أزيز "المغراج" الطرِب على المسمار الحديدي ذي الرأس الملوي والمائل أمام الخيمة: "انزاهتك يان.. مَرْ آدواخ ثم قام إلى المغراج وأتى به إلى الشاب.

رش الشاب وريقات الشاي بقليل من الماء المغلي ولم يلبث إلا قليلا ثم عمر الإبريق بالماء على قدر الحاضرين ثم شهَّرَ قليلا على النار وتناول من ربيعة السكر حجرة من ساق من سكر قالب "التلج" فكسرها باحتراف بقعر الكأس ثلاث قطع على قدر دورات الشاي الثلاثة .. جعل أكبر قطعة في البراد وغطاه.

أعاد محم المغراج إلى عرشه وهدأ الجميع ريثما يصل الشيخ عبد الحي ، رفيق زَيْنْ في رحلة اقتفاء آثار العشار- كان قد تأخر قليلا ليصلي الشفع والوتر عند التل الأحمر.

"لماذا تعيد الإبريق إلى النار"؟

"هذه الورقة معلومة و لا تحتاج "

قالها محم للشاب وهو يعيد المغراج إلى عرشه لحظة دخول الشيخ عبد الحي.

ودخل الخمسة في إنشادات من أدب الشاي شاركوا فيها باستثناء زَيْنْ.

لم يعجب محمد إنشاد الريم :

"ألا إنما "السكَّاك" في وجهه يحثى– ولا سيما إن كان سكاكة أنثى"

ولا تعليق الشيخ شارحا وهو يهز رأسه:

"الواغل الداخل في جماعة الشرب و ليس منهم "

فعاجل بطلب الشيخ أن ينشدهم قصيدة أبي مدين في أدب المسامرة فاندفع ينشد

"ألا فاسقني كاسات شاي ولا تذر*بساحتنا من لا يعين على السهر"

كانت تلك قصيدتَها المحببة لكنها لم تفرح بشيء مثل فرحها بقطع عبد الحي لإنشادها ليسأل.

- هل تعرفون هذه الظلمة التي هناك ؟

- لا..قالها محمد وهو يحدق مثل الأعشى يستقبل دهمة الغروب

- عبد الحي: هذه السرحة العظيمة.

- فردد الجميع بصوت واحد ملؤه الفرح و الزهو.

"والله هي هي مصلى الحي".

كانت تلك الكلمات تيار فرح عارم لم تجربه مُنَى قط ، ولا حتى يوم فرحها العظيم ، يوم أخبرها اعبيد الله أن مُسمنتها "شركوبة" سترحل إلى ابنها الذي لسعته عقرب وانكسرت إبرتها في رجله .. صبَّ زَيْنْ براد الشاي الثاني فأبصرت بريق ثغره على ضوء جمرة وضعها فوق طابلة النحاس الأحمر المزركشة، كان يتبسم استعذابا للقصيدة التي ينشدها الشيخ عبد الحي بحرارة من شعر ولد ابن ولد احميدن:

طبـتنا اليــوم عن ذكــرى سعـاد ** كـؤوس قد أتـتـنا من بعاد

مناط النجـــم كانت فاطـــبتها ** خطــاطيف الدراهـم للبلاد

فلمــــا أترع المغراج مـــاء ** وجــيء بفرنة ذات اتقــاد

وبـوّئ عـد المغـــراج فيـــها ** وصـوت شرب أذواد صـواد

وأبـرز سـائس الكاسـات كيـــلا ** من المفتـول جـاد بعرف جاد

كان أغلب القصيدة يذكره بلحظته التي يعيش فيها الآن أو بلحظة سعيدة أخرى مرت عليه وحين انتهى من الإنشاد سأل الزيعر هل سمعت بذكر لـ"نبلو" في الشعر أو لغن؟

- فأجاب الزيعر وهو يبعد الكأس عن شفتيه و يتمطَّقُ برفق ذلك المحجن الحديدي : لا

- وأفلتت من فم زَيْنْ بعد مغالبة كلمة نعم أنا سمعتها وبعد إلحاح من الشيخ اندفع ينشد:

إني أتيتـــك يا حبر الورى تار **فلتجعلن سطلة فورا على النار

واملأ جوانبها نارا مؤججــــة **من بعد ما رفعت شبرا بمسمار

وكل بها حارسا بالأمن يحفظها ** وهو الذي عندهم يدعى بسخار

واجعل كؤوسا ثلاثا غير زائدة ** وامزج بما شئت من علم و أشعار

حاول الشيخ العطشان أن يتكلم ثم أحجم وهو يرى مواعين الشاي وأكؤسه وهي تغيب واحدا بعد واحد في حافظتها الجلدية الورقية.. شرب من قدح لبن مطروح شمال الحصير من بقايا عملية إنقاذه ..لم يشرب منه إلا ليشارك في الإنشاد وبصعوبة أنشد من شعر محمد ولد الصوفي:

أقلُّ ما يجزؤ كاس رابع ** فخامس فسادس فسابع

فثامن فتاسع فعاشر ** لمن على شرب الأتاي قادر

لم يخف ما يلمح إليه الشيخ العطشان على زَيْنْ فهم بمواصلة الشاي لكن عبد الحي ضحك ضحكة مد فيها شفاهه وهز رأسه قائلا:

خرجت أنا وأنت من قوله "على شرب الأتاي قادر"

تلك الضحكة الوقورة أنقذت زَيْنْ من مواصلة إقامة الشاي في ذلك الوقت المتأخر من الليل.