بين عرس بنت الرئيس، وعرس بنت المعارض

اثنين, 18/05/2015 - 13:29

إنجيه ولد الطالب سيدي

في دولة حالمة بالديمقراطية والتناوب على السلطة، وسيادة قيم العدل والقانون، يتعين على القوى الديمقراطية الوطنية (السياسية والفكرية والإعلامية وجمهور المهتمين بالشأن العام) ـ المعول عليها في تحقيق هذا الحلم ـ أن يلزموا أنفسهم بقدر كبير من العدل، والأخلاق في التعاطي مع الأمور العامة، وأن يحكموا قواعد القيم التي يناضلون من أجلها في صراعهم السياسي، ويجسدوها في سلوكهم.

 فالمسلكيات المستقبحة في السياسة، وفي تسيير الشأن العام، وما يربط بها من الشأن الخاص التي يمارسها النظام السياسي الحاكم، وتنتفض هذه القوى لإعلان استقباحها، والنضال ضدها، لا ينبغي السكوت عليها بأي حال إذا وقعت في أوساط القوى المذكورة، لمجرد كون من يمارسها معارضا للسلطة، ليرجع الاستقباح في الحالة الأخرى إلى مجرد كون الفاعل في السلطة.

غياب هذا المعيار الأخلاقي يوقع "القوى الديمقراطية" في تناقض فظيع، ويؤدي بها إلى تحكيم معايير مزدوجة، الأمر الذي يجعل منها مصنعا يعمل في الواقع على إنتاج نسخ طبق الأصل من أنظمة الحكم الرديئة.

فالقوى الوطنية الديمقراطية هي في المأمول مشاريع أنظمة حكم سياسية إذا قدر الله للحلم الكبير أن يتحقق. 

قد لا يكون هذا التمهيد ـ الموجز ـ مناسبا لهذا الموضوع بالضبط، ولكن قد يكون ربطه به غير متعسف، إذا يشكل الموضوع مثالا حيا لغياب معايير الأخلاق والعدل لدى جميع القوى الوطنية في التعامل مع الشؤون العامة والخاصة.

تزوجت بنت الرئيس الكبرى فأنبرت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والصالونات بالحديث عن الموضوع، فغدا العرس مسألة رأي عام،  وفرض ذلك على وسائل إعلام أجنبية  تغطية الحدث، ودائما من الزاوية السلبية التشهيرية تأسيا بالإعلام المحلي.

سمعنا من خلال التغطية أن حفل الزفاف كلف 300 مليون أوقية، وأنه الأغلى في افريقيا بعد زفاف الرئيس اتشادي إدريس دبي الذي كلف 26 مليون دولار!!.

سمعنا أن والدة العروسة رقصت في المروح، وسرب فيديو بذلك، وكأن الأمر لم يقع في عرس موريتاني قبل هذا، وسمعنا عن المعونات والهدايا من الإبل والذهب والفضة والأوقية، وعن تفاخر الموالاة ومغالاتهم وتسابقهم إلى ذلك، وسمعنا أن العريسين ذهبا إلى المغرب "على خطى أسلافهم" في طائرة خاصة مؤجرة من طرف والدة العروسة لتبقى تحت شرفهما مدة شهر العسل!!.

سمعنا أن بطاقات الدعوة للعقد والندوية وزعت بانتقائية شديدة حسب المواقف السياسية، وسمعنا أن علماء السلطة زاحموا المخنثين المنكب بالمنكب والساق بالساق!!.

قال بعض السياسيين إن الرئيس مشغول عن شؤون المواطنين بعرس كريمته، أما التندر والتهكم فحدث ولا حرج.

 تزوجت البنت الثانية للرئيس، فأعادت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الكرة، وكتبت المواقع، ودون المدونون، وغطت تبعا لذلك وسائل الإعلام الأجنبية، وهذه المرة كان الأمر أكبر!، فقد زفت العروسة بالطريقة المغربية، وهذا حسب ما عكسته كتابات قادة الرأي وأكابر الفاعلين في شبكات التواصل مهين للموريتانيين جميعا، ويثبت عدم وطنية الأسرة الرئاسية، و تنصلهم من العادات والتقاليد الموريتانية، وانتماءهم المغربي الصريح.

سربت الفيديوهات، وجرى الحديث أيضا عن التكاليف والمعونات، والحضور، والرقص، ولم تبق شاردة ولا واردة إلا تم الحديث عنها.

في الحالتين وصل الحديث إلى أصهار الرئيس، ومراكز وظيفية مفترضة لهم بعد الاقتراب من السلطة.

شاء الله أن تتزوج بنت "المعارض الموريتاني ورجل الأعمال"، وهذه لازمة لا يذكر الرجل إلا بها في الإعلام.

لم يثر الموضوع حديثا يذكر، فلم يسبقه إلا نشر دعائي معد بإتقان في صفحات خاصة على الفيسبوك.

ولم يسرب حتى الآن أي فيديو خاص عن حفل الزواج الفعلي، واقتصرت التسريبات على صور مختارة بعناية تظهر مستوى الحضور الرفيع للعقد الرسمي فقط: رئيس المخابرات الخارجية المغربية، ممثل القصر الملكي، وزير الخارجية المغربي، بعض أجلاء العلماء، والسياسيين والإعلاميين المعارضين، وبعض آرفاج الرؤساء والمسؤولين الأفارقة، وأعتذر رئيس الوزراء المغربي عبر هاتف أحد كبار علماء موريتانيا لمشاغل عارضة.

هذا الزواج بهذا الحضور الرسمي الكبير في بيت "المعارض الموريتاني البارز ورجل الأعمل" في حي وصف بأنه راق من العاصمة المغربية لم يعطنا أي مصدر خاص ولا مطلع ولا قريب تكاليفه، ولم يهتم به المدونون، ولم نسمع عن المعونات والهدايا الملكية والحكومية والمخابراتية والمعارضة.

لم نعرف من رقص، ولا من رمى النقود، ولا إلى أين سافر العروسان، ولا من حضر من الفنانين والمخنثين.

لم نسمع عن علاقة المعارض البارز بصهره إلا أنه ابن عم كريمته، فلم تطلع المصادر بأنواعها المختلفة على علاقاتهما المالية والوظيفية، ولم يفسر هذا الاقتران بأنه سعي لنيل مزايا التقرب من النفوذ السياسي والمالي لوالد العروسة.

الزفة المغربية التي هي في الواقع ثقافة شعب شقيق قريب، تطعن في وطنية الأسرة الرئاسية، وتعكس علاقتهم بالأجنبي، وعزوفهم عن التقاليد الموريتانية.

واختيار عاصمة الدولة الأجنبية لعقد زواج بنت المعارض، وحضور رئيس المخابرات الخارجية للدولة الأجنبية وممثل القصر ووزير الخارجية "إحتفاء رسمي مغربي" بهذا الزواج  ولا يدل هذا بمنطق القوى الوطنية الديمقراطية وظهيرها في الإعلام وشبكات التواصل، وأهل الرأي والفكر على وجود علاقة مشبوهة بين "المعارض الموريتاني البارز" ـ الذي قد نجده في يوم ما يتولى بعض أمورينا بالأصالة أو النيابة ـ وبين تلك الدولة الأجنبية.

فصريح العلاقة بالأجنبي مقبول من المعارض البارز ورجل الأعمال، ودليل قوته، ونفوذه المادي والسياسي، دون من يسير شؤون دولة.

والحياة الخاصة للرئيس وأفراد أسرته مباحة للعامة، ودون ذلك من المعارضين حجاب سميك لا تتجاوزه مصادر المواقع والمدونين.

ومع أن زواج بنت المعارض السياسي أدرج من طرف بعض وسائل الإعلام المحلية ضمن "حفلات زفاف لتنشيط السياسة" إلا أن ذلك لم يجعله يثر فضول القوى الديمقراطية الوطنية كما حدث مع زواج كريمتي الرئيس.