لحراطين مصرف أولوي للزكاة

سبت, 23/05/2015 - 10:12

لست مفتيا ولا عالما.. ولكن صدور الفتاوى الأخيرة الصادرة عن كل من العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو والشيخ الأستاذ أحمد جدو ولد أحمد باهي، ومن قبلهما رابطة العلماء الموريتانيين الموقرة... بشأن بطلان القائم من الرق في هذه البلاد، وما تلا هذه الفتاوى من نقاشات علمية وتقريظات متخصصة – على التفاوت الحاصل بينها في الخلفية والمباشرة – أكانت مثلجة لصدورنا معشر المتابعين للحركة العلمية والدعوية في البلاد. وأجزم صادقا أن هذه الفتاوى قد وضعت اليد على الجرح الوطني الغائر بجيوبه القائمة وتداعياته الماثلة للعيان، حسب تعبير أحد المشايخ...

لو كنت أهلا لتقريظ هذه الفتاوى لفعلت أو مؤهلا لتسليمها لسلّمت، لكن قصارى ما يمكن أن يصدر من أمثالي من العامة، هو التعبير عن الإعجاب بشجاعة علمائنا وملامستهم بهذه الفتاوى لواقع يشغلنا وتعبيرهم – من خلالها – عما يناسب تصرفات الشارع الحكيم ومقاصده وحِكم أحكامه... كما أخذنا عنهم.

اليوم ستكون مداخلتي في هذا الإطار من خلال نقطة تكميلية أردت من خلال إثارتها أن يتعرض لها من هو مؤهل للخوض في ذلك من أهل العلم؛ وقدما قيل: إن "من طرق بابا فكأنما فتحه"

 هذه النقطة تتعلق باستحقاق شريحة "لحراطين" لتمييز إيجابي في صرف الزكاة نتيجة لانتشار الفقر في أوساط هذه الشريحة الخيّرة من أبناء هذا المجتمع، أولا.

ثم للمظلمة التي عانى منها فقراء هذه الشريحة بحرمانهم من حقهم في هذه الصدقة التي فرض الشارع أن تؤخذ من أغنيائنا لتصرف على فقرائنا؛ ذلك الحرمان الذي كان بحجة رقّ تكفلت فتاوى العلماء الأخيرة ببطلان أسسه الشرعية، ثانيا.

وأخيرا - وليس آخرا – لأن مصارف الزكاة وإن خصص الشارع منها ثلاثة أنصبة لذوى الحاجة (الفقر والمسكنة والانقطاع عن الوطن؛ أقصد ابن السبيل) فإنه خصص في المقابل ثلاثة أخرى لخدمة مقصد الشارع الأهم؛ ألا وهو مقصد الحرية وتحقيق العبودية لله وحده (في الرقاب، الغارمين، في سبيل الله) ولا أرى أن مقصد الشارع من فك الرّقاب وضمان حرية المدين (الدَّين رق) وجهاد الطلب المنصب أساسا على إتاحة حرية المعتقد وإيصال الدعوة إلى الناس بدون قيود أو وصاية دينية يفرضها الملأ من قومهم على عقولهم، أكاسرة كانوا أو قياصرة أو غيرهم (على أن تخلّوا بيني وبين الناس) أقول: لا أعتقد أن مقصد الشارع من فك الرقاب هنا منحصر في فك رقبة المسترق استرقاقا شرعيا (والذي تبين انعدامه فيما هو قائم في بلادنا ولله الحمد) وإنما المبتلى بحرمانه من حريته ظلما أو بالتشكيك فيها عدوانا، أولى بأن يكون الشارع إلى جنبه برفع المظلمة عنه والتخفيف من تداعيات آثارها السلبية من خلال بلسمة جراحه الاقتصادية (ومن ثَم الثقافية والعلمية والاجتماعية) من خلال استحقاقه للزكاة بالأولوية على غيره.

لا أحتاج إلى تذكير مخرجي الزكاة من أغنيائنا الملتزمين بأنهم يخرجون الزكاة – حين يخرجونها – وهم نواب عن الله تعالى، متجردون من ذواتهم ومن النظر إلى أن أصول هذه الأموال من أموالهم، وعليهم – حينها – أن يدفعوا هذه الزكاة إلى من يعتقدون أن دفعها إليه أرضى لربهم وأقرب إلى أن يدفعها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان حيا بين ظهرانينا!

قبل النهاية أنبه إلى أن الذهاب بمعالجة هذه الظاهرة المؤلمة وتداعياتها الخطرة مذهبَ الحلول الشرعية والروافع الإسلامية – على غرار ما نشهده في هذه المعالجات الشرعية النظرية وما نشاهده من الجهود الدعوية القائمة على العلماء والدعاة وحتى من المتعلمين من أبناء هذه الشريحة الخيّرة، ومن غيرهم من الدعاة المخلصين والعلماء المصلحين – مذهبٌ جدّ مبشر على قرب انقشاع الغمة عن هذا المجتمع المظلوم بأكمله من خلال ظلم شريحة عريضة من أبنائه، والمكلوم بأجمعه من خلال انتقاصٍ ظالم لمجموعة كبيرة من مجموعاته... فهو مذهب سليم مأمون العواقب مضمون النتائج – إن شاء الله تعالى - لأن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين. 

د. محمد ولد محمد غلام