الردود الأبية على العلامة ابن بيه ح5

ثلاثاء, 12/05/2015 - 17:41

بقلم الأستاذ أحمد ولد اجاه ولد أبوه

الشبهة الثالثة:

قال في كتابه: صناعة الفتوى وفقه الأقليات - (1 / 87:

وأيضا فإن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمّا تولى الملك أجل تطبيق بعض أحكام الشريعة فلمّا استعجله ابنه في ذلك أجابه بقوله : "أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة [فيدفعونه([1])] جملة ويكون من ذا فتنة".(الموافقات 2/148)

الجواب وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وإليه أنيب أن هذا النقل لم يطابق المنقول عنه

ودونك كلام الشاطبي في الموافقات بحروفه:

وفيما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له: "ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق". قال له عمر: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة.([2]) انتهى بحروفه.

فقول العلامة: (أجل تطبيق بعض أحكام الشريعة) لا يتطابق مع قول الشاطبي: (ما لك لا تنفذ الأمور) كما أن قوله: "أخاف أن أحمل الناس على الحق " لا يتطابق مع قول الشاطبي:" أخاف أن أحمل الحق على الناس" كما لا يخفى على ذي الذوق السليم.

 فإن كان العلامة قد روى كلام الشاطبي بالمعنى –وهذا هو أحسن المخارج - فقد أخل بشروط الرواية بالمعنى لأن الرواية بالمعنى يشترط في جوازها عند من أجازها معرفة استواء العبارتين في الخفاء والظهور  لكي لا يبدل لفظَ ظاهرِ الدلالة على معنى بلفظ خفي الدلالة على ذلك المعنى أو يعكس قال في المراقي :

والاستواء في الخفاء والجلا  
 

 

لدى المجوزين حتما حصِّلا
 

 

 فـ"الأمور" في عبارة الشاطبي لفظ مجمل وما كان للعلامة أن يحمله على حدود الشريعة لاسيما ومقام صلاح وعدالة الرجل الصالح العادل  عمر بن عبد العزيز يمنع من حمله على ذلك المحمل وما كان له بعد أن حمله  على ذلك المحمل أن يخل بشرط الرواية بالمعنى وهو يعلم ذلك كله ولو كان هذا المحمل صحيحا لنقل فعدم نقله  يدل على رده بل عدم تواتره يدل على رده فما بالك بعدم نقله أصلا ومعلوم أن من أقسام الخبر المقطوع بكذبه خبرَ الآحاد الذي لو كان صحيحاً لتوفرت الدواعي على نقله متواتراً، إما لكونه من أصول الشريعة، أو لكونه أمرًا غريباً كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة مثلا فيقطع  بكذبه لمخالفته للعادة وهذا في الخبر الصحيح المنقول آحادا فما ظنك بما لم ينقل أصلا.

ولا شك أن تعطيل عمر بن عبد العزيز  حدود الشريعة أو بعض حدودها من الغرابة والشهرة بحيث تتوفر الدواعي على نقله متواترًا.

قال في المراقي:

وبعد أن بعث خير العرب     
 

 

دعوى النبوءة انمها للكذب
 

وما انتفى وجودُه من نص        
 

 

عند ذوي الحديث بعد الفحص
 

وبعضَ ما ينسب للنبي                 
 

 

وخبَرَ الأحاد في السني
 

حيث دواعي نقله تواتُرا                
 

 

نرى لها لو قاله تقرُّرا
 

قال في شرحه : كسقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة ولم يخبر به إلا واحدٌ فإنه مقطوع بكذبه لمخالفته للعادة وبهذا يثبت عندنا أن القرآن لم يات أحدٌ بمثله إذ لو كان لنقل إلينا تواتُرا مع أنه لم ينقل آحادًا فضلا عن التواتر خلافا للرافضة في قولهم لا يقطع بكذبه لتجويز صدقه وقد قالوا بصدق ما رووه منه في إمامة علي رضي الله تعالى عنه ،نحو أنت الخليفة من بعدي ... إلى أن قال :بخلاف ما يذكر في إمامة علي (رضي الله تعالى عنه) فإنه لو كان ماخفي على الصحابة الذين بايعوا أبابكر رضي الله تعالى عنه.

 والأمور التي تحمل على نقله تواتُرًا : كونه غريبًا أو مهما في الدين كوجوب الصلاة والصيام والزكاة وتحريم الخمر وكالإمامة. انتهى. كلام سيد عبد الله([3])

ثم إنه لو سلم جدلا - وهو ما لن يسلم أبد الأبد – أن الرجل الصالح خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز عطل بعض الحدود اجتهادا منه فهذا ليس بحجة تعطل بها حدود الله تعالى وكيف والصحيح عند الأصوليين أن إجماع الخلفاء الأربعة ليس بحجة. فأحرى اجتهاد الخليفة الخامس رضي الله تعالى عنه قال في المراقي:

وهو حجة ولكن يحظل         
 

 

فيما به كالعلم دورٌ يحصل
 

وما إلى الكوفة منه ينتمي       
 

 

والخلفاء الراشدين فاعلم.
 

 

قال في شرحه: يعني أنه لا يعتبر إجماع الخلفاء الأربعة منهم([4]) وذهب أحمد إلى أنه حجة لقوله صلى الله عليه وسلم:( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشين من بعدي) وأجيب بأنه محمول على اتباع السنة والكتاب لا على اتفاق من ذكر لأنه اتفاق بعض مجتهدي الأمة.([5]) انتهى بحروفه وألفاظه.

تلخيص:

وخُلاصة الرّدّ على ما قاله العلامة: أن الحديث والآثار التي جاء بها  لم تسلم من طعن ولامعارضة.

تجاوزنا ذلك

 اتفق على عدم العمل بمقتضاها السواد الأعظم من علماء المسلمين وإن اختلفوا في تأويلها وتعليلها.

 تجاوزنا ذلك لا يمكن انطباقها على بلاد المسلمين البتَّةَ.

والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 كتبه أحمد بن اجاه بن محمد الامين بن عبد الرحمن بن ابوه اليعقوبي الموسوي كان الله تعالى لهم ولأوليائهم، وكان الفراغ من جمعه وتصحيحه وتحقيقه صبيحة يوم الأربعاء..الثلاثين من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة الكريمة الموافق 30- 4- 2014م.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على  آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ.

                                  ###

 

 

 

([1]) - كذا في الأصل.

- ([2]) الموافقات المؤلف : إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى : 790هـ) المحقق : أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

الناشر : دار ابن عفان الطبعة : الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م                                                                    

عدد الأجزاء : 7 -  ج : 2- ص 148 وطبعة طبعة دار الحديث  القاهرة ، 1427ه -2006م وعليه شرح الشيخ عبد الله دراز،  المجلد الأول ص 325.

([3]) -  نشر البنود على مراقي السعود تأليف سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي المتوفى سنة 1230هـ وضع حواشيه فادي نصيف، طارق يحيى منشورات محمد علي بيضون لنشر كتب السنة والجماعة، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1421هـ 2000م.  ج :2  - ص: 14.

([4]) - الضمير يعود على الخلفاء الراشدين. والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

([5])  نشر البنود الطبعة السابقة - ج: 2 – ص: 53- 54.