لقد سحرتني الحالمة / الأستاذ أحمدو ولد الوديعة

أربعاء, 13/05/2015 - 12:21

عديدة هي الأشياء التي تجمعني بصديقي الأديب والمحدث، الشاعر والروائي، محمد عبدالله ولد الشيباني لكن لعل أبرز الصفات التي جمعتني وإياه منذ أكثر من عشر سنوات هي المغامرة أو دعوني أقول الحلم.. لكل منا أحلامه بطبيعة الحال لكنا حلمنا معا بعالم مختلف وبتغيير جذري على أكثر من صعيد ، راح كل منا ينشد حلمه أو ليلاه على طريقته الخاصة. في بداية المشوار كنا " نحلم " معا ونغامر معا كانت الراية فضاء حلم جميل اتسع لخواطرنا النثرية وقصائدنا الشعرية وتحليلاتنا السياسية لكن تطورات الحياة أخذت كلا منا مع الوقت لفضاء مختلف ...وجد زميلي محمد عبدالله فرصة للأحلام الهادئة، والقراءة العميقة والبحث الرصين.. وقدر الله أن يأخذني الحلم والمغامرة إلى ميادين ساخنة صاخبة تأخذ أكثر مما تعطي وتجذب إلى الواقع أكثر مما تقبل التحليق في فضاءات الحلم ؛ إنها السياسية ومشتقاتها والإعلام ومتاعبه حيث لا مكان للأحلام اللهم إلا أحلام اليقظة المشبعة بكوابيس الاستبداد ومنغصات مهنة المتاعب. مع اتساع الشقة بيني وبين زميلي المبدع كنت أحس دائما بأن شيئا ما يجذبني إليه، وكنت أراهن دائما على أن طبع المغامرة المشترك سيجمعنا يوما ليس لاستعادة ذكريات الحلم الجميل بل باستئناف رحلة أحلام جميلة ومن يدري فربما تتغير الأحوال ويقترب صديقي أكثر من الفضاء الساخن أو تسنح فرصة لي فأنزاح قليلا لفضاء أكثر هدوئا وهناك نلتقي على أرضية أو في فضاء مهيئ أن يستوعبنا كما استوعبتنا واحتضنتنا الراية أول مرة.لكن ما لم أكن أتوقعه أن صديقي الذى ذهب بعيدا في الحلم سيكون هو من يتخذ قرار العودة إلى المشترك ويفرض علي قرار التحليق معه في الأحلام دون سابق إشعار وهذا ما حصل بالفعل عندما طلب مني وبإلحاح أن أقدم له باكورة أعماله الروائية روايته المبدعة حقا "الحالمة " حسبت الطلب أول الأمر ملاطفة من صديق كريم، أو في أحسن الأحوال " حيلة من معلم فقيه " لاستدراجي لقراءة رواية ليس من البدهي أن جدول أعمال الفضاء الساخن ستسمح حتى بمجرد قراءة كاملة لها لكن حقا لقد سحرتني الحالمة وإن شئت فقل خدعتني الحالمة عن نفسي عن القارئ الناقد إلى القارئ المستسلم ..مر وقت الوعد وجف حبر النقد فكأنها فترة كانت تنتظرها المشاغل و الأعمال لتبعدني حتى عن الكتابة عن ذلك الحلم الجميل ودارت أيام لكن الشيباني أصر وصبر على مواعيدي المتجددة وكنت في كل مرة أتوقع أن صبره سينفد وأنه سيشعرني أنه اختار غيري لتقديم الحالمة يؤكد أنه يكتشف يوما بعد يوم أن كل تأخير سيتيح فرصة أفضل لتصدر الرواية مترجمة بعدة لغات –ربما على سبيل الحلم - وهي للأمانة تستحق أن تقرأ بكل اللغات لأنها رواية تقدم جوانب من الحلم الإنساني ربما لم يتح للكثيرين الإطلاع عليها إنها أحلام سكان الفضاء الموريتاني مكتوبة بلغة أدبية رفيعة و بخيال لا نسب له مع التكرار وإعادة التخيل، وبصور صقيلة أصيلة أعتقد أنه لو أتيح لناشيونال جغرافيك أن تطلع عليها فلربما فتحت مجال مغامرة جديدة أمام صديقي المغامر ليكون مصورا تلفزيونا.. إن دقة الصور التي رسم عن ليلة رأس الذريع المهيبة ، وجلسة الشاي الهادئة المختلسة بين عواصف الهموم ، وزائرها الغريب، وضيوفها المميزين ، ومصباحها الخافت ، وبرقها الساطع ، وشروق شمسها وتتابع إبلها وانعطافة المضيق ... لهي دقة عالية جدا أحسب أن الشيباني فاق فيها قدرات الشعراء الجاهليين على تصوير الفضاء الجاهلي وزاد عليهم بتطويع لغة مازجت لغات عدة عصور في سبك أسلوبي خلاب فتبارك الله أحسن الخالقين. عش في زمن الحالمة-وأتحداك ألا تعيش-فالزمن كما تعكسه الوحدات الزمنية التي حرصت على جردها هو زمن مفعم بالحياة، ومشع بالأمل تغلب فيه لحظات الشروق لحظات الغروب، ويكاد البدر أن يجعل الفوارق معدومة بين الليل والنهار، إلى جانب أزمنة محلية (عام الهوفة، ليلة يب، وقت يتعاقبون) وهو مع ذلك زمن لا يحاول التستر على لحظات الضعف والانكسار فلليل وظلمته حضور، وللغروب لحظاته الحزينة التي طالما قضت مضاجع الحالمين.كنت - وأنا أفحص خريطة الأماكن في رواية الحالمة - أتوقع أن أجد مواضع كثيرة من خريطة الفضاء الموريتاني فصديقي إضافة إلى موسوعيته الأدبية والتاريخية رحالة أتيح له أن يطوف أغلب مناطق موريتانيا، لكن ما لم أكن أتوقعه أن توصلني تضاريس خريطة الحالمة إلى جزيرة كوري بل أبعد من ذلك إلى فأتيه بين تولوز وفيشي و شط النورمانديين بعد أن كنت أعيش حياة ناعمة في حي أنس وطرب وتقوى وعلم. إن ثراء واتساع وتشعب خرائط الرواية يعكس قدرة الكاتب على تمثل الكثير من أشكال الحياة في الزمن الحالم الذي كتب عنه وهو أمر عزز منسوب الإنسانية والعالمية في نص كتب في الصحراء وعن الصحراء، لكنه استطاع بجسارة أهل الصحراء ومثابرتهم أن يختزل الجغرافيا تماما كما اختزل الأزمنة والثقافة في روايته المبدعة.وعلى مستوى الشخوص كان أكثر ما لفت انتباهي خلال قراءة الحالمة أنها عكست بشكل نادر تنوع الفضاء الموريتاني حيث يتجاور فيها محم راعي الغنم، والشيخ عبدالحي، و ومارية والريم وآمدو لو إلى جانب نفيسة و الشيخ العطشان بل تتجاوزا إلى أوليفي، جان مونتيني وميشل كلاس. وتكشف جولة بين الأدوات و الألعاب في الحالمة النقاب عن متحف أثري فريد يعج بالفضة والذهب الخالص، وبيصات صفان، وأعواد الثمام، والنعل المنحوت من شجر آدرس، شنة التمر المفصص وبيت التبغ الجلدي المزركش وإلى جانب هذا الحشد من الأدوات والأشياء العتيقة لا يجب أن تصيبنا الدهشة حين نعثر فجأة على عطر باريزي أو ساعة يد أو مصباح عجيب يوقد بلمسة و يطفؤ بأخرى.وليسمح لي القارئ أن أستعير قلم الحالم لأقول في بطاقة تعريف هي".. إحدى روايات الثلاثية أنسام الصحراء (الحالمة ، الواهمة ، الباسمة)وهي رواية حب عاصف ووفاء نادر.. مغاربية الانتماء .. موريتانية الأسماء ، عالمية الأحداث والوقائع شعرية اللغة ، تلقائية التصوير .. ذات نغمة صحراويةمميزة.. تعتمد مفارقات الحوادث بدل غرابة الأحداث.تـأتي في سبعة فصول ، يحتوي كل فصل سبعة عناوين قد تزيد وقد تنقص ، يفصل بين العنوانين ثلاث صفحات قد تزيد كثيرا وقد تنقص قليلا.. تعتمد السرد القصصي ممزوجا بحوارات تطول وتقصر .. حسب السياق .. من عشر كلمات إلى عدة صفحات.زمن الرواية من قلق صدفة اللقاء إلى رحابة النهاية عشرون سنة عامرة بالأمل و الأمل .. في الليلة الأولى يبدأ حلم بلقاء حالمين (ابن عم –زين - بابنة عمه- منى) وتتخلل ذالك اللقاء رؤية على ضوء جمرة خافت في ليل دامس ، ثم تتكرر آخر الليل على ضوء برق ساطع ثم تتكرر برؤية عجلى في وضح النهار ولكن تحت عيون الرقباء ثم يسدل اللقاء على ذلك الستار ويبقى أثره حبا غامرا يصمد عشرين سنة في وجه العواصف وعوادي الزمن ومدرسات السنين .ذلك الحب المتبادل ، المتدثر بالوفاء .. الخاشع المؤلم الباسم هو وجه الرواية الحقيقيعشرون سنة شهدت فيها المنطقة أكثر الأحداث تأثيرا عبر تاريخها المحفوظ وواحدة من العلاقات المثيرة بين المحتل ولذلك جاء وجه القصة الثاني علاقة غامضة بريئة مريبة بين المحتل الفرنسي المخادع والمقاوم الصحراوي المراوغ مثلها أبو تلك الفتاة (محمد) تبدأ تلك العلاقة حين يدخل قاعدة عسكرية خطأ ليرغم على الانضمام إلى جيش التحرير الفرنسي مشاركا في التمهيد لإنزال نورماندي فيرتقي في الجيش الفرنسي لدوره الحاسم في اكتشاف خطط النازيين ليتقلد وظائف سامية .. ليخير بعد أن تضع الحرب أوزارها بين المقام في فرنسا أو الرحيل إلى أرضه ويختار الرحيل ليندفن في الصحراء قبل أن تستدعيه وزارة المستعمرات ليطلب منه الإشراف على إنشاء جيش لدولة في سبيل الاستقلال.وفجأة تكشف الملفات السرية أن زمنه في الصحراء كرسه لدعم المقاومة والجهاد وتتجلى عبقريته في سرعة إفلاته من تلك التهمة بعقل راجح وسرعة بديهة.فيبقى عميلا مقاوما يضفي ظلالا من الشك واليقين على تلك العلاقة الشائكة.عشرون سنة شهدت انتقال شعب كامل من البداوة الأولى إلى رحاب مدنية جارفة التيار صادمة العادات فكانت الفتاة وأمها وأبوها وجها لمواجهة المدنية والانسياق معها والاستفادة منها بتحفظ, تنتقل الفتاة التي عاشت في صحراء بكر طاهرة أن تعيش في إكراهات مدنية طاغطة أرعبت والدها فأمدها بأسباب الانتصار المادية والمعنوية تعرضت الرواية إلى إشكالية البداوة والحضارة عرضا اجتماعيا ونفسيا هادئا كانت وجها من وجوه الرواية المتعددة .. ومع إعجابي بالحالمة الذى وصل حد الانبهار، هناك ملاحظات جديرة بالتسجيل تتصدرها:- تشتت و توزع الصورة بحيث لا تعطيك الرواية صورة أي فرد من أبطالها دفعة بل ولافي فصل واحد لكنها تتعمد أن توزع صفات أشخاصها تعمدا ثقيلا على عدة فصول مما يجعل القارئ يُكَوِّنُ عدة انطباعات عن الشخصية الواحدة .- لغة الرواية تجنح كثيرا للكتابة باللهجة الحسانية العربية مما يفقد القارئ الحساني الجدية ويفوت على القارئ العربي جزءا من الدلالة (نصبت الريم قدرا على النار) و (عمر الإبريق بالماء) (حالة أطم)هذا إلى جانب كثير من اللهجة البربرية (اشناك، دمراو، صلبط . إضافة لحضور الأصوات "حح" أه آه " أييي.- رغم مهادنة الرواية للقارئ في أغلب الفصول سنجدها تقسو على القارئ فتعرض بالعرض البطيئ المزعج صورا مؤلمة أشد الإيلام مثيرة لمشاعر الخوف والرجفة كما في المشاهد "الزائر الغريب" و "ليلة الوادي المريع". وغزل الجنازتين. - لم تكن أسماء الفصول السبعة في مجملها بالغة التعبير و لا جذابة العناوين بخلاف أسماء الأبواب التي حالفها التوفيق فيها إلى حد بعيد .- كل هذه الملاحظات تعتبر يسيرة بالنسبة إلى الخطإ الفني الكبير وهو موت البطلة في الفصل الثالث أي قبل نهاية الرواية بأربعة فصول كاملة.- وهناك ملاحظة أطلب القارئ ألا يسامح فيها الكاتب وهي حجب الرواية عن القراء منذ نهاية كتابتها قبل سبع سنواترغم تدولها في أوساط أدبية محدودةوقبل أن أدع القارئ يغيب في عوالم الحالمة الآسرة وجوها الشاعري و لغتها العذبة أنشده بيتين من شعر صاحب الرواية صادفا هوى في نفسي ، وصورا لي بلطف عيشي الممتع في زمن الرواية.وأحلى الأماني ما عدَتك مسرة = وصدتك عنه من مناك ضروبُفعاش حيـــاة في الخيال حبيبة = يضوع لها في الذكريات طيوبُوإلى حلم آخر دمت حالما عزيزي القارئ

بقلم الشاعر الأستاذ أحمد بن الوديعة \ نواكشوط

تنبيه: تستأنف السراج نشر رواية الحالمة على حلقات في ركن ثقافة يومي الجمعة و الثلثاء كما تنشرها في صحيفة السراج الأسبوعية