"الزهد" في الحوار / أحمدو الوديعة

جمعة, 06/12/2019 - 01:40
 أحمدو الوديعة

من الرسائل التي لم يضيع الرئيس الجديد أي فرصة منذ تنصيبه للتعبير عنها فكرة الزهد في الحوار، عبر عن ذلك في لقاءات العلاقات العامة مع الفاعلين السياسيين، وعليه ألح في خرجاته الإعلامية التي اختار أن يكون الحوار الصحفي فيها مع الصحافة السنغالية والفرنسية، فالظاهر أيضا أن صاحب الفخامة زاهد حتى في الحوار الصحفي مع الصحافة الوطنية (كان الوحيد من المرشحين الذي لم يجر حوارا صحفيا خلال الحملة الانتخابية).

 

الغريب في اعتكاف صاحب الفخامة المبكر في مقام الزهد في الحوار ليس عدم انسجام الأمر مع المعلن "تعهداتيا" وخطابيا فحسب، ولا في الحجج التي تساق لتسويغ الأمر (لا نحتاج للحوار بين الل مان مدايگين)، (كان المنصرف يقول إننا لا نحتاج للحوار لأننا نتحاور في البرلمان وعبر مؤسسات الإعلام) الأغرب هو أن يقول رئيس وصل الرئاسة بشق نتائج انتخابات فاقدة لأهم ضمانات الشفافية بأغلبية محدودة (ثمان وأربعون في المائة من الموريتانيين لم يرتضوه خيارا بحسب نتائج لجنة الانتخابات معلومة الحال) أن يقول ويصر على القول إنه لا يحتاج الحوار ولا يريده، أو ليس على جدول أعماله أو ضمن أولوياته حتى الآن.

 

في الحوار الذي نشرت صحيفة لوموند أمس فقرات أتمنى أن لا تكون معينة على فهم خلفية الزهد في الحوار، فسيادة الرئيس قال في حديث عن ما سماه الإشكال مع سلفه المنصرف "كل الموريتانيين باستثنائي ضخموا الأمر"، هل نفهم أن سيادته يعتبر نفسه استثناء، (أخشى أن يلتقط الوصف أحد الصفيقة فيخترع لنا مصطلح الرئيس الاستثناء على شاكلة الرئيس الضرورة)، وعن قضية الحوار ذاتها قال بعد استبعاد الحوار الآن وانتفاء دواعيه، إن "بإمكانهم تقديم مقترحات" يعني قادة المعارضة الذين تم التفضل عليهم بلقاءات في القصر لم يحضرها من يسجل أي فكرة مما جرى تداوله، ولم ينشر عنها أي خبر في مؤسسات الإعلام العمومي التي أضحت في تطور إيجابي تقدم لنا أخبارا عن الأسفار العائلية للرئيس.

 

لا أظن من قدم لكم فكرة الزهد في الحوار أخلصكم النصح فأنتم تحتاجون الحوار، وتنفيذ "تعهداتكم"، يحتاج الحوار، والمناخ السياسي يحتاج الحوار، والفرقاء السياسيون كلهم يحتاجون الحوار، وما هو أهم منا جميعا بدون "استثناء" الوطن يحتاج الحوار.

- نحتاج الحوار لنعيد تأسيس عقد أسس على اختلالات، وتخرق منه ما كان سليما، فبات في وضع لا تجدي معه الترقيعات، ولا الخطوات الأحادية الجانب التي يتخذها هذا القطاع أو ذاك، إنما هو الحوار الشامل الذي يقدم فيه الكل مقترحاتهم للكل ويبحث فيه الكل عن بنود عقد يصلح الكل للكل وبالكل.

- نحتاج الحوار لنتفق على طريقة ننظر فيها لصفحات الماضي، ونفتح فيها صفحات المستقبل، نظرات تعيد الحقوق وتنصف المظلوم، وتطمئن الجميع، ويتسابق فيها الجميع لإحياء قيم العدل والصفح والتسامح والمحبة.

- نحتاج الحوار لنضع أسس تسيير وتدبير صالحة لثرواتنا، حتى لا تظل دولة بين ثلل قليلة منا تتمتع بها، فتضيع فرص التنمية وتذكي مشاعر الغبن.

- نحتاج الحوار لنحدد من يحكمنا وبماذا يحكمنا، ولكي نعيد الأمور إلى نصابها والمؤسسات إلى مواقعها والحكم إلى أهله (الشعب وإرادته الحرة).

- أنتم أيضا تحتاجون الحوار في مستهل مأمورية لديكم فيها تعهدات قلتم في مقابلتكم الأخيرة وأكدتم في أكثر من لقاء أنكم تفضلون أن تتم في أجواء من الهدوء، وهو توجه وشعور ومسعى يشاطركم لحسن الحظ فيه كل الفرقاء، وهنا الفرصة التي يتحتم علينا اغتنامها جميعا فالهدوء والتشاور والتوافق لا "يشترى بثمن أسهل وأضمن من الحوار، ولا يفرط فيه من باب أوسع من باب الزهد في الحوار".