الشيخ سيديَ بابَه وموقفُه من نازلة الاستعمار (ح11)

خميس, 14/05/2015 - 16:59
بقلم: أحمد بن هارون بن الشيخ سيديَ

على غرار الحلقة السابقة المخصَّصةِ لإمارة البراكنة، وسعْيا إلى وضع الظاهرة الاستعمارية في سياقها التاريخي وإرهاصاتها الأولى، ورَبْطِها بالأحداث والمؤثِّرات الداخلية والخارجية الحاسمة التي سبَقَتها، ستُخصَّص هذه الحلقة، بإذن الله تعلى، لإمارة الترارزة، المحاذيةِ هي الأخرى للنهر والمجاورةِ للدولة الفرنسية المستقرة في السنغال منذ عقود.

وسيتم الحديث في هذه الحلقة، باختصار شديد، عن المسار التاريخي للعلاقات التجارية والسياسية والعسكرية التي ربطت فرنسا بمختلِف الأمراء والشخصيات القيادية الخاضعة لسلطان الإمارة، بَدْءًا بالأمير هَدِّي بنِ أحمد بن دمان، وانتهاء بأحمد سالم بن اعلي (بيَّادَه) وسيدي بن محمد فال وأحمد ابن الديْدْ وأحمد سالم بن إبراهيم السالم، مرورا بأعمر آكجيل واعلي شَنْظُورَه وأعمر بن المختار وأخيه اعلي الكوري بن أعمر، وأبناء أعمر: أحمد الليكاطْ وبوحبَّيْنِي ومحمد فال ومحمد لحبيب، ثم أبناء محمد لحبيب: سيدي واعلي وأحمد سالم وأعمر سالم؛ وكذلك محمد بن اعلي الكوري ومحمد فال بن سيدي، وإبراهيم بن أحمد، شيخ لبيدات، وإبراهيم بن المختار، رئيس أولاد اخليفه، ومحمد بن أعمر، رئيس أولاد بسباع، واخْيارْهُم بن المختار بن عبد الوهاب وسيدي ميله وسيد احمد ولد ببكر سِيرَه وببكر ولد إبراهيم فال وأعمر ولد المختار بن احمياده من أولاد أحمد بن دمان، والمختار بن امبارك، رئيس أولاد دمان، وامحمد بن ابَّيْبَكَّرْ، رئيس لَعْلَبْ، ومحمد اليدالي ومحنض بابه بن اعبيد الدَّيْمانيين واجدود بن اكتوشني العلوي ورؤساء قبيلة إدولحاج والشيخ سعد أبيه القلقمي والشيخ سيديَ بن المختار بن الهيبه الأبياري وحفيدِه الشيخ سيديَ بابَه بن الشيخ سيدي محمد...

تمهيد:

ترتبط هذه الإمارة في أذهان العديد من الموريتانيين، عن وعي ودون وعي، بسَبْقها إلى ربط علاقات سِلْمِية متميزة مع الفرنسيين، قبل الحقبة الاستعمارية وأثناءها وبعدها. غير أن الدارس لتاريخ هذه الإمارة سيدرك أنها كانت سبَّاقةً أيضا إلى مقارعة الفرنسيين والدخول معهم في صراعات وحروب مريرة، دارت رحاها على مراحل وصُعُد مختلفة، لخَّصها الدكتور المؤرخ محمد المختار ولد السعد في: "حرب الاستعمار الزراعي 1819-1821، والصراع من أجل القضاء على الحضور الإنجليزي في بورتانديك، ومركزة التبادل على النهر (1821 - 1829)، والصراع على العرش في والو ابتداء من 1831، وحرب زواج الأمير محمد لحبيب من الأميرة جنبت، وصيةِ عرش والو، (1833- 1835)، والصراع على الساحة البركنية (1848- 1850)، وحرب استعمار الوالو وتغيير شروط التبادل التجاري على الضفة اليسرى (1854- 1858)".[1]

وتتويجا لمسلسل طويل من المعاملات والعلاقات التجارية والسياسية والعسكرية، توازيها وتتخلَّلُها إخفاقاتٌ متكرِّرة لمجمل الدعوات والمشروعات والحركات الجهادية التي قادها ودعا إليها أمراءُ ومشايخُ وعلماء من الترارزة ومن الإمارات السودانية والبيضانية المجاورة، أعلن قادةُ الطرفين الفرنسي والتَّروزي إخضاعَ الإمارة لحماية فرنسية مباشرة.

ولا ترمي هذه الورقة، بطبيعة الحال، إلى كتابة جديدة لتاريخ إمارة عريقة، طالما دُوِّنت حولَها وأُلِّفت الدواوينُ والمجلّداتُ، قديما وحديثا، بقدر ما ترمي إلى تلخيص وإبراز جوانب محدَّدة من علاقاتها واتصالاتها بجيرانها الأوروبيين وكيف تطورت تلك العلاقات إلى تدخُّل الفرنسيين السافر في الشؤون السيادية لهذه الإمارة، كتنصيب الأمراء والإطاحة بهم والمشاركة في الصراعات الداخلية بين فروع العائلة الأميرية وبين القبائل والمجموعات الشعبية وحتى الطبقات الاجتماعية، فضلا عن الدور المحوري في إذكاء وحسْم الصراعات الخارجية بين الإمارة وغيرها من الإمارات والدويلات المجاورة.

ونظرا لضِيق المَقام وَوْفْرَةِ الوثائق المحلية والأجنبية المتصلة بتاريخ هذه الإمارة وقادتها وأعيانها وقبائلها ومجموعاتها الشعبية، تم الاقتصار في هذه الحلقة على سَرْد تسلسليٍّ (كرونولوجي) موجَز لأهم المراحل التاريخية التي مرّت بها العلاقات الترُّوزية الفرنسية عبر القرون؛ مع تقديم نماذج محدودة من الوثائق ذات الصلة.

هَدِّي بن أحمد بن دمان وابنه أعْمر آكْجَيّلْ:

ترجع العلاقة بين الطرفين التَّرُّوزي والأوربي، بالأساس، إلى عهد هَدِّي بنِ أحمد بن دمان، ثالث أمراء الترارزة، المتوفى سنة 1684. وقد تميزت تلك الحقبة بتفاقم الصراع بين القوى الاستعمارية، من برتغاليين وإسبان وهولنديين وإنجليز وفرنسيين، من أجل السيطرة على السواحل الموريتانية، بل والإفريقية. وكانت علاقات الأمير المذكور أوثق مع الهولنديين الذين أسسوا في تلك الأثناء ميناء هَدِّي (Porto d’Addi ou Porto Darco ) الذي أصبح فيما بعد يُطلَق عليه بورتانديك (Portendik). ولم تكن علاقة الأمير هّدِّي بأهل الضفة اليسرى ودية، فقد تدَخَّل الفرنسيون لمنعه من الانتقام من صولة أمير والو على الضفة اليمنى سنة 1683.

وفي عهد الأمير أعمر آكجيل، المقتول سنة 1703م، تطورت العلاقات بين الجانبين التَّرُّوزي والفرنسي. ويذكر كلترو، معقبا على الأب لابات، أن أول اتصال للتجار الفرنسيين بالترارزة كان سنة 1680. وفي مارس 1686 كان الفرنسيون يبرمون صفقاتهم التجارية مع قبيلة إدولحاج بصورة مطردة.

اعْلي شَنْظُورَه:

في عهد الأمير السادس، اعلي شنظوره، تم توقيع اتفاقيات تجارية مع الهولنديين والفرنسيين، حسب لابات ورني باسي، إلا أن رسالتيه التاليتين للهولانديين والإنجليز تفصحان عن تفضيله لهؤلاء أو محاولة الاستفادة أكثر من تنافسهم مع الفرنسيين، حيث جاء في الأولى:

«بسم الله والحمد لله وحده، ولا يدوم إلا وجهه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما. تبليغ السلام من سلطان المسلمين اعْلِ شَنْظُورَ إلى سلاطين هلندى، أهلِ عهدنا ومحبتنا وموالين أمره، وكل ما بعثت إلينا في كتاب فهو مقبول عندنا في خبر بلادنا وبلادكم، ولا نقبض العهد مع النصارى إلا بعهدكم سواء افرانص وغيرهم. والحمد لله على سلامتنا وسلامتكم. وكماندور الرئيس فهو وكيل بيننا وبينكم، كل ما بعثت به فنحن نقضي حاجتهما إن شاء الله، وبناء أكادير في المرسى فهو مقبول عندنا بطيب نفوسنا إن أمكن  تقدر على بنائها في حرب بينكم وبين النصارى، وكل ما بعثت إليه لنا فهو موجود، والعهد بيننا لا يقطع أبدا. والسلام. كتبه يوم الأحد خمس من شعبان عام 1133». (وهذا التاريخ موافق لفاتح يونيو 1721م). (كولترمان وربستوك، ص 79). [2]

وجاء في الثانية ما نصُّه:

«الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده. تبليغ السلام من عند الشيخ اعْلِ الشَّنْظُورَ ابن هَدِّ ابن أحمد ابن دامان إلى كباران فليسس وأهل الحل والعقد والكلام والرأي، بعدُ فموجبُه إليكم إعلامُكم بأن أرض المسلمين كلَّها لي وأمرها بيدي بطاندريك وغيره، لنا الأرض ولا نعطيها لأحد إلا من هو وفيٌّ بعهده، ولأن البحر لا طاقةَ لي عليه، ولإن كنتم على عهدنا معكم وصُلحنا معكم فافعلوا غير فعلكم الذي تفعلوا معنا في عقر أرضنا، لأنه فعل العدو لكم، وآتوا بجيوش كثيرة تغلبوا افرانص، لأنهم حقروكم ولاعبوا بكم، وهم إن كانوا في بر المسلمين نكفيكم منهم، وأما البحر لا طاقة لنا به إلا بكم، وإنا لا نصلحهم حتى نيئس من قدومكم. والأرض أرضنا فما لهم ولا لأحد إلا العهد، ولن ننثني بما قلت لكم يوم أربع وعشرين من رجب عام السادس وثلاثين ومائة وألف». (وهذا التاريخ موافق للثامن عشر ابريل 1724م).[3]

ومع ذلك فقد وقَّع الأمير اعلي شنظورَ اتفاقية مع الفرنسيين يوم 29 يوليو 1717م لضبط علاقات إمارته معهم، كما أرسل ابنه الشرقي سنة 1723 إلى سان لويس لتحية الوالي الفرنسي ابرو، بعد رجوعه سنة 1820 من رحلته التاريخية إلى المغرب لطلب الدعم العسكري من السلطان العلوي مولاي إسماعيل.

وقد تكللت هذه الاتصالات بتركيز التجارة على النهر والوقوف دون ما كان يقع منها على ضفاف المحيط الذي كان منافسو الفرنسيين من هولانديين وإنجليز يتعاقبون على السيطرة عليه. وفي عهد ابنه اعمر، سافر الشيخ محمد اليدالي الديماني إلى "آركين دوما" واستُقبل بحفاوة من قِبَل الفرنسيين الذين أهدوا له كمًّا من الكاغد الذي كان يطلبه حثيثا لنسخ مؤلفاته، حسب الضابط الفرنسي المترجم بول مارتي.[4]

اعلي الكوري بن أعمر:

في عهد اعلي الكوري بن أعمر، الذي خلف أخاه المختار سنة 1760، وقع اتفاق مع الإنجليز، الذين احتلوا السنغال إبان حربهم مع الفرنسيين، المعروفة بحرب السبع سنوات، قبل توقيع اتفاقية فرساي بتاريخ 3 سبتمبر 1783 التي اعترفت لفرنسا بالسيادة المطلقة على الساحل الأطلسي من الرأس الأبيض إلى مصب السالوم.

وقد كتب الأمير اعلي الكوري المذكور رسالة مطولة إلى الإنجليز، جاء فيها:

«شيخ انكليسيس كلها كنجار كلها جور هذا له عشر سنين في حكمي هذا كتب شيخ الأرض وأنا شيخ الأرض كلها إلى أخي كنجار وانكليسيس كلها.

أنا لا أعرفك غير أني أعرف كثيرا من الناس وأنا أبغيهم جدا كلهم على الفعل الجميل الذي يفعلون بي ولم يغدروني قط كابرنير ورك يعطيني آمكبل جيدا ووراء كابرنير بانس وكابرنير اوهار سواء وما وراء ذلك من الكابرنير بَخيل وآخر جَواد ماتوا والكثير من النصارى وراء ذلك جاء افرانص وغلبوا على الأرض وقومك قليل لم يبق منهم إلا قليل جدا. وبعض الناس المذمومين باندر أرسلوا كتابا إلى أنصار كور ليأتوا ويغلبوا على الأرض وإن النصارى باندر قليلون أشهر قليلة قد ماضوا بعض سفنك فيهم ما فيهم من الجيش جاءوا لاندر ليروا بعض أناسي أرسلتهم لاَمكبل لحقهم ذلك هنالك كابرنير افرانص نادوا جماعته ليكتبوا كتابا يعطوا الأرض لانكليسس وسفنك صاروا إلى لعبار رأوا سفينة كبيرة  لافرانص فيه كل شيء وقطع مراسيه وقصد نحو البر وأرسلت سفن انكليسس تمانينهم نحوه وأوقدوا فيه النار وصارت سفن انكليسس كلهم ولم يغلبوا على اندر وسمعت عن كور عن بعض أناسي من دخل إحدى منوارتك منهم سألوا كابتن ما باله لا يغلب على اندر قال لهم لم يقلها لي شيخ انكليسس لو قاله لي نقاتله حتى نغلب عليه وأنا خائف ألا يبغي أرضي لو كان يبغيها ويطلب معونتي نرسل خمسة آلاف من أناسي أو أكثر إن طلبته ونسير معه برأسي حتى نغلب عليه إن أرسلت سفنا كبارا بأنفاضهم كبارا أفواههم واسعة يرمون النار على الخيام وشيء من النصارى يعرف الرمي بهم وكابرنير والنصارى معه يقومون باندر وإنا نحذر على ما كان ونفعل كل ما يليق بهم  إنا نقدر أن نقول لك الحق أهل اندر كلهم يبغون انكليسس إلا الذين كتبوا الكتب الخمسة لأهل كور إن غلبت على اندر فافعل ما يموت به أهل الكتب إن سألت أحدا من انكليسس قد قدم على أرضي يبيع نقول لك ما كتبت لك في هذه الكتب حق إن أرسلت السفن والنفاض يجدوني متهيئا نقتل معهم أنا كسرت سفينة وقبضت ما عندهم من البقر ولم نزل نقاتلهم حتى يأتيني كتب من عندك ما هو الأحسن في كور بلا علك ولا عبيد أن غلب انكليسس على اندر كور حسنة لمرسى منوارات فيطول عمرك إن شاء الله وصاحبتك وأولادك تستغلب الفرانص إن شاء الله إن شاء الله وإصبانيولس وأهل مارك وددشمن. أنا أخوك شيخ البيضان نطلب معونتك بهذا اكليسس والترارزة واحد، وكتب بإملاء من اعل الكور سيد الترارزة أحمد بن محمد بن المختار بن موسى».[5]

وعلى الرغم من من تحالفه وخطْبه ودّ الإنجليز ضد أعدائهم الفرنسيين، إلا أنه وقَّع معهم في السادس من أغسطس 1782 اتفاقا يتعلق بشراء حاجياتهم من البقر.

وفي الثاني من مايو 1785 وقَّعت قبيلة إدولحاج معاهدة تجارة وسلام، بموجبها تتعهد القبيلة بإعطاء شركائها الفرنسيين احتكارَ تجارة الصمغ والعمل على تأمينها. وفي 20 يوليو 1785 تم إبرام اتفاقية بين والي السنغال مع اعلي الكوري، ملتزما بهذا الاحتكار ومضيفا له إعطاء الفرنسيين الأراضي الضرورية لتشييد مرافئ التبادل المتفق عليها، مع الالتزام بتأمينها، مقابل الإتاوات التي تم التعهد له بها. لكن فترته تميزت بالعديد من الاضطرابات الداخلية والحروب مع الإمام عبد القادر الفوتي. ولم تكن العلاقة في تلك الحقبة سيئة مع الفرنسيين بل كان أسرى هؤلاء المحتجزين، إثر غرق سفنهم، يُعاملون هم والإنجليز معاملة تفضيلية، عكس الإسبان الذين كانت غاراتهم المنطلقة من جزر الخالدات تؤجج حنقا كبيرا ضدهم.

أعمر بن المختار:

في أيام الأمير أعمر بن المختار (1800 - 1827)، تم توقيع اتفاق آخَر مع الوالي الإنجليزي ماكسويل سنة 1810، وذلك قبل استعادة الفرنسيين للسنغال في 1816. وقد تدخل الفرنسيون كثيرا ضد هذا الأمير، مساعدين منافسه وابن عمه امحمد بن اعلي الكوري الذي وقعوا معه ومع زعماء والو تحالفا في نوفمبر 1819. وقبل ذلك بقليل، في 30 يونيو 1819، كان اتفاق قد وقع مع قبيلة إدولحاج تتعهد بموجبه بمراقبة أرض البيضان لحساب الفرنسيين، وهو الدور الذي تطرق له مرارا ولد السعد في أطروحته المذكورة.

وعلى إثر معاهدة السلام الموقعة في 7 يونيو 1821 بين أعمر بن المختار ووالي السنغال، وتوابعه المتعلقة بإعادة وشراء العبيد، تم الاعتراف من قبل الفرنسيين بحقوق الترارزة على والو، إلا أن هذه المعاهدة لم تعمّر طويلا نتيجة تذمر الترارزة واستغلال متعاقديهم لصراعاتهم الداخلية على السلطة للتملص منها، بل للدخول طرفا مؤازرا لخصوم الأمير. وقد توالت الاتفاقيات بعد ذلك: 17 يوليو 1824 و 19 أغسطس 1824 و 25 يناير 1825 و 6 فبراير 1826، دون أن تستقر الأمور على حال حتى وفاة امحمد بن اعلي الكوري، مناوئ الأمير اعمر بن المختار، سنة 1827. لكن الأخير توفي أيضا السنةَ نفسَها.

وأثناءَ صراعهما على السلطة، وقَّع امحمد بن اعلي الكوري، بإيعاز من الفرنسيين، اتفاقية 15 نوفمبر 1819 مع زعماء والو، الذين التزموا فيها بمساندته في الحرب الواقعة بينه مع أعمر، مقابل تنازل الترارزة عن منطقتهم وعن الضفة اليسرى بكاملها.

وقد كتب الأمير أعمر بن المختار الرسالة التالية إلى حكومة السنغال:

«بسم الله الرحمن الرحيم من الشيخ أعمر بن المختار ،بور كنار، إلى بور اندر، موسي كمب, رسالة بأمَارة ما قلت له في ملاقاتكما المعهودة إنك ابنُه وهو أبوك؛ وقال لك إن الابن إن قال له أبوه شيئا يفعله وبأمارة أيضا حين أخذك وناجاك في أذنك وقال لك دكن قرية لأهل امحمد بابان لا تباع ولا تعار وأخذت أنت بيد ترجمانك النوتي وترجمانه هو المختار اخديج وقلت لهما أخبراني ما ناجاني به أعمر وفسراه لك وضحكت؛ فإن كنت عرفت هاتين الأمَارتين فاعلم أنه بعث إليك مع ابن عمه هذا محمد بن إبراهيم حامل الكتاب بما عنده، واعلم أيضا أنه أي بور كنار لم يعزم لك على شر قط، لأن لفرانص هم أهل عهدهم وهم أهل الأرض من النصارى؛ فإن كنت تريد الخير فأت برأسك مع ابن عمه هذا، وإلا فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.

محمد عبد الله بن حبيب الله بإملاء من أعمر بن المختار بور كنار، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله تعلى عليه وسلم وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. قال تعلى لقد جاءت رسل ربنا بالحق».[6]

وقد وُقِّعت اتفاقيتان نيابةً عن أعمر من قِبَل كل من ابنيه محمد لحبيب في 6 يونيو 1826 ومحمد فال في 7 يونيو 1821، يتعهدان فيهما بضبط التجارة. وبالنسبة لمحمد فال، فإنه «يلتزم بمواصلة الخدمة الفعالة للحكومة الفرنسية وقمع أي إخلال من طرف الترارزة بالاتفاقية المبرمة معها، بكل ما أوتي من قوة».

وجاء في معاهدة 7 يونيو 1821:

«المادة 3: إن الملك أعمر بن المختار وأمراء الترارزة يزمعون التنازل عن حقوقهم في والو للفرنسيين مقابل هذه الإتاوات (المذكورة في الفقرة السابقة) ويتعهدون باحترام كل التجمعات التي يحلو للفرنسيين تأسيسها في الضفة اليسرى، لكن أيضا بالدفاع عنها والاحتفاظ بها وتأمينها بالإضافة إلى الإسهام بكل وسائلهم في ازدهارها.

المادة 4: يحث الملك أعمر بن المختار وأمراء الترارزة الحكومة الفرنسية على التواجد في دولتهم على الضفة اليمنى ويتنازلون لها في هذا الصدد عن كل الأراضي التي ترى من المناسب تشييد مساكن فيها أو القيام بزراعة فيها متعهدين بإسهامهم هم أنفسهم في حدود إمكانياتهم بحمايتها واحترامها والإلزام باحترامها. ويتوقون بكل سرور إلى رؤية الفرنسيين يشيدون عندهم أخصاصا ودورا ويؤسسون منشئات...».

وذكر فيها التزام محمد فال بن عمير أن يسهر «أبد الأبد على حسن المعاملة مع فرنص وجلب النفع إليهم ودفع الضر عنهم ونحارب كل من حاربهم أبدا».[7]

وفي الثالث عشر يونيو من السنة نفسِها، شُفعت هذه الاتفاقية بملحق يتعلق بشراء العبيد المأسورين في الحرب مع الفرنسيين وأهل سان الويس، بخمس بيصات عن كل واحد منهم.[8]

وكان مشروع اتفاقية قد تم توقيعه نيابة عن الأمير اعمر بن المختار من قِبَل محمد شين وإبراهيم بن أحمد، شيخ لبيدات، فاعترض عليها الأمير معلقا في آخرها: «تبليغ السلام من أعمر بن المختار إلى بور اندر. موجبُه أني لم أقبل ما جاء به محمد شين، وإنما أقبلُ أن تخرج البيضان من شامام وأترك أنا انكليسيس (أي الإنجليز) وغير ذا لا أقبله وغير ذا لا أقبله وغير ذا لا أقبله».[9]

محمد لحبيب بن أعْمَر:

عندما اعتلى الأمير محمد لحبيب (1827 - 1860) عرش والده، بدأ حكمه بالصدام مع الفرنسيين وحلفائهم من والو. غير أن معاهدة جديدة وقعت في 25 مارس 1829 مع أخيه أحمد اللَّيْكَّاطْ، مجددة معاهدة 7 يونيو 1821 السالفة.  كما وقعت معه معاهدة إضافية في 23 ابريل 1829 تقضي بإرجاع إتاوات كان الفرنسيون ينوون النكوص عنها.

وفي 28 إبريل من السنة نفسِها تم توقيع اتفاق مع إبراهيم بن المختار، رئيس أولاد اخليفه، يقضي بدفع إتاوة سنوية لهم مقابل التزامهم «بتوفير طوابير لدفع هجمات البيضان والمساعدة في العثور على العبيد الهاربين والإخبار عن الأوضاع الداخلية في الترارزة واستخدام نفوذهم لدى كل من رؤساء والو والبيضان لصالح الفرنسيين».[10]

تَلَتْ ذلك اتفاقية 24 أغسطس 1831 بين والي السنغال والأمير محمد لحبيب، يستنكر  بموجبها الأمير السطو الذي قام به أخوه بُوحبَّيْنِي وبيضان آخرون على ممتلكات للفرنسيين، ويعلن أنه يعتبر الاغتيالات الأخيرة التي كان ضحيتَها مقيمون في السنغال كما لو كانت موجهة له شخصيا، وأنه بحث عن الجناة لمعاقبتهم، لكنهم فروا عن أراضيه وأنه ملتزم بمحاربة كل من يؤويهم.

واصلت الاتفاقيات وتيرتها بالتوقيع في 30 أغسطس 1835 على نص آخر، بموجبه تنازل الأمير محمد لحبيب عن كل الدعاوى المباشرة أو غير المباشرة في عرش والو، خاصة بالنسبة للأولاد الذين قد تنجبهم زوجته الأميرة جنْبتْ، وأن لا يتعرض بسوء لسكان ذلك الإقليم ممن شارك في الحرب ضد افارا بندا وجماعته أو ضد بيضان الترارزة.

كذلك وُقِّعت اتفاقيةٌ أخرى، بين الأطراف المذكورةِ نفسِها، في 2 يناير 1836، تتعلق بترتيبات شراء السجناء. كما وقَّع وزيره المختار سيد اتفاقية إضافية في 22 أكتوبر 1842 تقضي بالتنازل عن كل الدعاوى في "جلْف" والتخلي عن مطالبة سكان سان الويس بأي إتاوات مهما كان نوعها.

وقد وجَّه الأمير محمد لحبيب ووزيره المختار سيد المذكور الرسالة التالية إلى والي اندر:

«تبليغ السلام من محمد لحبيب والمختار بن سيد إلى أمير اندر. موجبُه أن الكتاب الذي أرسلت جيِّد، وأن ما في خواطرهم أنهم إذا نازعتهم قبيلة في أمر من الأمور لا يكون أجدَّ منكم أحد ولا تسلموهم لمنازعهم، بل تتولون عنهم كما في زعمهم، وأن البراكنة لا يسومونهم بسوء حتى أحدثوا العداوة بتعصبهم مع قومهم القادمة عليهم، وأيضا محمد الراجل هم الذين أمروه قبل هذا، ولا يرون عيبا فيه غير إباءته عن الفساد، وانجاك هو الذي أفسد البراكنة، أفسد ما بين المختار بن سيد والنصارى بالنميمة حتى أوثقوه ورجع على محمد الراجل بمثل ما فعل بالمختار بن سيد، وذلك هو الجالب للفساد. وانجاك مراده أن يكون أميرا من دون من لهم الإمارة. ومن تنسب له الإمارة من النصارى والمغافرة من أهل البلد لا يرضون لأنفسهم أن يؤمر خسيس على رفيع لِيَلاَّ يكون ذلك عادة في النصارى والمغافرة فتفسد الأرض بعد إصلاحها. وبيان أن هذا كله حقا أنك إن أتيت بانجاك الآن يرجع لمرتبته الأولى والعهد عليهم في ذلك وحذياك أن تاتي به لصَنٌايْ إلا ورجع لمرتبته الأولى من عند محمد الراجل، فإن امتنع فذلك دليل على قصده الفاسد وأنهم لا يهمهم الفساد بينهم وبين لبراكن، وإنما همهم إصلاح الأرض فقط».[11]

تلَت ذلك اتفاقيتان، بين الوالي ومحمد أعمر رئيس أولاد بسباع في 22 مايو 1831، وبين رئيس فخذ إدكباج من أولاد البوعليَّه في 22 مايو 1832 مع ذلك الوالي نفسه، تقضيان بالسماح لهاتين المجموعتين المحاربتين بالتجارة في سانلويس في حال نشوب الحرب بين الترارزة والفرنسيين، مقابل أن تظل المجموعتان وفيتين للفرنسيين، وتزوداهم بالمعلومات عن مشاريع أعدائهم. [12] وفي هذه الأثناء قام الفرنسيون باعتقال المختار بن امحمد بن اعلي الكوري واتهامه باغتيال تاجر إفريقي من حلفائهم، فحكموا عليه بالقتل ونفذوا عليه الحكم يوم 19 ديسمبر 1832. 

ظلت العلاقات مع محمد لحبيب مضطربة رغم كل هذه الاتفاقيات التي لا يبدو أنه طبقها بالصورة التي ترضي المتعاقدين معه، والذين استشعروا الخطر من النتائج المحتملة لزواجه من جنبت، وريثة عرش والو، التي كانوا يطمحون لتسخيرها لمشاريعهم الزراعية. وهكذا أغروا به معارضيها، وعلى رأسهم فارا بندا المخلص لهم، لتبدأ بذلك المناوشات التي لم تنته إلا باتفاقية 30 أغسطس 1835 التي تخلى بموجبها الأمير عن كل دعاواه في والو، وتم بموجبها التأكيد على اتفاقيتي 7 يونيو 1821 و 15 أغسطس 1829.

لم تعرف هذه المعاهدة تطبيقا أفضل من سابقاتها، إلا أنها شُفعت بمثيلات لها في 25 ابريل 1842 و 22 أكتوبر من العام نفسِه لتنظيم الموسم التجاري، و 13 أغسطس 1842 مع رئيس إدولحاج لضمان سكينة إقليم كايور، ثم اتفاقية 22 أكتوبر من السنة نفسِها.

على امتداد تلك المرحلة، كان الفرنسيون يُغرون أحمد اللَّيْكَّاطْ بن أعْمَر، الأخ الأكبر لمحمد لحبيب، للمطالبة بحقوقه وإزاحة أخيه من الإمارة، وأوعزوا إلى حليفهم محمد الراجل، أمير البراكنة، بمساعدته عسكريا. إلا أن محمد لحبيب هزم الجموع الزاحفة عليه، مما اضطر أخاه أحمد اللَّيْكَّاطْ للجوء إلى آدرار قبل اغتياله وشن حملات انتقامية على حلفائه البركنيين والآدْراريين.

أدى إلغاء الرق سنة 1848 والاضطرابات التي سببها في السنغال إلى تدخل الأمير محمد الحبيب من جديد في إقليم والو، فعمل الفرنسيون على تفكيك تحالفاته ووقعوا اتفاقا مع اعلي بن المختار فال، رئيس أولاد بَنيُّوكْ وعَزُّونَه، تمتنع بموجبه هاتان القبيلتان عن مساعدة الترارزة ضدهم، بل تُمِدَّان الفرنسيين بالعوْن، إلا أنه خيَّب آمالهم بعدم التزامه بتعهداته بعد أن أخذ الإتاوات المقررة له.

فكَّر الفرنسيون في تلك الآونة برسم سياسة أكثر صرامة بلغت أوجها مع الكابتين فيدرب القادم من الجزائر؛ فقد بدأ هذا المستعمر الفظ التحضير للهجوم على قبائل "القبلة" قرب النهر، فكانت ضحيته الأساسية عَزُّونه، الذين لم يرتحلوا، وأبقار تندغه في تلك الناحية (فبراير 1855)، كما احتل إقليم والو وبدأ تنظيمه... فكان من شأن تلك الأحداث أن دفعت الأمير محمد لحبيب إلى الانتداب إلى الجهاد ضد الغزاة، وتأليب الموريتانيين عليهم لمؤازرته ضدهم. وتتزامن هذه الحركة مع مؤتمر تنْدَوْجَه سنة 1856 الذي مر بنا سابقا تنظيمه واحتضانه من قِبَل الشيخ سيدي الكبير دعوةً إلى الجهاد وتوحيد الصف.

وفي هذا السياق، تتحدث مراجع محلية وأجنبية عديدة عن مؤتمر تندوجه سنة 1856، وكيف استطاع الشيخ سيدي الكبير، مؤقتا، إسكات الأحقاد والصراعات بين القبائل لتأسيس تحالف ضد الفرنسيين تحت إشراف الأمير محمد لحبيب ومؤازرة فرق من البراكنة وبني يحيى من عثمان الآدْراريين له. وعندما علم فيديرب بالأمر باغت الجميع بالهجوم على بحيرة اركيز قاطعا بذلك المواصلات بين البراكنة مع الترارزة . ونجح بالقرب من ذلك في فك الارتباط بين هاتين الإمارتين وإذكاء الأحقاد بين الولوف والتكارير مع حسان وإغرائهم بالهجوم على محلات الأمير ونهب جانب شمامه التابع للبيضان.

أدى هذا الوضع بالزوايا المنهكين إلى الإذعان باستئناف تجارة الصمغ في يناير 1857، يتصدرهم العلامة محنض بابه بن اعبيد الدَّيماني، مخالفين بذلك العلامة اجدود بن اكتوشني العلوي وغيره من دعاة المقاطعة التجارية. وتبعهم العديد من قبائل حسان لشدة وطأة غلاء السلع، خاصة اللباس والمواد الغذائية المستوردة كالسكر والشاي، مما اعتبره الأمير استفزازا حاول الرد عليه بنهب القوافل المتجهة إلى مراسي النهر أو العائدة منها، فنتج عن ذلك غلاء فاحش طبَّق البلاد، فطلب الزوايا من الأمير العدول عن قرار المقاطعة بعد أن تخلى عنه أولاد دمان سنة 1858، وتصدى له أولاد أحمد مع حليفه امحمد الْ سيد. فنتج عن كل ذلك التفاوض لإحلال السلم الذي تم توقيعه في 20 مايو 1858 بشروط فيديرب، الذي تنازل له محمد لحبيب عن أطماعه في والو وضواحي سان الويس، كما اعترف له بحق حماية دويلات الولوف وديمار اديولوف واديامبور وكايور. وتم تحديد دَكَانَه مرسى للترارزة والعدول عن الإتاوات التي كانت تمنح للأمير واستبدالها برسم قطعة قماش عن كل 500 كيلو غرام من العلك. كما فُرض لرئيس قبيلة إدولحاج خراجُ قطعة قماش عن كل طن من العلك... فوضعت الحرب أوزارها بحمل الترارزة على الرضوخ للشروط الفرنسية، حسب محمد المختار ولد السعد[13]، وتنفيذا لما توعَّد به فيديرب الشيخَ سيديَ الكبير في رسالته المثيرة المنشورة في الحلقة السابقة المتعلقة بإمارة البراكنة.

وكان محمد لحبيب قد قبِل وساطة وفد من قبيلة إدوعلي بقيادة خيرِي بهذا الخصوص. وأثناء حرب الأمير محمد لحبيب مع الفرنسيين، أرسل لهم رسالة بواسطة وزيره المختار سيدي، جاء فيها:

«إلى الوالي فيديرب، السلام، أود ملاقاتكم عند مرسَى خم، إذا كان ذلك يمكن أن ينفع بشيء، وإلا فإنه من غير المفيد أن نتعب أنفسنا، لأني لا أرغب في الملاقاة إذا لم يكن بوسعنا ترتيب قضايانا. إن البيضان يتهمونني كثيرا قائلين إني أحب البيض حبا مفرطا. يعيبون علي أساسا أننا رفضنا في السنة الماضية مؤازرةَ الفوتا وامحمد الْ سيدِي عندما كانا يطلبان الدعم في شن الحرب. وفي السنة المنصرمة كذلك عندما رفضتم بيعنا العتاد الحربي كان الترارزة يقولون لي: "ألا ترى أن البيض يعلنون الحرب علينا؟" فأجبتهم بعكس ذلك. ثم إنكم خذلتم أولاد بنيوك دون أن يكونوا قد ظلموكم فسبيتم عيالهم».

فأجابه افيديرب في 3 أغسطس 1855 مغلظا القول ومهددا وذاكرا اتفاقه مع الإنجليز الذين دعمهم في غامبيا حسب زعمه، معلنا أنهم أصبحوا يشكلون مع الفرنسيين شعبا واحدا. كما حاول تأجيج قبائل الزوايا التي كان ينالها ظلم حسان، فكانت تسكت على الضيم وتكتفي بإبلاغ تعاطفها للوالي سرا، حسب تعبير بول مارتي، فكتب لهم بهذا الخصوص قائلا:

«إن زوايا الترارزة يعيشون من ماشيتهم وعبيدهم وعملهم وتجارتهم وليس من النهب فهم ناس كما نحب، لأننا لم نجئ إلى هذه البلاد إلا للتجارة واقتناء أشياء لا تنتجها بلادنا. إلا أنكم أنتم الآخرين، التجار المسالمين، تعيشون تحت وطأة الناهبين الطائشين الذين لا ينتجون شيئا ويفسدون كل شيء، فكيف لنا الفكاك من هذا الوضع؟ وقد رأيت الكثير من البلدان الإسلامية والقبائل الزاوية فيها مسلحة ومحاربة ومقاتلة في نفس مستوى القبائل الأخرى على الأقل. لماذا لا تتسلحوا لحماية تجارتكم؟ وفي انتظار ذلك، فإني وكما أخبرتكم في حرب مع كافة أتباع محمد لحبيب الذي أخل بالاتفاقيات بإعلانه ولده حاكما للوالو».[14]

ففي هذا النص يظهر بجلاء محاولةُ الفرنسيين، منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل، دقَّ إسفين الحرب بين مكونات المجتمع وتأليب بعضه على بعض، وإن كان في ذلك حق أريد به باطل. وقد انتهج كبلاني، خمسين سنة بعد فيديرب، الأسلوب نفسَه تقريبا، وكانت الأرضية وقتَها أخصب والمسوغات أبلغ وأصوب.

سيدي بن محمد لحبيب:

كان للأمير العظيم محمد لحبيب وقتَ اغتياله سنة 1860، تسعةٌ من الولد: سيدي، لأمه امبيريكه بنت عمير؛ اعلي، لأمه جنبت ابنة أمير والو؛ أحمد سالم وإبراهيم السالم والمختار السالم ولفجح وأعمر سالم ولَبَّاتْ ومحمد لحبيب، لأمهم فاطمه بنت امحمد بن سيدي أحمد الدَّمَانية.

خلَفه ابنُه سيدي، الذي كتب فور توليه رسالةً إلى الفرنسيين يخبرهم بموت والده وتعقُّبه لمغتاليه، معلنا لهم أن تشبث محمد لحبيب بالفرنسيين والاتفاقيات المبرمة معهم كان السبب في مقتله، قائلا:

«يسلم سيد بن محمد لحبيب على شيخ اندر. أوجَبَه أن العهد الذي بينك مع محمد لحبيب لا يُنقض، بل يكون أشد من ما كان عليه. واعلم أن ما طرأ من الأمر بينهم سببه الحرص على عهدكم وعدم قبولنا لشيء تكرهونه، وأدى ذلك إلى ما وقع من الموت والجلاء، والجماعةُ التي فعلت ما فعلت قُتل منها ما قُتل، وهو اثني عشرة بين مقتول ومغرب في أرض بعيدة، حيث لا يسمع له خبر إلا من بعيد، والباقي مقتول أو مُغرَّب كما فعل بأولهم.

واعلموا أن الجماعة التي غدرت محمد لحبيب ما حملهم على غدره إلا امتناعه من نقض عهدكم، وما حمل سيد على قتل أبناء عمه إلا الاجتهاد في قوة العهد ودوامه وتبليغه أيضا من المختار بن سيد إلى بور اندر. أوجَبَه إعلامك أن ما كتب في الصحيفة من كلام سيد فيما وقع صحيح، والآية بينك مع المختار قوله لك في دار دكان نحن وهذا كماند لا نتفق معه على هذه الطبيعة وإخرجه عنا، واجعل لنا كماند ءاخر مكانه يتفق معنا. والسلام. كتبه من أمر بالكتب». يلي ذلك طابع الأمير سيدي.[15]

كما بعث الأمير سيدي رسالة إلى والي السنغال سنة 1868، جاء فيها:

«وليكن في علمك أنه بِنِيَّة القُدوم على جهة أهل تكانت مشارا لهم، فإذا كنت الصواب عندك التعاون على الأمور العظام في كل ما تاتي به الأيام والأعوام، فشمِّر عن ساعد الجد والاجتهاد حتى تحصِّل له خمسين مدفعا ومائتين وخمسين قربة أو خمسين زكيبة (بارود).

واعلم أن الدهر دول، واعلم أن الأمراء إذا كانوا متباعدين اللائق بمنصبهم أن يعين كل واحد منهم صاحبه سلفا، فكيف إذا كانوا متقاربين؟ وحصِّل له مع ما تقدم ذِكرُه من آلة الحرب مائتي بيصة ومائة أوقية، وليكن في علمك أن هذا سلف فخذوه من ماله الذي بأيديكم».[16]

وعلى الرغم من معارضته لاستقرار الفرنسيين في جزيرة آركين، فإن علاقة الأمير سيدي بن محمد لحبيب بهم ظلت، كما يوضح ذلك بجلاء النصان السابقان، متميزة. إلا أن مناوئيه ما فتئوا يسعون لدى الفرنسيين لإزاحته ويعملون على ذلك، إلى أن اغتاله أخوه أحمد سالم في يوليو 1871. وكان لوزيره ووزير أبيه والعديد من خلفائه، اخْيارْهُم بن المختار سيدي، دور مشهود في ذلك.

وبين الرسالتين السابقتين، وعلى النقيض منهما، كتب الأمير سيدي رسالة أخرى للفرنسيين شديدة اللهجة، مؤرخة بالخامس من ذي القعدة سنة 1281 هـ، الموافق لفاتح إبريل من سنة 1865م، يرد فيها على استفزازاتهم المتكررة ونقضهم للعهود:

«إنه السلام من عظيم الترارزة سيد بن محمد بن لحبيب، وقاه الله شر البعيد والقريب، إلى أمير انضَرْ فيضر، موجبُه إعلامُكَ أنه منذ أراد الله هذه العافية بيننا، التي لسنا نحبها، لم تألُ الجهد، غاية الجهد، في النكث والنقض، ونحن لم نعلم بهذا، واليوم أظهره الله باآيات القاطعة، ككتابك للعلي المبعوث إليك مع وزيري أحمد لعبيد وأولاد بنْيوكْ، وخدمتك في عيالي ليلا نهارا، سرا حتى صارت جهارا. والآن اترك عنك هذا جميعا وابعث إليَّ عيالي جميعا، واحفظ قلمك وكاغدَك.؛وإن كنت لا تقدر على هذا، فسأرسل لك اعل واعليَّ مع ما تحب من عيالي. واعلم أننا لفي حرب. وسيعلم الكافر لِمَنْ عقبى الدار. على الله مُتَّكَلي وإليه مآب. والسلام. بابَ بن محمد بن حمْد، بإملاء من عظيم الترارزة سيد بن محمد لحبيب، خامسَ ذي القعدة سنة 1281». يلي ذلك طابع الأمير سيدي.[17]

أحمد سالم بن محمد لحبيب:

لم يلبث أحمد سالم (الأول) بن محمد لحبيب طويلا بعد أخيه سيدي الذي دَبّر اغتيالَه، فقد انبرى أخوهما اعلي، الذي كان موجودا بانْدَرْ وقتَ اغتيال سيدي، للمطالبة بإرثه، علما بأن اعلي كان أسَنَّ أبناء محمد لحبيب بعد سيدي، فسار اعلي إلى أخواله في والو حيث يتوارى أبناء أخيه: محمد فال وأحمد ولد الديد (الأول) وبابَه، فأبقاهم في حماه وانضم له أغلب أبناء أحمد بن دمان؛ وكان الأمير أحمد سالم في تلك الأثناء يتصل تباعا بالفرنسيين طالبا اعترافهم به ودعمهم له، إلا أنهم لم يكونوا راضين عن فَعْلته فماطلوا في الرد عليه. ومن رسائله إليهم:

«تبليغُ السلام، وغايةُ التحية والإكرام، من الأمير بن الأمير بن الأمير، أحمد سالم بن محمد لحبيب، إلى أمير اندر. موجبُه إعلامُك أنه في خير وعافية، ولعلك أنت كذلك وأنه هذاؤه في بلاده ومعه أهل الأرض وليسوا في هم سوى الخير والعافية، والحمد لله عليهما. ويرجو من الله أن تكون البلاد كلها عافية بحول الله وقوته هو سببها إن شاء الله، وأنه أتته بنو دليم ورجعوا بالخير والعافية، وأناخ بنو أحمد بن سيد اعل عند بابه وعزمه أنه لا يمشي من عنده إلا بالخير والعافية لأن تكون الأرض كلها عافية.

والآن يا أمير اندر، إن كنت تسأل عن أمير الترارزة، انظر بعقلك، فإنك تام العقل، ولا تلتفت إلى قول أحد. انظر مَن عنده التراب ومانعٌ لها من أعدائها وأصدقائها ولا يُفعل فيها شيء إلا بأمره، ومَن عنده عمامتُها وخيلُها وطبلُها وصرفُها، وأنت وهو ما بينكما إلا العهد الذي تعاهدتم مع أخيه وأبيه قبْلَه مِن العافية. وانظر من يوم وفاة سيد هل يختل منها شيء مما عليه ولايتُه من الأرض، وهو لا يطلب منك إلا الذي ترك له أخوه وأبوه عليك. والذي يأتيك ويقول لك إنه أمير وهو باق في جاهك لأنه ساكن في ترابك، مثاله أحد من أهل شامام قطَع البحر أتانا وقال أنا أمير النصارى ومجاهدٌ لهم، فو الله لولا أنتم وحريمُكم العظيم عندنا، ما يكونون بحد البلد القريب منا ويدَّعي الإمارة، فهب لنا ما لنا عليك ولا تمنعه، وإن منعته فلا تظنوا ولا تشكوا ولا تتوهموا أنك ملتبسة عليك الإمارة لمن، لأن مَن أضعف منك عقلا عرَف أن الولاية لنا، وأنت أحذق وأفطن وأصح ذهنا ممن يقول هذا. الزموا العافية العافية العافية والسلام.

لحق: وليس من هذا أعلم يا أمير النصارى غيرك من النصارى وأبناء اندر أنا وأنتم لسنا على طبع واحد: نحن من فخرنا القتل على الإمارة وليس فيها فعل شنيع عندنا، لأن العرب من فخرها وزيِّها المملكة وتطلبُها، سواء بأي شيء، وهذا من أعظم طلبها وأحسنه وأعسره والسلام».  يلي ذلك طابع الأمير سيدي المغتال.[18]

اتسم عهد أحمد سالم هذا بالسلم، لم تحدث فيه صدامات كبيرة، سوى ما نشب بينه مع أمير البراكنة سيدي اعلي بن أحمدُّو، فسعى الفرنسيون لإخماده بمساعدة رئيس قبيلة إدولحاج. وقد استمرت المناوشات بين اعلي وأحمد سالم الذي كان مدعوما من قِبَل أخواله أولاد دمان ومن قِبَل إدوعيش؛ ففاجأه اعلي بجيوشه قرب المذرذره وألجأ جَمْعَه إلى التفرُّق، دون أن يستسلموا، فاشتروا ولاء لاَتْ ادْيَوْرْ، قائدَ كايور، الذي أقسم على اجتياح والو، معقِلِ أخوال اعلي. لتستمر الحال على ذلك إلى غاية وقعة أيشايه التي فاجأ ليلتَها أحمد سالم وشيعتُه من أخواله ومن إدوعيش الأميرَ اعلي، فتظاهر لهم هذا الأخير بقبول التنحِّي وتلبية كل المطالب، وأرسل خفْيةً إلى امحمد بن ابَّيْبَكَّرْ، رئيس لَعْلَبْ، ليصبِّحهم، هو والأمير اعلي، مبدِّدين جموعَهم، مُقتِّلين، تِباعا، إخوتَه المارقين عليه، والذين لم يبق منهم حيا سوى أعمر سالم الذي استسلم له فيما بعد.

اعلي بن محمد لحبيب:

في عهد الأمير اعلي بن محمد لحبيب، عرفت العلاقات مع الفرنسيين انتعاشا، حيث كان على صلات معهم ومع أخواله في "والو" قبل توليه الإمارة.[19] وقد امتازت علاقاته على العموم بالجودة مع جيرانه على الضفة اليسرى، لم يعكِّر صفوها إلا استياؤه مما كانوا يغدقونه من عون لخصمه سيدي اعلي بن أحمدُّ، أمير البراكنه.

استتبَّ الأمر للأمير اعلِي من 1873، إلى أن اغتاله أبناءُ أخيه بزعامة أحمد بن سيدي بن محمد لحبيب، الملقب ولد الدَّيْد، في 22 أكتوبر 1886، لينتُج عن ذلك اضطراباتٌ هائلة في قلب الأسرة الأميرية. وقد ازدهر التبادل مع الفرنسيين في أيام الأمير اعلي، الذي وقَّع معهم معاهدة في 24 أغسطس 1877، تقضي بضمان أشخاص وأموال وأملاك الفرنسيين في أرض الترارزة، والمعاملة بالمثل للترارزة في أرض الفرنسيين. وقد شُفِعت هذه المعاهدة بملحق إضافي في 2 إبريل 1879، أُلغِي بموجبه مَرْسَى دكانه ومَرْسَى سان الويس، واستُبدلت الإتاوات المقررة في معاهدة 20 مايو 1858 بعلاوة ثابتة خُصِّص جزءٌ منها لرئيس قبيلة إدولحاج. وتم تحديد هذه العلاوة بألف ومائتي قطعة قماش سنويا، مائتان منها لرئيس إدولحاج.

وقد ظلت علاقة الفرنسيين ممتازة مع الأمير اعلي طيلة حكمه؛ فقد قام بحماية المستكشف سوليي ورفض الاستجابة لمطالبة إمام بوسياب عبدول ببكر الالتحاق به أيامَ جهاده في منطقة والو، وذلك على الرغم من زواجه من ابنته سنة 1878، رابطا مساعدته بإذن الفرنسيين له. وقد عرض الأمير اعلى على والي السنغال الهجوم على ممادو ألمين الذي كان قد بدأ جهاده في مناطق الساراكولي سنة 1885... مع أنه، وعلى الرغم من ذلك كله، لم يكن راضيا على الإطلاق عن دعم الفرنسيين لخصمه سيدي اعلي بن أحمدُّو، أمير البراكنة، لاستخدامه ضد إقليم فوتا. فقد كان سيدي اعلي يستخدم بعض ذلك الدعم لتمويل صراعاته مع إمارة الترارزة. وكان مما أغْضَبَ أيضا الأميرَ اعلي بنَ محمد لحبيب اجتيازُ قبيلة تَغْرَدنْت إلى الضفة اليسرى من نهر السنغال في الفترة من 1880 إلى 1882.

وقد راسل الأمير اعلي والي السنغال بما نصه: «سلامٌ من اعل بن محمد لحبيب إلى أمير اندر. موجبُه إليك أني سمعت أنك قلت إني قلت إني لا أقدر على أن أحكم أرضي، وأظنكم لم تسمعوا ما قلت. لم أقل سوى أني لا أحكم على رعيتكم، وأما رعيتي فقبضة يدي، بدليل أني حكمت على رعيتي خمسَ سنين إلا شهرين، لم يُظلم منكم أحدٌ؛ فإن كان انتقالكم عن غرض منكم فذلك، وإن كان من جهتنا فإنا قادرون على حماية أرضنا، فاذهبوا حيث شئتم حتى يتم الشهران والسلام».[20]

وكان اعلي عيَّن اخْيارْهُم بنَ المختار بنِ عبد الوهاب وزيرا، كما فعل والدُه وأخوه سيدي من قبل. إلا أن اخْيارهُم تعاون مع محمد فال بن سيدي لاغتياله ليلة 2 أكتوبر 1886.

محمد فال بن سيدي:

كان محمد فال بن سيدي بن محمد لحبيب غائبا إبان مقتل عمه اعلي، فعاد لتوه وأعلن نفسه أميرا. إلا أن الأمر لم يستتب له حيث خرج عليه ابن عمه أحمد سالم بن اعلي، وراح إلى انْدَرْ حيث تلقى الدعم والمدد، خصوصا مِن قِبَل يَمَرْ اندايْ، رئيس والو، الذي قام بنهب محال مناصري خصمه. وقد كتب محمد فال للفرنسين الرسالة التالية:

«تبليغُ السلام من أمير الترارزة محمد فال إلى أمير اندر. موجبُه إليك أن تعلم أن أموره كلها، عاجلَها وآجلَها، جعلَها في يد اخْيارْهُم إلى أن تقوم الساعة أو يموت هو ومن يقوم مقامه، إن فعل شيئا من أمور الدنيا، سواء بينه وبينكم وبينه وبين غيركم من السوادين والترارزة، فإن ذلك ماض عنده والفاعل فيه هو».[21]

أعْمَر سالم بن محمد لحبيب:

في هذه الأثناء، اعتَبر أعمر سالم بن محمد لحبيب، عمُّ الاثنين، أن الدور راجِعٌ له على أساس القُعْدُد، فاستنهض أخواله أولاد دمان واستعطف الوزير اخيارهم بن المختار بن عبد الوهاب، واستطاع بذلك كسب جولة من المناوشات في دجمبر 1886 ضد ابن أخيه محمد فال، الذي تظاهر له بالتنازل مقابل ترتيبات يتفقان عليها في اجتماع بينهما قبالة دكانه، ليقوم أعمر سالم بقتل الأمير محمد فال ليلة وصوله المكان المضروب للميعاد.

لبس أعمر سالم السراويل الأبيض[22]، رمزَ أمراء الترارزة، واستتب له الأمر بلا منازع من 1886 إلى 1891 لصغر سن أبناء إخوته آنذاك. وكانت علاقاته جيدة مع سلطات سان الويس التي قدمت له الدعم مرارا لتشجيعه على مهاجمة المقاومين التكارير وبكار بن اسويد احمد الذي كان يؤوي عبدولى ببكر، إمام بوسياب، وسيدي عالي بوري، قائد جلف، بعد لجوئهما إليه ما بين 1889 و1891. وفي سبيل ذلك هجم أعمر سالم هجوما خافتا على إدوعيش ورجع بسرعة، لانشغاله بالطموح المتنامي لابن أخيه أحمد سالم ابن اعلي، وقد حاولا معا أن يعترف الفرنسيون بحقوق كل منهما سنة 1891.

وفي سنة 1891، راح أحمد سالم إلى سان لويس، طالبا الحماية من واليها، ونجح في جلب الوزير اخْيارْهُم إلى كِفَّته، فاستشعر أعمر سالم الخطر وطالب بدوره حمايةَ نفس الوالي، الذي قرر السفر إلى رشارتول ليتولى بنفسه تسوية الأمر، بعد أن حدد أجلا للطرفين للالتحاق به هنالك. غير أن اخْيارْهُم استطاع بدهائه أن يغرِّر بأعمر سالم ويَثنيَه عن الذهاب إلى مكان اللقاء في الموعد المحدد، مما أغضب الوالي الفرنسي الذي أعلن أنه لم يعد يعترف بأعمر سالم أميرا وأن حمايته ودعمه ينحصران من ذلك الوقت فصاعدا في أحمد سالم بن اعلي.

أحمد سالم بن اعلي:

بدأ أحمد سالم الثاني (بَيَّادَه عَلَمًا) التأهبَ من حينه لمنازلة عمه أعمر سالم، فجمع شيعته وفِرَقا من أخواله الوالويين وتلقى دعما من الفرنسيين وعزز موقفه بتوقيع اتفاقية مع والي سان لويس في 8 أكتوبر من السنة نفسِها، قَبِل بموجبها حرية التجارة وتسهيل تنقل الرعايا الفرنسيين من والو لاجتياز النهر وزراعة أراضي شمامه الخصبة، فرفعوا له الإتاوة إلى 2000 قطعة قماش سنويا. وجاء في هذه المعاهدة:

«تعترف السلطة الفرنسية بأحمد سالم بن اعل جنبت أميرا للترارزة، وفي حال موته تمتنع عن الاعتراف بخلفه إذا كان مشاركا أو داعما لاغتيال سلفه من أجل الحلول محله.

إن أحمد سالم باسمه شخصيا وباسم كافة خلفائه وباسم الأمراء الأساسيين وذراريهم يطلب وضع بيضان الترارزة تحت الحماية الفرنسية.

في حال الهجوم على بيضان الترارزة المنضوين تحت الحماية الفرنسية، فإن والي السنغال سيدعمهم في حدود ما تسمح به الظروف برؤساء دويلات الضفة اليسرى المنضوين تحت الحماية أو بقبائل أخرى من البيضان. وفيما عدا الدفاع عن النفس، لا يقوم بيضان الترارزة بشن الحرب على أية أمة دون الحصول على إذن والي السنغال. وفي حال عمل عسكري مشترك، فإن الوحدات المحلية من الضفة اليسرى ومن الترارزة تكون تحت القيادة العليا لضابط أو موظف فرنسي.

وفي حال إرسال قوات فرنسية لدعم بيضان الترارزة، فإن إدارة العمليات العسكرية تكون تلقائيا من حق حاكم المستعمرة الفرنسية».

وقد أكملت الاتفاقيات الموقعة في 25 مايو 1892 و10 سبتمبر 1894 و29 يوليو 1895 بين الأمير ورئيس إقليم والو يَمَرْ امبودج تحت الرعاية الفرنسية هذه الإجراءات، بإعطائها سكان الضفة اليسرى الحقَّ في زراعة أراضي الضفة اليمنى.

وظلت العلاقات بين الأمير والفرنسيين ممتازة، على الرغم من مقتل الإداري فينسانه في 24 فبراير 1894 من قِبل أخي الأمير غير الشقيق، محمد بوراص، الذي نفذ فيه اخْيارْهُم بن المختار بن عبد الوهاب حكما بالقتل تلك السنة.

ولم يبخل الفرنسيون بدعمهم المادي والمعنوي لأحمد سالم، سواء بشكل مباشر أو بواسطة حليفيهما في المنطقة يَمَرْ امبودج، ملك والو، وسيدي اعلي بن أحمدُّ، أمير البراكنة، اللذيْن أنقذا أحمد سالم بجيشيهما من نهاية محققة في معركة الكانه.[23]

وفي سبتمبر 1893، استطاع أحمد سالم التخلص من عمه وخصمه أعمر سالم بواسطة فرقة اخْيارْهُم بن عبد الوهاب، ليستتب له الأمر بلا منغص، إلا ما كان من بداية تحرُّك ابن عمه سيدي بن محمد فال، مدعوما من قِبَل اخْيارْهُم، ابتداء من سنة 1898.

وفي 9 فبراير 1897 تم التوقيع بينه وبين أحمدُّو ولد سيدي اعلي مع السلطات الفرنسية على إنهاء النزاع بين قبيلتي إجيجبه وأولاد أبييري[24]. وتم تجديد ذلك بمحضر الشيخ سيدي بابه ورؤساء قبيلة إجيجبه في 23 مايو سنة 1898.

إعلان الحماية الفرنسية وصراع بَيَّادَه وأبناء محمد فال على الإمارة:

أمام الصراعات على السلطة التي لا تنتهي إلا لتعود وتأثير ذلك على أمن التجارة وإلغائها الفعلي للمعاهدات التجارية، وتمشيا مع نهج فرنسا الاستعماري العريق، قررت هذه الأخيرة، في الفترة الممتدة من 1901 إلى 1905 الشروع في وضع خطة سياسية من شأنها فرض الحماية على أهالي الترارزة، للقيام بعمل استعماري مباشر أكثر فاعلية ورسمية، يرتكز بالأساس على مساعدة الأمير الرسمي، أحمد سالم بن اعلي. فأوعزت إلى يَمَرْ امبودج، رئيس والو باجتياز النهر بوحداته الوولفية لينضم لأحمد سالم في مقارعة سيدي الذي اضطر للانسحاب إلى البراكنة في يناير 1902، قبل أن يعيد الكرة ويستولي بغتة على ممتلكات غريمه عند خيوه. مما تطلَّب تدخُّلا فرنسيا مباشرا، تمثَّل في إرسال فرقة عسكرية إلى بحيرة اركيز، لتبدأ بعد ذلك، وتحديدا في مايو 1902، محاولات للتوسط بين الزعيمين التَّرُّوزييْن المتنازعيْن، إلا أن إصرار المستعمر على التمسك بأحمد سالم أغضب سيدي فاستُؤنفت المعارك مجددا.

في هذا الوقت بالذات، خلصت الإدارة الاستعمارية إلى ضرورة عمل مباشر ومستديم في موريتانيا التي فصلتها حينئذ عن مستعمرة السنغال، وعيّنت عليها في صيف 1902 مفوضا عاما للحكومة، هو كزافيي كبولاني.

وفي 15 دجمبر 1902، وقَّع أحمد سالم بن اعلي الوثيقة التالية:

«هذا وإني أنا، أحمد سالم أمير اتْرارْزَ، وضعت نفسي تحت حماية الدولة الفرانسيسية وتركت لها حقوقي ومزيتي، لأني لا أحب إلا الخير في أرضي، ولأناله فإني برأي الدولة الفرنساوية راضٍ وقابلٌ أفعالَها لإصلاح أرض اتْرارْزَ، ونعاملُها على طبق عوائد أهلها. وهذا مكتوب في دكان بحضرة الواضعين أسماءَهم».

وقد قام المفوض العام للحكومة الفرنسية اكزافيي كبولاني بتعيين مجموعة من أعيان وسادة الإمارة، على رأسهم الأمير أحمد سالم بن اعلي، الذي اعترف به أميرا للترارزة والتزم بإعطائه راتبا شهريا قدره 1000 افرنك، ابتداء من فاتح إبريل 1903. وفي هذا التاريخ بعينه، عيَّن المختار بن امبارك، شيخَ أولاد دمان، ومنحه راتبا شهريا قدره 250 افرنك، وسيد احمد بن ببكر سِيرَه، من نواب الفرنسيين والحسن بن الطالب رئيسا لـ "الكُومْ" حملة السلاح في الترارزة؛ وفي 30 مايو 1903 عين العلاّمة السالك بن بابه قاضيا عند سهوة المَاء؛ وفي 5 يونيو عين اخْيَارْهُم بن المختار بن سيدي، رئيس أهل عبد الوهاب، نائبا للفرنسيين في أرض الترارزة، وعثمان بن إبراهيم اخليل رئيسا لـ "الكُومْ".

كما أبرم كبولاني الاتفاقية التالية مع بعض زعماء الترارزة: سيد احمد ولد ببكر سِيرَه، وببكر ولد إبراهيم فال وأعمر ولد المختار بن احمياده، من أولاد أحمد من دمان، والمختار ولد امبارك، رئيس أولاد دمان، واخيارهم، مستشارهم، متكلمين باسم جماعاتهم، «بأنهم جاعلون أمرَهم بيد نائب الدولة الفرنسيسية في كل ما فيه صلاح الأرض وعافيتُها وما فيه زيادةُ منافعها. فكل ما فعله النائب المذكور على الوجه المذكور فهو ماض عندهم مقبولٌ. فَعَلَ النَّفَرُ الخمسة الواضعون أسماءهم بأيديهم أعلاه ذلك بحضرة كاتب هذه الأسطر سيدي بن محمد بن سيدي».

يلي ذلك شهادةُ الشيخ سعد أبيه على النحو التالي: «أشهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وأشهد على كَتْب هؤلاء القوم المذكورين لأسمائهم وإمضائهم ما طُلب منهم. والسلام كتبه الشاهد عليه سعد بوه بن شيخه الشيخ محمد فاضل القلقمي نسبا».[25]

أقلق هذا التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للإمارة مناصري سيدي بن محمد فال الذي بادر بارتداء السراويل الأبيض قبل أن تهدأ الأمور نسبيا بفضل تدخل الشيخ سيديَ بابه والشيخِ سعد أبيه. وحاول كبولاني دون جدوى إقناع الأمير أحمد سالم بالتنحي. في تلك الأثناء كان أحمد سالم يضرب خيامه قبالة خيوه تارة وقبالة كاراك تارة أخرى، بمحاذاة المراكز الفرنسية، منتظرا ما تسفر عنه الأيام.

أما كبولاني، فقد دشّن عمله بالاتصال المباشر بالقبائل، متجاوزا بذلك الأمراء، فنفَذ إلى الضفة اليمنى تسانده قواتٌ نظامية وأخرى مؤازرة من والو والممالك السنغالية الأخرى، فأسس بموازاة النهر مراكز اندياكو وابيخ وسهوة الماء، وشرع في الاتصال بالقبائل، فاستجاب له أولاد بسباع الجنوبيون وتبعتهم أغلب قبائل زوايا القبلة، واستعان بأولاد عايد، حسب بول مارتي[26]، ثم طلب من الأمير أحمد سالم تجميع القوى التابعة له.

وقد أثمرت اتصالات كبولاني بالقبائل بمكاتبة أولاد ديمان وأولاد أبييري وتجكانت وتندغه وإديقب وإكمليلن وإداشفغه وانتابه الكحل وأهل بارك الله وأهل عبَّلَّه وأولاد أحمد وأهل الحاج القربي وأولاد بنيوك وإدغزينبو وتاكنانت والمدلش وشرفاء انواكور، على سبيل المثال لا الحصر، واكتتب أعيانا من الترارزة من أمثال عثمان بن إبراهيم اخليل وببكر سيره واخْيارهم بن المختار الذين وحدوا تحت إمرتهم العديد من المقاتلين.

 أدت تلك الإجراءات إلى استشعار كل من الأميرين أحمد سالم وسيدي الخطر المحدق فتقاربا مرحليا وتنازل سيدي وذهب أحمد سالم إلى الشمال رافضا عروض كبولاني ومصرا على التمسك بامتيازاته الأميرية السابقة كاملة غير منقوصة.

قرر الأميران القيام بهجوم مباغت على مركز نواكشوط فأخبرا اخيارهم، وكانا راغبين في استمالته، طالبين منه مغادرة المكان، فنتج عن ذلك اختفاء عنصر المباغتة. وإحساسا منهم بخطورة هذا التقارب عليهم، حاول الفرنسيون فك الارتباط بين الأميرين ساعين، بالدرجة الأولى، إلى استمالة سيدي الذي استجاب لعروضهم ولبس السراويل الأبيض، وأعلن ولاءه للفرنسيين وسافر إلى سان لويس؛ غير أنه تمسك بمواقفه كأمير مستقل، غير منتبه للتغيرات الجوهرية التي أحدثها الدخول المباشر للاستعمار، مما أفشل التقارب بينه مع هذا الأخير ودفعه عند عودته إلى البلاد أواخر سنة 1904 إلى التواصل مجددا مع أحمد سالم، الذي اتفق معه على أن يهاجما محطة اخروفه ويحرقا أكواخها التي كانت حاميتها قد أخلتها لدعم موقع نواكشوط بمن كان فيها من الجنود. إلا أن الوضع ظل مضطربا ولم يتسم بثقة تامة بين الرجلين.

بعث الأمير أحمد سالم إلى الشيخ سيديَ بابه وقدم إليه عند أبي تلميت في 13 إبريل 1905 للإعلان عن مكاتبته للفرنسيين ورجوع من في إيالته من أبناء أحمد من دمان، أياما قبل أن يتمكن أحمد ابن الدَّيْد من اغتياله عند انواكل في 18 إبريل من نفس السنة واغتيال أخيه أعمر في اللية الموالية. نأى سيدي بنفسه، في الظاهر على الأقل، عن هذه الواقعة، وراح إلى أبي تلميت معلنا عزمَه على وضْع السلاح، قبل أن يقنعه حلفاؤه الدَّمَانيون بالعدول عن ذلك.[27]

وفي الفترة التي كان يترقب فيها استمالة الغزاة الفرنسيين لِكِفته، كتب الأمير سيدي إلى الحاكم الفرنسي كبولاني الرسالة التالية: «الحمد لله وحده ولا يدوم إلا ملكه وبعد، فتبليغُ السلام وغاية التحية والإكرام من سيد بن محمد فال وجماعته، أبناء أحمد من دمان، إلى كَبُّلاَنِ. موجبُه إعلامُك أنه ربط سرباله يوم ثلاثة عشر في شهر مارس أيام واقعة التاكلالت وأيام طيحة أعمر بن اعل على سهوة الماء، وخرج ناهضا لأحمد سالم وأخذ من معه من الترارزة، وإني طلب مني أحمد سالم العافية والعيانة على شر الفرانسيسية وامتنع من ذلك، وأنه التقى مع كابتن انواكشوط واسمه افرير جاه وأحسن إليه وحامد له، والذي منعه من القدوم إليك أيام إتيان كتابك له شدة الحرص على أخذ من كان من الترارزة مع أحمد سالم لك ولنفسه ولوضع العافية في التراب، وأنه هو وكابتين شغلهما واحد والسلام».[28]

أحمد سالم بن إبراهيم السالم:

بقية الأحداث في إمارة الترارزة معروفة وواقعة كلها بعد إعلان فرنسا رسميا ضمَّ البلاد الموريتانية إلى مستعمراتها الإفريقية. إلا أنه قد يكون من المناسب ذِكْرُ بعض الوقائع العابرة.

من ذلك مطالبة أحمد سالم (الثالث) بن إبراهيم السالم بن محمد لحبيب بالإمارة وإعلانه الخضوع للفرنسيين مباشرة بعد صده هجوم أحمد ابن الديد عليه عند تِنيدِّرْ، وتحديدا في مايو 1905، فاحتدم التنافس والاستقطاب بينه مع سيدي حتى كادت السلطات الاستعمارية نفسها تتواجه فيه نتيجة تبني كل من حاكمي أبي تلميت وابياخ لأحد المرشحيْن، قبل أن يفضي الأمر إلى تقسيم مناطق النفوذ بينهما بتعيين كل منهما رئيسا لجناح من ولاية الترارزة، التي ألغي منصب أميرها مؤقتا في تلك التسوية. غير أن وضعية الانتظار هذه لم ترق طويلا للأمير سيدي الذي هاجر مع مقربيه ناحية الشمال، مما صب في صالح تنصيب أحمد سالم بن إبراهيم السالم أميرا للترارزة حتى وفاته سنة 1915. أما سيدي فإنه لم يعد من مهاجره إلا سنة 1343 هـ / 1925م.

في بداية تولي أحمد سالم الثالث منصب أمير الترارزة الغربية في 10 مايو 1910، حاول الفرنسيون مواصلة سياسة الإدارة المباشرة التي كان من إفرازاتها اختفاء الامتيازات السياسية والجبائية لأصحاب الشوكة على أتباعهم وعلى الزوايا، إضافة إلى الإتاوات المختلفة التي كانت تمنح للأمراء الحسانيين من قِبَل الإدارة السانلويزية، مما كان له أثر سلبي بالغ في تقليص مصادر أرزاقهم. لكن المستعمر، وبعد أن أدرك خطورة القرار، اضطر للبحث عن بدائل تمكن حاملي السلاح المذكورين من تحصيل بعض الموارد من أتباعهم، لئلا يضطرهم سَدُّ الأبواب التقليدية لمعيشتهم إلى الاستماتة في مقارعتهم له، فعاود العمل بسياسة الحماية للتحايل على القوانين ومبادئ الثورة الفرنسية.

في الوقت نفسِه، أنشئت مشيخة في الترارزة الشرقية مركزها أبو تلميت وتم إسنادها لأحمد ابن الديد الذي كاتب الفرنسيين مستهل يناير سنة 1910، فتم استحداث قيادة شبه عسكرية له نهاية 1912 على القبائل الحسانية والحاملة للسلاح في تلك المنطقة للدفاع عنها. وقد لعبت الإدارة الاستعمارية قبل ذلك، كما مر بنا، دورا بارزا في دعم خصمه وخصم أخيه سيدي، الأمير احمد سالم بن اعلي قبل اغتياله، محاولة منها للحفاظ على قدر من الأمن، لكنها تميزت دوما بقدرتها الهائلة على التكيف مع المتغيرات، فرامت كسب ود أحمد ابن الديد لما يمثله من ثقل اجتماعي وعسكري ولما عانت من جرأته وفروسيته وبراعته القتالية أيام كان مقارعا لها من 1906 إلى 1910.

ولم يكن الأمر سهلا لترضية كل من الأمير الجديد أحمد سالم بن إبراهيم السالم وأحمد ابن الديد المكاتب حديثا، في آن واحد، فتفتقت "عبقرية" الإدارة عن ابتكار حل منطقتي الترارزة الغربية التابعة للأمير الرسمي ومنطقة الترارزة الشرقية التي عين أحمد ابن الديد قائدا لها. وقد لعب هذا القائد دورا سجله الفرنسيون له إبان مشاركته في حملة تيشيت التي تم القبض فيها على الأمير سيد احمد بن أحمد ابن عيده وفي المغامرة العسكرية التي أراد المقدم موري من خلالها دخول السماره سنة 1913 دون إذن من السلطات الإسبانية، وحتى دون إذن من قادته.

وفي مقابل تنازل الأمير أحمد ابن الديد عن مداخيله من إتاوات "الحرمة وآبَّاخْ" التي كانت تجبى على الأتباع الغارمين، خُصص له راتب شهري قدره ثلاثمائة افرنك يقتطع من مخصصات الأمير مباشرة، حسبما نصت عليه اتفاقية أكتوبر 1912 المبرمة بينه مع ما عرف في ذلك الوقت بالحكومة العامة لموريتانيا. وقبل ذلك وقعت اتفاقية مايو 1910 مع الأمير أحمد سالم بن إبراهيم السالم لتحديد صلاحياته والخدمات المسندة له من قِبل المستعمر.[29]

في هذه الآونة الحرجة والمضطربة في آن واحد، لعبت قبيلة لعلب دورا بارزا في الذب عن منطقة الجنوب الغربي الموريتاني المعروفة بـ "القبلة" والتصدي للهجمات الموجهة ضد كل من هادن الفرنسيين أو لم يهاجر عنهم.

وكثيرا ما يُروى أن الشيخ سيديَ بابَه، تبعا لذلك، أنه كان يسميهم "رجال الإغاثة"، قائلا: إن من وقع في ضنك من المحاربين وطلب تدخلهم فإنهم يبذلون مهجهم وينصبون صدورهم لرصاص المغيرين عليه حتى يردوهم عنه أو يستردوا له منهوباته منهم. كما كان لقبيلة أولاد دمان في ذلك المنحى بلاءٌ وأيامٌ مشهودة.

أما بالنسبة لزوايا الترارزة وعلاقتهم بالفرنسيين قبل وبعد احتلال البلاد رسميا من قِبَل الفرنسيين، فإن الوثائق والأخبار المكتوبة ذات الصلة كثيرة يضيق عنها المَقام، وأغلبُها معلوم. ويمكن ختْم هذه الورقة بثلاث وثائق نموذجية؛ وهذا نص أولاهما:

رسالة غير مؤرَّخة من  رئيس إدولحاج (شمس) إلى حاكم انْدَرْ:

«تبليغُ السلام من شمس إلى بور انضر مس الكبير. موجبه إليك أن مانعه من المجيء لك مجيء ءال أحمد بن دامان له طالبين منه الذهاب إلى بوط اندرك المرسى التل وامتنع من الذهاب معهم، وطلبوا مني اشتراك الذي يعطى لهم وأبيت، لأن نصارنا افرانس ومرسانا انججهان، فاشتغل لي في تحصيل السفن في انضر تاتي لانججهان وليقطع البحر على الحال الذي يحب خالي الحامل القرطاس فإنهم ذاهبون إلى زرعي الذي في إيسنغان يريدون حمله إلى انضر، فإياك إياك إياك أن تضرهم بشيء ما فإن ما  يفعل بهم من الرفق والإحسان أحب إلي مما يفعل إلي. وأما خبر الترارزة فلم يقع فيهم شيء مما يحتاج إليه، لا خير ولا شر، إلا فساد رأيهم وخبال أمرهم. وأما شأن ما تطلب مني فإنه وجد كله بيدي ولما أردت نقله بلغني أنك اشتريته من غيري فإن كان ذلك حقا فابعث لي به وإن لم فارسل لي مع أول قادم لئاتيك به. والسلام كتبه شمس في بيته يوم الجمعة الأول من شهر رجب ولتاتني المراية في قومي مع أول قادم».[30]

أول رسالة كتبها  الشيخ سعد أبيه إلى أمراء انْدَرْ (سنة 1867م):

وفي الثامن عشر من أكتوبر سنة 1867. كتب الشيخُ العلاَّمةُ العَلَمُ، سعدُ أبيه بنُ الشيخ محمد فاضل، رسالة إلى الوالي الفرنسي بسان لويس. ولعلَّها داخلة في سلسلة مراسلات الحكام الفرنسيين، مع قادة المجتمع الموريتاني، مثل مراسلات فيديرب المشهورة مع الشيخ سيديَ الكبير، الذي كتبت رسالة الشيخ سعد أبيه هذه سنتين قبل وفاته، وكان الشيخ سيديَ الثاني (بابَه) إذْ ذاك في السابعة من عمره:

«إنه من الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد الفاضل بن الشيخ محمد الأمين، الشريفِ القلقميِّ نسبا والحوضيِّ وطنا. سلامٌ أذكى من الورد والمرجان، وأشهى من الضَّرَب والصَّهباء بالماء ممزوجانْ، إلى الأمير أمير اندر، بل وغيره من أهل البحر والبر، الذي هو لما تأمَّر في البلاد أقام العدل في سائر العباد ومنع البغاة من الظلم والطغيان، ومنع مَن دونَهم من السرقة والعدوان، وحتى حد عليه المحل والمكان، بالعدالة والسياسة في البلدان، حتى كان من عدالته أنه صيَّرَ الضعيف قويا لا يخاف ممن منه أقوَى، والعزيزَ ذليلا يأخذ بالظلم ماله يهوَى، وكادت الأمَة في مملكته أن تحمل تمرا أو غيره فتسير ما شاءت ولا تخاطب. شعر:

فثنى البغاة عن الضعاف ذليلــة==وأقام قسرا درأها وصغاها

أوفى بذمتها وحَاطَ حدودهــــــــــــــــــــــــــا==وأطال سمك منارها وبناهـا

وقد جمع سياسة الأمراء التي كانت قبله وعدالة السلاطين محله وحرب الملوك طرا هو له. شعر:

أتته الخلافة منقادة==تجرر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له==ولم يك يصلح إلا لها

ولو رامها أحد غيره==لَزُلْزلت الأرض زلزالها

وصدقت قول القائل في الملوك الأواخر والأوائل لحدة فهمك وصحة ذهنك عقول الملوك ملوك العقول وحققت بالصواعق المصنوعة والسيوف والسهام قولهم كلام الملوك ملوك الكلام. شعر:

أكفأت نيران العدو وأوقدت==نار قدحت براحتيك زنادها

وأصبت في أرض العدو مصيبة==عمَّت أقاصي غورها ونجادها

فموجب إليك السلام، أنا نريد بسط الكلام، وإلقاءك السمع له إلى التمام، وهو أنا قدمنا عامَ أوَّلَ من أرضنا، أرضِ الحوض، نريد الحج في سفن الدخان، فعاقَنا عنه عائق، فإذا الأرض أرضُ أمْن، والبلادُ بلاد أسواق قائمةٍ وتجارة دائمة، فأردنا المكث فيها وبناء حضرية بها، ولقينا أمراء العرب كابن اسويد احمد وابن هيبَ وابن أحمد وابن محمد لحبيب، وكلهم أهدى لنا بهدية نفيسة، لأنا شرفاء ولنا حق عليهم، والآن قدمنا إليك نريد الهدية وأن نكون معك على عهد لا ينفصم أبدا، ولو تعاديتم مع كل أحد، لأن عهدنا ولله الحمد ليس كعهد غيرنا من سائر البيضان، لأنا لسنا أهل حرب ولا مخادعة ولا مكر، بل ولله الحمد أهل علم وشيوخ تربية، لم تتقدم لنا همة إلى غير ذين، وإن كنت جاهلا أمرنا فسْئل من كان سوقه بأرض بو اجدور من أهل قريتك وعهدنا معك من جملته أنه إن طرأت حرب بينكم وبين العربان لا نُسَم بسُمها ولا نُشاك بشوكتها، لأنا لسنا منهم ولا من زواياهم ولا نريد رفعة أحد منهم، وإن دمتم على ما أنتم عليه من السلم فلا يقربنا ذلك منهم ولا يبعدنا منهم ولا منكم، ونريد أيضا أن تكتب لنا بطابعك مكانة عند رعيتك ومزية في طويتك وعهدا في أرضك. والسلام».[31]

أول رسالة كتبها الشيخ سيديَ بابَه إلى أمراء انْدَرْ (25/1/1896):

«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله سيديَ بنِ محمد بنِ سيديَ إلى أمير انْدَرْ سلامٌ. أما بعد، فإن المسكين محمد بَمْبَ ليس من شيوخ السودان الحمقاء الذين إذا شبعوا طغوا وأفسدوا في الأرض ووثبوا على ما لا طاقة لهم به من الأمور، وإنما هو سالك سبيلنا لا نريد إلا العافية والمسالمة منكم ومن غيركم، وإن أردنا غير ذلك فأغلب من ينتسب للإسلام أوْلى بالمحاربة منكم، لكثرة ظلمهم وفسادهم في الأرض. أما أنتم فأهل عدل وإصلاح للأرض. وإني أريد منك أن ترده إلى صِبْيته وعِياله، وأضمنُ لك أنه لا يضركم أبدا، مع أنه والله ما يريد ذلك فيما علمت، وقد لقيته وكلَّمته ولا يكتم عني، ثم إن رددتَه فإن شئت بعد ذلك فأسكنه في انْدَرْ هو وعيالَه وأجرهم مجرى سائر مَن فيها من السوادين فيما تأخذون عليهم من الفضة، وإن شئت فأرجعه إلى موضعه الذي كان فيه وخذ عليه وعلى من معه ما تأخذ على سائر السوادين وازجُر عنه من أحببت أن لا يأتيه من تلاميذه السودانيين ولا تترك معه منهم إلا اليسير الذي لابد لمعاشه منه، وإن شئت فوجهه إلى أرض البيضان يسكن بها ووجه معه أولادَه وأمهاتِهم ولا تترك معه من تلاميذه إلا ما أحببت. هذه حاجة أريدها منك ووالله ما عليكم ولا على غيركم من هذا المسكين ضررٌ، ولكن قد يأتيكم عنه بعض من يحسده بالكذب، ولكن انظروا بعقولكم فإنكم أهل عقل يظهر لكم ما قلت لكم. والسلام».[32]

وبالجملة، فإن أغلب زوايا المنطقة الراغبين في قلب موازين القوى وتغيير أوضاعهم المَهينة وتحقيق شيء من الاستقرار، انتهزوا فرصة مجيء المستعمر الفرنسي لتحقيق ما تيسر من حلمهم القديم، المستعصي تاريخيا.

أما القبائل الغارمة، فقد انتهزت هي الأخرى الفرصة لتتملص من دفع الإتاوات والمغارم العديدة التي كانت تدفعها لحسان والزوايا، متذرعة بأنهم لم يعودوا يوفرون لها الأمن المقابل والمفترض سابقا. وقد شجع الفرنسيون شراء بعض هذه المكوس، كالحرمة، لشدة وطأتها على دافعيها لأسيادهم. واختُلف في تقويمها، فكانت بعض المناطق تقوِّمها بأربعة أعشار ممتلكات الغارم، وأخرى بكافة هذه الممتلكات.

ونظرا لتشبُّث شعوب المنطقة برقيقهم، وخوفا من إزعاج الأسياد وإلجائهم إلى نفور أعنف، غض الفرنسيون البصر عن الأوضاع الرهيبة التي كان العبيد يعيشونها في مستعمراتهم، ولم يحرِّكوا ساكنا يُذكر في سبيل تطبيق قوانينهم المُلغية للرق منذ سنة 1848؛ وكذلك فعل المستعمر الإسباني. وحسب التقارير والوثائق الفرنسية والإسبانية، والمغربية أيضا، فإن الأمر لم يقتصر على ممارسة الاستعباد المنتشرة بشكل فظيع في القارة الإفريقية آنذاك، وإنما سُجِّلت نشاطات تتعلق بامتهان النِّخاسة في عدة مناطق خاضعة للاستعماريْن الفرنسي والإسباني.

 

[1]-  د. محمد المختار ولد السعد، إمارة الترارزة وعلاقاتها التجارية والسياسية مع الفرنسيين من 1703 إلى 1860، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 2002، ج1، ص 13- 14.

[2]- Till Philip Koltermann, Ulrich Rebstock, Die altesten arabischen Briefe der Emire von Trarza (mauretanian), Dokumenteder maurischen Bundnispolitik Mit Holland und England, 1721-1782, original beitbeitrag, erschienen in: Zeit schrift Weltgeschichte 7, 2006, S. (75)-108, p 79.

[3]- المصدر السابق نفسُه، ص 87-88.

[4]- Paul Marty, l’Emirat des Trarzas, Edition Ernest Leroux, Paris, 1919, p. 75.

[5]- Till Philip Koltermann, Ulrich Rebstock, Die altesten arabischen Briefe der Emire von Trarza (mauretanian), Dokumenteder maurischen Bundnispolitik Mit Holland und England, 1721-1782, original beitbeitrag, erschienen in: Zeit schrift Weltgeschichte 7, 2006, S. (75) p. 54/95.

[6]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[7]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[8]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[9]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[10]- Paul Marty, op cit , p. 105.

[11]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[12]- Paul Marty, op cit , p. 105.

[13]-  د. محمد المختار ولد السعد، المصدر السابق نفسُه، ج1، ص 354)،

[14]- Paul Marty, op. cit., p. 114 -115-116.

[15]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[16]- د. محمد المختار ولد السعد، المصدر السابق نفسُه، ج1، ص 374،

[17]- الخليل النحوي، بلاد شنقيط المنارة والرباط، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1987، ص 324.

[18]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[19]- د. محمد المختار ولد السعد، المصدر السابق نفسُه، ج1، ص 356)،

[20]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[21]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[22]- السراويل لفظ مفرد بصيغة الجمع.

[23]-  د. محمد المختار ولد السعد، إمارة الترارزة وعلاقاتها التجارية والسياسية مع الفرنسيين من 1703 إلى 1860، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 2002، ج1، ص 457.

[24]- Paul Marty, l’Emirat des Trarzas, Edition Ernest Leroux, Paris, 1919, p. 458-461 et 462-465.

[25]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[26]- Paul Marty, op. cit., p. 217.

[27]- Paul Marty, op. cit., p. 114.

[28]- نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[29]- Paul Marty, op. cit., p. 468-470 .

[30]- مخطوط بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).

[31]- Paul Marty, op. cit., p. 449.

[32]- نسخة أصلية من الرسالة بمكتبة أهل الشيخ سيديَ بأبي تلميت (الوثائق الرقمية).