فِي تَأْبِينِ جَامِعِ بُتِلِمِيتْ الْعَتِيقْ..

أحد, 17/05/2015 - 21:35

طَابَتْ أنفسهم أن يرفعوا أيديَّهم فوق شحمات آذانهم ـ متجاوزين ما كان عُمَّارُكَ يصلون بأيديهم عند إحرامهم فيك للفرض والنافلة ـ مطاولين بها مئذنتك يُريدون هدمك!! ؟..وأنت مستسلم لا تُقاوم، كما قاومت جارتك القديمة "تَيْشْطَايِتْ مَمَادِي" التي حكى الناس من مقاومتها ما لحق بقاطعها، ومن أصابهم شوكها.. كأني بكَ تُحِبُّ الرحيل عنهم شوقا إلى أحبتك من العُمَّارِ الراحلين: الشَّريف مَيَّارَه ـ محمد عالي ولد عدود ـ الشيخ عبد الله ولد دَادَّاهْ ـ المختار ولد حامد ـ هارون ولد اشيخ سيدي ـ أحمد ولد أشفغ المصطفى ـ محمد سالم ولد أمْحَيْمِيدْ ـ سيد ولد دَيُّونْ ـ محمد ولد أبَّاهْ ـ أحمد ولد المصطفى ـ محمد مفيد ولد أبُّ ـ رافع ولد أبْلال ـ محمدُّ ولد بُشيبه ـ أحمد ولد وَدِّيهْ..إلخ. . تقبل أن ترحل ربما لأنك لا تريد أن يُدْرِكَكَ تحويل مسار طريق الأمل، فقد يَنْفَضُّ من حولكَ إلى الطريق الجديد كثير من جيرانك التجار، تَلقيَّا للرُّكبان، ويتركوك قائما.. أعرفُ أن العناية بك ضعفت منذ أن انقطع عنك كرم أحمد ولد أبَّاهْ، وسخاء كبار رجال الشَّرْفَ، وفُرُش وإفطارات مريم منت مَمَادِي، وتبرعات آخرين لا أتذكرهم. .لكني أعلم أن أهلكَ، أهل "أدَّنْكَه" الذين ساهموا في بنائك بجهدهم وعرقهم الحلال، وعَمَّرُوكَ صاغرا عن كابر، لم يبخلوا عليك يوما بمبلغ الجهد، ولم يُسلموك لعاديات الزمن.. كنتَ جميلا وفي نفس الوقت متواضعا، لا ترتفع فوق رؤوس المصلين إلا بأذرع قليلة، وتمكن ببساطة رؤية ما فوق سطحك، وسلمت من الزخرفة..مئذنتك فريدة، مكانها منك عند القِبلة مباشرة، غرفة مستطيلة بِعَرْضٍ قليل، تفترق عند حافة السطح إلى جزأين متوازيين أحدهما عن يمين منبرك، والآخر عن يسار مصلى الإمام منك، ترتفعان فوق سطحك المسَّطح قرابة المترين تقريبا، يجمعهما من الأعلى سقف واحد تعلوه ثلاث قباب ملتصقة على شكل خِيَّمٍ صغيرة، كانت عليها أهلة ثم سقطت.. ميضأتك لم تكن إلا مساحة ترابية من أرضك غرست فيها "كِدْرَتَانِ" اسمنتيتان تحت شجرتك الظليلة، وحولها "مغاريف من لَبْطَطْ"..أخْتَطَّ قبلتك جمع كبير من العلماء والقضاة باجتهادهم وعلمهم، كان الشيخ اسحاق ولد محمد ولد الشيخ سدي حاضرا، وحدثني عن ذلك.. قال لي إن قبلتك صحيحة بشهادة وعلم: الشيخ عبد الله ولد دَادَّاه ـ محمد عالي ولد عَدُّودْ ـ المختار ولد حامدٌ ـ الشيخ محمد عبد الله ولد أحْمَذَيَّ ـ القاضي اسماعيل ولد باب ولد الشيخ سيدي ـ القاضي محمد يحيى ولد محمد الدَّنَبْجَه.. أوْصَلْتَنَا بالله زمانا، فزعنا إليك عند الخوف والرجاء، أقيم فيك الدِّينُ حق إقامة "بأداء مطلوب الإله كما أمر" استجابة من الله لدعاء مؤسس بقعتك الشيخ سيدي الكبير..الصلاة فيك على وقتها .. أقيم فيك الليل.. رجَّت جوانبك بالذكر والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، آناء الليل وأطراف النهار، من رجال يحبون أن يتطهروا..شهدتَ على كثير من تاريخنا، من أحداثنا المفرحة والمحزنة، كنت بيننا في المحل الوسط، وكنتَ علينا شهيدا ما دمتَ فينا.. تَحَرَّيْنَا من مئذنتك وسطحك بشوق رؤية أهلة الرمضانات عبر السنوات، فكنت ورمضان تشرفاننا بأن نكون أول الصائمين، وبصيامنا يصوم الناس.. كان محمد سالم ولد أمْحَيْمِيدْ حين يؤذن فيك تخشع الإنس والجن والدواب والطير والجمادات إلى منتهى صوته، خشوعا لا يوازيه إلا خشوعها حين يصدر من مئذنتك صوت الإمام أحمد ولد أشفغ المصطفى مرتلا سورة (ق)، أو أحمد "النُّورِي" ولد منَّيَّ قارئا بالهُمَزَة.. ودَّعْنَا منك، وشَيَّعْنَا من أمامك موتانا إلى البَعْلَاتِيَّة، فكنت آخر عهد لهم بسطح الأرض التي أحبوها.. رُمِّمْتَ مرة، بحشوات في التصدعات، وطلاء غَيَّرَ لونك الأصلي الأبيض في الصُّفرة، فكنت تدفع عنك اللون الجديد، وتلك الحشوات كأنك ترفضها فتتساقط، ربما لأن من رممك، لم يكن من محارمك، أو لأن من أشرك معك في الترميم جَيْبَهُ تركته وشركه.. لم تكن أول مسجد أسس على التقوى في المدينة بمفهومها العام، فللمدينة عهد بالمساجد منذ تأسيس الشيخ سيدي لها، لكنك كنت مسجد "الدَّشْرَه" بمفهومها الخاص المعروف، وأنت بقية السلف الصالح من المساجد، وعتيق القائم منها حاليا، وفيك جمعت أول جمعة في المدينة.. لا أفهم دواعي الهدم: يقولون لبناء مسجد أكبر، أنت لا تضيق بالمصلين، ولايملؤون مساحتك الداخلية إلا يوم الجمعة فقط، لتسعهم باحتك الخارجية وإن لم تكن فسيحة، وفي الجوامع من حولك فُسحة.. أقبل حاجتك للصيانة والترميم، بطريقة فنية مدروسة ملائمة، لكن بالمحافظة على شكلك الحالي الذي ألِفَنَا وألفناه، مع إدخال الممكن من التحسينات.. لا أُشَكِّكُ في نية أحد، وأعلم أن مُحِبِّيكَ كُثر، وأجهل تماما من يتولى أمرك الآن، ولكن ـ ولأن الشفيق مولع بسوء الظن ـ أخشى أن تتسرب إلى دوافع هدمك رغبة في اقتناص تمويل ضخم لمسجد كبير على أنقاضك، يَتَرَبَّحُ منه مقاول ووسيط، وتفضل منه "سَلَاليخ"، ويُقْتَسم منه سهم "العَامِلِينَ عَلَيْهَا".. ستفقدُ بتلميت بفقد شكل مئذنتك واسطة "كَتْفِيَّة" عقدها الفريد، وستذكرك ومن مرَّ منكَ إلى آخر "حَصْيَةٍ" من "زِيرَتْ تَعْبَ".. حَسْرَتِي عليك مضاعفة لأن صلاتي فيك ـ آخر مرة ـ لم تكن صلاة مُودع، وإذا أتاح الله الرجوع فقد تكون حديثا وذكريات.. لَيْتَهُمْ وهم يهدموك أحسنوا الهدم، وأكرموا أنقاضك التي تقع من قلوبنا بمكان قبل أن تقع على الأرض، وجعلوا مثواها الأخير شمالا عند البَعْلَاتِيَّة، حيث مثوى أحبتنا الذين "تنعموا ـ بجوار رب قد رضِي عنهم وبر"، تُعَلَّمُ وتُسَنَّمُ بها قبور من مات منا.. لا يليق بأنقاضك أن تحمل جنوبا، إلى مكب النفايات الذي يضيق بها "رَكْ الْمَطَارِ" ويتنفسها ضيقا نزلاء مستشفى حَمَد.. عليكَ مِنِّي "صلاة غائب"، وما أجدركَ وأنت حبيب النفس، وعشيق الطبع، وسمير ضمير الجمع، وقد أُوقِفْتَ على ثنية الوداع، وهم قِبْلِيُّ مزنك بالإقلاع، أن تُعتنقَ ضما والتزاما كالأحبة لدى التوديع، وتكرم بنقل الخطوات على إثركَ حال التشييع.. القاضي أحمد عبد الله المصطفى