مأسسة التصوف في غرب إفريقيا الطرقية: السياق التاريخي والأجندة الإصلاحية

سبت, 24/08/2019 - 10:15
د. سيد أعمر ولد شيخنا: كاتب وباحث موريتاني

أصبح التصوف الإسلامي مؤسسة قائمة بذاتها في شغرب إفريقيا بعد أن راكم تجارب متعددة ومتنوعة، فامتدت جذوره في تلك المنطقة ليصبح واجهة دينية واجتماعية وسياسية. ولا يمكن أن نتحدث عن تلك المؤسسة دون النظر إلى أهمية الشيخ عبد الكريم المغيلي والشيخ سيدي المختار الكنتي.
يعتبر ظهور الطرق الصوفية في السودان الغربي (غرب إفريقيا) أحد أهم وأبرز التطورات الثقافية والسياسية والدينية في التاريخ الحضاري لإفريقيا جنوب الصحراء على مدار القرون الخمسة الأخيرة. كانت الطريقة القادرية المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني (دفين بغداد 561هـ/1167م)، هي أولى الطرق الصوفية وصولًا إلى غرب القارة. تبعتها -وربما سبقتها- الشاذلية، ثم التجانية في القرن التاسع عشر والتي أخذت زخمًا كبيرًا في غرب إفريقيا بدءًا من القرن التاسع عشر.
عند الحديث عن "مأسسة التصوف في غرب إفريقيا (الطرقية): السياق التاريخي والأجندة الإصلاحية" تقفز إلى الذهن شخصيات صوفية كبيرة لعبت أدوارًا محورية في مراحل تاريخية مختلفة وفي فضاءات جغرافية وبشرية متنوعة داخل منطقة الغرب الإفريقي، من بين هؤلاء الشيوخ: عثمان بن فودي في نيجيريا، والحاج عمر تال في السنغال، والشيخ أحمدو لبو في مالي، والسادة الشيخ، محمد الحافظ بن المختار بن الحبيب العلوي، والشيخ محمد فاضل مامين، ومحمد الأغظف الداودي، في موريتانيا. لكن -في نظري- هناك شخصيتان صوفيتان لعبتا دورًا تأسيسيًّا رائدًا حكم مسار التصوف في الغرب الإفريقي لقرون عديدة، هاتان الشخصيتان هما: الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي (توفي 940هـ/1533م)، الذي غرس بذور التصوف الإفريقي وطبعه بطابع إصلاحي شديد الفاعلية، وأما الشخصية الثانية فهي الشيخ، سيدي المختار الكنتي (توفي 1226هـ/1811م)، الذي يعود له الفضل في مأسسة التصوف الطرقي في غرب إفريقيا في ملتقى القرنين 17/18، كما منحه الفكرة التجديدية والأداة التنظيمية التي أهَّلته لمواجهة التحديات الدينية والحضارية التي عاشها السودان الغربي منذ انهيار دولة السنغاي 1591.
أولًا: الشيخ المغيلي والأبوة الفكرية للتصوف غرب الإفريقي
لقد عرفت القادرية الانتشار والذيوع في عموم المنطقة بفعل جاذبية دعاتها من أمثال الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي، الذي جال في كبريات مدن السودان الغربي ولعب أدوارًا دعوية وسياسية وإصلاحية كبيرة. قَدِم الشيخ المغيلي إلى الحواضر السودانية برسم الدعوة والسياحة في الأرض، ولكن رحلته تلك لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي العام المرتبط بالتحديات التي واجهها الشمال الإفريقي بعد سقوط الأندلس وحالة التحلل والفساد التي سادت دول المغرب الأقصى والأوسط، والتي كان عنوانها الأبرز الدور المتنامي لنفوذ تجار اليهود وساستهم في بلاط الحكم في كل من فاس وتلمسان، مما أثار استياء عدد من العلماء وفي مقدمتهم الشيخ المغيلي. لقد رأى المغيلي في غرب إفريقيا متنفسًا جديدًا لدعوته الإصلاحية، ومجالًا خصبًا لتقوية سلطان الإسلام جنوبًا، على ضوء التحديات التي يواجهها شمالًا. ومن أجل بلوغ هذه الغايات، منح الشيخ المغيلي أخصب سنوات عمره لحركة الدعوة في السودان الغربي بين أغاديس (النيجر) وكانو (نيجيريا) وسنغاي (مالي)؛ فكُلِّلت جهوده بالنجاح "فقد ترك أثرًا إسلاميًّا كبيرًا، وقام بتصحيح مفاهيم كثيرة كانت مغلوطة في أذهان العامة والسلاطين"(1).
جمعت شخصية الشيخ، محمد بن عبد الكريم المغيلي، أربعة أبعاد رئيسية، هي: 
1- الرسوخ العلمي: حيث حاز بتصانيفه ومناظراته الإمامةَ في علوم الشريعة.
2- المشيخة الصوفية: حيث كان القطب الأعلى للقادرية في الصحراء وبلاد السودان الغربي. 
3- الفكر السياسي: حيث ألَّف الشيخ المغيلي عدة رسائل في السياسة والحكم، لتبصير وترشيد الحكام المسلمين في المنطقة بأمور السياسة الشرعية، حيث كتب رسالتين لسلطان "كانو" (نيجيريا)، محمد بن يعقوب المعروف بـ"رمفا" (ت 1499هـ)، هما: الرسالة المسماة "تاج الدين فيما يجب على الملوك والسلاطين"، والرسالة المسماة "ما يجوز للحكام في ردع الناس عن الحرام"(2). وفي دولة سنغاي (مالي)، كتب الشيخ المغيلي للسلطان محمد بن أبي بكر توري، المعروف بالأسكيا الحاج (توفي 1493هـ)، كتابًا مهمًّا في السياسة الشرعية في شكل أجوبة على أسئلة وجهها الأخير للشيخ المغيلي، وقد عرفت هذه الرسالة بـ"أسئلة الأسكيا وأجوبة المغيلي". 
4- النهج الثوري: حيث "أجاز الشيخ المغيلي في ذلك الوقت المبكر الجهاد ضد الحاكم الظالم الذي أصبح حكمه حكم الكافر والمخلِّط، ورأى المغيلي في الجهاد ضد هؤلاء أولوية على مجاهدة الكفار"، عكس أطروحات الفكر السُّنِّي المشرقي الذي كان يتحرى تجنب الفتنة على رأي جماعة "نحن مع من غلب"(3).
هذه الأبعاد الأربعة: العلم، والتربية، والوعي السياسي، والفعل الثوري، أبعاد رئيسية ورثتها حركة التصوف في الغرب الإفريقي -على اختلاف تنوعاتها المدرسية ومشاربها الطرقية- من تراث الشيخ المغيلي الذي شكَّل الإطار الناظم للحركة الفكرية في السودان الغربي. ومن هنا نفهم كيف تشكلت الأرضية الفكرية التي انطلق منها التصوف في غرب إفريقيا لـيضطلع لاحقًا بأدوار سياسية وثورية إلى جانب أدواره العلمية والتزكوية التقليدية.
ثانيًا: الشيخ الكنتي ومأسسة التصوف
خلال رحلته الدعوية التأسيسية في السودان الغربي كان الشيخ المغيلي مرافَقًا بتلميذه، سيدي اعمر الشيخ الكنتي (توفي 959هـ/1552م)، والذي كان له دور بارز في إكمال رسالة محمد بن عبد الكريم المغيلي في نشر القادرية ببلاد التكرور، "والتي كانت ترمي إلى الإصلاح وتصحيح العقيدة وتثبيت الدين الإسلامي"(4).
يصف الأستاذ الباحث الدكتور، عبد الودود ولد عبد الله (ددود)، الدور الرسالي الذي قام به سيدي اعمر الشيخ بعد وفاة شيخه بـ"امتصاص ثمرة المغيلي"؛ وذلك تعليقًا على رواية تاريخية تقول إنه "لما أدرك المغيلي الموتُ قال لبنيه ومريديه قولته المشهورة، وهي إحدى علامات الاستخلاف عند المتصوفة: "من كان منكم ملتمسًا منِّي نفعًا، فليلتمسه من هذا، فإنه احتوى على جميع ما عندي، وامتصني كما يمتص الآكلُ التمرة ويلقي بالنواة"(5)، استمرت القادرية في صعود متواصل مع الرقاديين الكنتيين، لكن المرحلة الحاسمة في تاريخ القادرية بل وفي تاريخ التصوف في غرب إفريقيا كانت مع بروز الشيخ سيدي المختار الكنتي، الذي "يمكن رد تيار التصوف المؤسس في السودان الغربي إليه وهو المسؤول عن بذر بذور الطريقة القادرية التي سجلت نجاحًا في كسب قلوب الناس على يديه"(6)، لقد تمت مأسسة التصوف الطرقي وتأهليه للعب أدوار إصلاحية بالغة الأهمية على يد الشيخ، سيدي المختار الكنتي، وهو التطور الذي تجاوز القدرية إلى بقية الطرق الصوفية؛ "فالمعتقد أن تأثير النموذج الطرقي الذي استقرت معالمه في عهد الشيخ، سيدي المختار الكنتي، قد تجاوز مريدي هذه الطريقة ليشمل أغلب التنظيمات الطرقية التي انتشرت في الصحراء والسودان الغربي في أواخر القرن الثاني عشر للهجرة (القرن 18م)"(7).
لقد قام الفكر الإصلاحي للشيخ سيدي المختار الكنتي في القرن 18م على المزاوجة بين مجموعة من المؤثرات والفواعل، منها: التميز العلمي والثقافي، والخبرة التاريخية، والإمامة الصوفية، حيث كان الشيخ سيدي المختار الكنتي زعيمًا ومجددًا للطريقة القادرية في الصحراء والسودان الغربي، جاعلًا من الطريقة القادرية الحاضنة الفكرية والتربوية للإصلاح السياسي والاجتماعي في المنطقة إلى جانب أدوارها الدعوية المشهودة.
فما هو السياق الفكري والتاريخي الدي تشكَّل فيه التصوف الإصلاحي في غرب إفريقيا؟ وكيف تمت مأسسة التصوف الطرقي؟ وما أبرز الهموم والأجندة الإصلاحية التي حملتها الحركات الصوفية في المنطقة؟
أولًا: التصوف الإصلاحي: السياق الفكري والتاريخي 
1- الحركة الصوفية وفكر التجديد الديني
لا يمكن فهم فلسفة الحركة الصوفية في غرب إفريقيا وخلفيات الدور السياسي والحضاري الذي اضطلعت به دون الإشارة إلى فكرة التجديد الديني، وموقعه في فكر وتجربة رواد هذه الحركة/المدرسة، وكذا الإحاطة بالمفهوم الذي قدموه للتجديد، وطبيعته، ومغزاه، وحدوده، وهوية القائمين عليه، والعبرة المستخلصة من تجربة أجيال المسلمين المتجددة.
لقد دعا الشيخ، سيدي المختار الكنتي، بقوة إلى الاجتهاد والتجديد، وانتقد بشدة الجمود والتقليد اللذين كانا سائدين في عصره؛ "فقد شنَّ المختار الكنتي حملة على فقهاء عصره، الذين اقتصروا على المختصرات الفقهية، واكتفوا بها عن الأصول والأمهات، فهو لا يعتد بهم إذ حبسوا أنفسهم في دائرة المختصرات والتعليقات، ولا يطمئن إلى ما يجترُّونه من سفاسف وترهات، ويعتبرهم آفة على العلم وخطرًا عليه"(8).
والتجديد في نظر هؤلاء الرواد هو تجديد ما اندرس من معالم الدين، والعودة بالناس إلى الفهم والممارسة الإسلامية الصحيحة كما تجسدت في العهد النبوي والراشدي "فلما ضعفت الأمة عن القيام بما ذُكر على الرسم المذكور انتدب للقيام بكل خطة من تلك الخطط من يقوم بأعبائها من أعيان الأمة: يجدد ما قد اندرس من آثارها، ويهلِّل ما انكسف من أنوارها، فقام القضاة بتجديد خطة القضاء، والأمراء بتجديد الإمارة، والمفسرون بالقيام بأحكام القرآن وآدابه، والمحدثون بحفظ الحديث وضبطه، والفقهاء بتقرير علم الحلال والحرام وحفظه، والصوفية بعلم جهاد النفوس ورياضتها، وعلاجها من عللها وتهذيبها... وقام النحاة بعلوم اللسان وبيان وجوه إعجاز القرآن"(9).
واعتبر هؤلاء الرواد الحالة التي يجمع فيها المجدد بين وظيفة التجديد الديني والتجديد السياسي أعلى درجات التجديد وأكثرها أهمية "ثم كان تجديد الإمارة في باب، وتجديد الديانة من باب؛ فإذا أراد الله تعالى... إقامة دولة الإسلام في عصر جمع بين مجدد العلماء ومجدد الأمراء في آن وزمان فقلَّد الأمير العالم المشير، فكان الخلق للعالم والفري (التنفيذ) للأمير الحاكم"(10).
والتجديد في رؤية الشيخ المختار الكبير -كما يؤكد عزيز بطران- هو مهمة صعبة لا تحدث إلا مرة على رأس كل قرن... المجدد يجب ألا يدعي القيام بهذا الدور أو يصف نفسه بالمجدد، فعلماء عصره هم من سيطلقون عليه هذا اللقب تلقائيًّا، إذا كانت تتوافر فيه شروطه، فاختيار المجدد إذن يكون بإجماع من أئمة وعلماء عصره(11).
2- تداعيات سقوط دولة السنغاي 
من أبرز الأحداث المفصلية في تاريخ الغرب الصحراوي، التي أثَّرت في مسار الحركة الصوفية وفكرها الإصلاحي واختياراتها التنظيمية، التداعيات الخطيرة التي خلَّفتها حملة سلطان المغرب، أحمد المنصور الذهبي السعدي، على دولة السنغاي أواخر القرن 16م، تلك الحملة التي أراد منها المنصور السعدي إخضاع الصحراء والسودان، وإلحاقهما بالإمبراطورية المغربية. وهو الحلم الذي تحقق بعد الانتصار المغربي في معركة تونديبي في أبريل/نيسان 1591؛ حيث "دخل "الباشا جؤدر" وجيشه غاوة عاصمة السنغاي، ثم سيطروا على تنبكتو في 30 مايو/أيار 1591"(12). ورغم النجاح العسكري لم يحقق "المنصور السعدي" أية نتائج ذات قيمة من غزوه للسنغاي، لكنه في المقابل تسبب في انهيار الدولة في السودان الغربي، ومعها "انهار المجتمع الأهلي الذي كان قائمًا في المدن السودانية مثل تنبكتو، وجني، وغاوة..... وانتهت النهضة الفكرية في تلك الأصقاع... مع مسلسل من وباء الطاعون والمجاعات والوهن الاجتماعي"(13). وهو الانهيار الذي مثَّل زلزالًا مسَّت هزاته الارتدادية مختلف أوجه الحياة الحضارية في السودان الغربي. وقد لخص ذلك الانهيار الشيخ سيدي محمد الخليفة، بالقول: لقد "أذهبوا ريح دولة الصنغانيين، وأوهنوا دولة العلم بالبلاد السودانية، وأظهروا الحيف في البلاد، وشهروا السيف على العباد، وطبقوا البلدان بالخراب ووضعوا الجزية والمكوس على الرقاب، فضعفت دولة السودان وانحلت وأدبرت عمارتهم، وتولت على بقية من رسوم الإمارة وتحلَّة من آثار العمارة"(14).
3- الحضور الأوروبي على السواحل 
مثَّل القرنان 17 و18م بداية الوجود الأوروبي على السواحل الأطلسية لغرب الصحراء الإفريقية، بغرض التجارة والمبادلات الاقتصادية، لتسويق المنتجات الأوروبية في المنطقة والحصول على المواد الأولية من الأسواق المحلية، وفي الجوهر إجراء دراسات استكشافية بغرض استعمار المنطقة والسيطرة على شعوبها؛ حيث "باشرت الدول الاستعمارية غزو تلك المناطق مدفوعة بما وفرته لها الثورة الصناعية من قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية وفكرية لا يمكن التصدي لها أو مقاومتها. كما باشرت نشاطاتها الاستكشافية والتوسعية عبر العالم وعلى الخصوص القارة الإفريقية بما فيها البلاد الموريتانية"(15). وكانت القوى الأوروبية قد أقامت مرافئ على السواحل الأطلسية وعلى ضفاف نهر السنغال لتشجيع مبادلة العلك مع السكان المحليين. وكان الحضور الأوروبي هذا على السواحل بهدف جذب تجارة القوافل إلى المحيط(16)، وخلال فترة الوجود الأوروبي على السواحل، كانت بلاد السودان وحواضرها الكبرى مثل تنبكتو، في قلب الاهتمامات الأوروبية، نظرًا لموقعها الريادي في التجارة الصحراوية وفي المبادلات الثقافية والتجارية بين شمال إفريقيا وغربها.
وبشكل مبكر، بلور الشيخ، سيدي المختار الكنتي، موقفًا شرعيًّا من قضية الامتيازات التجارية الأوروبية وسلعها التي بدأت في التسلل إلى الأسواق في الصحراء والسودان الغربي في القرن 18م؛ "إذ وضع الشيخ، سيدي المختار الكنتي، قاعدة التداول التجاري مع الكفار، وذكَّر بأسس المعاملات في هذا المضمار..... ويمكن للباحث أن يستنتج مما أورده، أن المبادلات التجارية مع غير المسلمين يجب أن تقوم على شروط معينة. والمعنى أن تلك العلاقات موجودة ومباحة بالأساس ولكنها مشروطة بعدم مدِّ الكفار بكل ما يمكن أن يوهن المسلمين، كبيع الحبوب والمواشي، والموارد الأولية لصناعة الأسلحة في حين أن المسلمين في أشد الحاجة إليها. واتخذ موقفًا حاسمًا من الامتيازات التي قد يحصل عليها التجار النصارى أو الكفار، واعتبرها الأساس -في حال حصولهم عليها- في الإخلال بالتوازن الاقتصادي للبلاد في مرحلة أولى ثم الأدهى من ذلك أنها قد تصبح سببًا في الإخلال بالتوازن العقائدي"(17). ومع بدء الحملات الاستعمارية كانت الصوفية في السودان الغربي واعية بالتهديد الجديد، وتصدت له ببسالة منقطعة النظير.
ثانيًا: الحركة الصوفية في غرب إفريقيا والأجندة الإصلاحية 
لقد شخَّص الشيخ، سيدي المختار الكنتي، علة الانحطاط في مجتمع السودان الغربي في إسقاط المغاربة لدولة سنغاي دون تقديم بديل؛ حيث أدى تدمير السلطنة الإسلامية إلى حدوث فراغ وفوضى، وسلب ونهب وازدهار ثقافة التخليط والوثنية، مما دفع الكنتي إلى تفضيل وجود دولة -حتى لو كانت ظالمة- على غرار الدولة المغاربية على الفوضى، لأنه -على الأقل- يوجد عند المغاربة فكر المَلَكية وحفظ الأمن وإقامة المؤسسات على الشريعة الإسلامية(18).
وركز الكنتي على أهمية إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الجهاد لاجتثاث الشر بشكل نهائي، وشخَّص الكنتي الشر في انتشار الفتن والبدع والفساد والغفلة... كما دعا لفتح باب الاجتهاد وسعى كذلك إلى ملء فراغ الدولة بإقامة شبكة تواصل منظمة وبتراتيب إدارية صوفية لوصل المجتمع رأسيًّا وأفقيًّا(19).
لقد حظيت قضية الفراغ السياسي بنصيب وافر من البحث والاهتمام في فكر وخطاب شيوخ التصوف الإصلاحي في السودان الغربي (إفريقيا الغربية)، يستعير الشيخ، سيدي محمد الخليفة الكنتي (ت 1826م) من الشيخ المغيلي مصطلح "البلاد السائبة" كتوصيف -بالغ الدلالة- لحالة الصحراء والسودان الغربي بعد (انهيار دولة السنغاي 1591م) داعيًا في كتابه "أوثق عرى الاعتصام للوزراء والأمراء والحكام" إلى إنهاء الفوضى وإقامة الدولة "فصل في وجوب نصب الإمام لما يترتب عليه من أمور المسلمين"(20).
لقد كان إنهاء الفراغ السياسي وإقامة الدولة هدفًا استراتيجيًّا للحركة الإصلاحية الصوفية في غرب إفريقيا خلال القرنين 18 و19، ولكن ستتباين الرؤى والاستراتيجيات تجاه الأوضاع السياسية في المجتمعات الصحراوية البدوية بخلاف المجتمعات السودانية ذات الطابع المديني والاقتصاد الزراعي، ففي الأولى تم التركيز على مقاربة إصلاحية شاملة بعيدة المدى، وفي الثانية تم اللجوء إلى المقاربة الثورية-الجهادية كخيار وحيد حاسم.
1-المقاربة الصوفية في المجتمعات الصحراوية (ترميم الإجماع الأهلي) 
شخَّص الفكر الصوفي الإصلاحي أزمة المجتمعات الصحراوية في الفراغ السياسي وغياب الدولة المركزية القوية والعادلة، فالتوصيف الرسمي لها في أدبيات هؤلاء الرواد هو "البلاد الصحراوية التكرورية السائبة التي لا تبلغها أحكام الأمراء ولا تنالها أيديهم"(21)، ولكنهم مع ذلك ظلوا يفضِّلون وجود إمارات بدوية على الفوضى والفراغ التام.
لقد تعامل الفكر الإصلاحي الصوفي بواقعية مع حالة المجتمعات الصحراوية، فهو إذ ينكر الممارسات الخاطئة في تجربة وأداء الإمارات القائمة في البلاد الصحراوية، فإنه يقدِّر الجوانب الإيجابية لهذه الإمارات وما تسهم به من أدوار مهمة في الاستقرار وحفظ الأمن، وتحقيق الحدود الدنيا من مصالح الناس.
ومن هنا، كان السعي لإضفاء شرعية نسبية على الإمارات البدوية القائمة تثبيتًا للاستقرار والسلم الأهلي، مع بذل الجهد في ترشيد زعماء هذه الإمارات وحضهم على إقامة العدل وتأمين السبل ووقف التناحر الداخلي "فمن تغلَّب من هؤلاء وتمكَّن من الضرب على أيدي إخوانه وأعوانه وسائر من تصل إليه يده فكفهم عن المظالم وحملهم على العدل وانتصف منهم للمظلومين ودفع أذاهم عن سبل تجار المسلمين، فهذا وإن لم ندعُ مثله إمامًا ولا سلطانًا ولا ملكًا، دعوناه واليًا وسيدًا على قومه... فمثل هؤلاء تجب لهم النصيحة والحض على العدل في بلاد الله بحسن السياسة وتجنب السلاطة والتحيز في الرئاسة، ثم أدنى مراتبهم أن يكونوا كبعض عمال الأمراء فينبغي لأحدهم بل يجب عليه أن يكون حصيف العقدة بعيد الغرة، لا يغضب في غير حق ولا يخاف في الله لومة لائم"(22).
لقد فرض واقع مجتمعات الصحراء والسودان الغربي نفسه على رواد الطرق الصوفية، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة كم هائل من التحديات والتناقضات، تفرض على العلماء ورجال الإصلاح مواجهته وبلورة مقاربات إصلاحية تستثمر العلم والفكر، والتربية والسياسة، لوقف التأثيرات السالبة لهذه التحديات، والتأسيس لأرضية يمكن من خلالها ترميم الإجماع الأهلي تمهيدًا للإصلاح السياسي. وكان العنوان الأبرز لذلك التوجه ترسيخ فكرة الاهتمام بالشأن العام، عبر مبادرات خلاقة لحفظ الأمن والاستقرار وإغاثة الملهوف، وتعليم العلم، وحماية الضعيف ونصرة المظلوم، والأهم العمل على وصل المجتمع رأسيًّا وأفقيًّا وتسليك الأتباع في شبكة صوفية ممتدة على طول البلاد وعرضها، يتربى أفرادها على تعاليم ورؤى وتصورات مشتركة، مما من شأنه أن يخلق كتلة إصلاحية عابرة لحدود القبائل والإمارات.
كما أعطت الطرق الصوفية عناية خاصة لإحياء الأرض من خلال غرس واحات النخيل وحفر الآبار في الفلوات، وتأسيس المدن، على نحو ما فعل الشيخ، سيديا بن المختار بن الهيبة الانتشائي، الذي بنى مدينة "أبي تلميت" في الغرب الموريتاني، ومحمد المختار ولد بلعمش الجكني، الذي أسس مدينة "تندوف" في منطقة الحمادة في الغرب الجزائري، والشيخ ماء العينين ولد الشيخ محمد فاضل، الذي أسس مدينة السمارة في الصحراء الغربية، والشيخ سيدي المحمد الكنتي الصغير، الذي أسس مدينة "بئر أم قرين" في منطقة الزمور في الشمال الموريتاني، حيث يقول عنه صاحب جوامع المهمات: "نزل على بئر أم قرين وحفرها وحفر العيون وغرس النخل"(23).
2- المقاربة الصوفية في المجتمعات السودانية (بناء الدولة) 
ظل السودان الغربي يعيش حالة فراغ سياسي منذ سقوط دولة السنغاي القوية سنة 1591م، وقد شكَّل هذا الفراغ هاجسًا مقلقًا للمصلحين السودانيين على الدوام، وكانت حركة الإصلاح والتجديد التي ازدهرت في القرن 18م على يد عدد من الرواد من بينهم الشيخ سيدي المختار الكنتي الكبير والشيخ جبريل بن عمر الأقدسي والشيخ عثمان بن فودي، تطمح لإنهاء حالة الفراغ السياسي وانتشال السودان الغربي من حالة الانهيار الحضاري، وقد تحققت هذه الجهود والآمال بقيام دول إسلامية في أجزاء مختلفة من السودان الغربي، وهذه الدول الثلاث أسسها علماء متصوفة.
أ‌- الدولة الفودية (الخلافة السوكتية): 
مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، شهدت دويلات الهوسا وأجزاء كبيرة من السودان الأوسط حركات ثورية إسلامية تجديدية تحت قيادة الشيخ عثمان بن فودي (توفي سنة 1817). لقد نجحت حركة الشيخ، عثمان بن فودي، التجديدية نجاحًا عظيمًا في منطقة غرب إفريقيا، ومن النتائج المباشرة لجهاد الشيخ، قيام دولة إسلامية على منطقة شاسعة مترامية الأطراف، تمتد من حدود نيجيريا الشمالية الغربية إلى حدودها الشمالية الشرقية، وتضم أجزاء من الكاميرون وتمتد جنوبًا حتى ولاية كورا المتاخمة لغرب نيجيريا. لقد استمرت هذه الدولة لمدة مئة عام تقريبًا، أي من سنة 1800إلى سنة 1903، وجاءت نهاية هذه الدولة الإسلامية على أيدي المستعمرين الإنجليز الذين حكموا البلاد بالحديد والنار سنة 1803(24)، وتشير كتابات سلاطين الدولة السوكتية إلى الأبوة الفكرية والروحية لكل من جبريل بن عمر الأقدسي والشيخ سيدي المختار الكنتي لحركة التجديد في بلاد الهوسا(25).
ب‌- دولة ماسينا (مالي)
نجاح تجربة الدولة الإسلامية في الأجزاء الشرقية من السودان الغربي (الخلافة السوكتية في نيجيريا) شجع مصلحي مالي على إقامة دولة مماثلة، وكان الشيخ، أحمدو بن لوبو، هو قائد الحركة الدينية السياسية التي نجحت في إقامة الدولة ونصب الإمام سنة 1818م في ماسينا في دلتا النيجر، قبل أن تتمدد في اتجاه تنبكتو وأزواد.
كان الانتصار الذي حققه الشيخ أحمدو على تحالف القوات الوثنية بـ"نوكوما" وسيلة مكَّنته من بناء دولة جديدة للفلان مرجعها الوحيد هو الدين الإسلامي، وقد حملت دولة الفلان هذه اسم "دينا"، وهو اسم مشتق من الكلمة العربية "دين"، وارتبطت هذه الدولة بجماعة الفلان الدينية بالسودان الغربي والمنبثقة عن الحركات الجهادية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأصبحت مدينة حمد الله عاصمة لدولة دينا ومقرًّا للسلطة المركزية ومركزًا سياسيًّا وروحيًّا مهمًّا(26). وتعتبر دولة ماسينا دولة إسلامية نابعة من حركة الإحياء الإسلامي التي عرفتها المنطقة، فأبرز رجالات الدولة هم من خريجي زاوية الشيخ سيدي المختار الكنتي وفيها تلقوا تكوينهم الديني والفكري والسياسي، مثل الشيخ أحمدو بن لوبو والشيخ ألفا نوح طاهر(27).
ت‌- الدولة العمرية التجانية (فوتا –مالي):
كان الحاج عمر الفوتي أحد أبرز رموز الطريقة التجانية في السودان الغربي، وكان يتمتع بمؤهلات قيادية نادرة وطموح سياسي وديني لا نظير له، بعد عودته من الحج مرَّ بالدولة السوكتية في الأجزاء الشرقية من السودان الغربي، وقد استفاد كثيرًا من إقامته في دولة سوكوتو، حيث تعلم طرائق الحكم، بل شارك مع جيوش الخلافة ضد الوثنيين، وانتصر في تلك المعارك، فكانت هذه الفترة مرحلة إعداد وتحضير للدور الكبير الذي يعد نفسه له في المستقبل(28).
وفي يوم الاثنين، 20 من ذي القعدة 1328 هـ الموافق 6 من سبتمبر/أيلول عام 1852م، أعلن الحاج عمر الجهاد ضد الوثنيين، والكفار، في السودان الغربي، واستطاع في خلال عشر سنوات أن يسيطر على كل السودان، من حدود تنبكتو حتى حدود السنغال الفرنسية، ورغم أنه اعتبر نفسه مصلحًا دينيًّا، وأعلن الزهد في الأمور الدنيوية، إلا أنه كان مستعدًّا لتحقيق آماله من خلال الطرق السياسية والعسكرية، واعتبر أن رسالته المقدسة هي تنقية الإسلام من كل ما علق به من شوائب(29)، ووضعُ حدٍّ للوثنية، وتطبيق الشريعة. لذلك وضع نفسه على رأس هذه الدولة(30).
3- المتصوفة وفكر العمران 
تأثر الفكر السياسي لحركة التصوف الإصلاحي في السودان الغربي (غرب إفريقيا) بأفكار ومفاهيم مدرسة العمران كما صاغها العلامة ابن خلدون، ومظاهر هذا التأثر واضحة في أدبيات رواد هذه الحركة، حيث تبدو ظلال أفكار ابن خلدون حاضرة بل موجهة في العديد من رؤى ومواقف رواد المدرسة الصوفية في الغرب الإفريقي، حول مفاهيم مثل: العصبية والدعوة الدينية، ودورهما في قيام الدول، وقيمة العدل وصلتها بازدهار العمران، والثقافة والعلم وعلاقتهما بتعاظم الحضارة، والحرية الاقتصادية وغيرها من الأفكار.
وإذا كان الدكتور، حامد عبد الله ربيع، في نقده لفلسفة ابن خلدون، يرى أن الأخير "فصل بين الناحية الفكرية والناحية الحركية في موقف المفكر السياسي"(31) فإن رواد التصوف الإصلاحي في السودان الغربي كان موقفهم أكثر تطورًا في هذه الناحية من موقف ابن خلدون الذي لم يعش مشكلة عصره وفق تعبير الدكتور حامد ربيع(32)، حيث جمعوا بين الناحيتين الفكرية والعملية.
وتتضح مظاهر تأثر فكر رواد التصوف غرب الإفريقي بمدرسة ابن خلدون عند استعراض مقاربة الشيخ سيدي المختار الكنتي الحفيد لعمارة السودان، وهي المقاربة التي تقوم على مجموعة من الأسس، من بينها:
أ- الاهتمام بتنمية الاقتصاد المحلي من خلال بسط العدل وحماية الطبقات القائمة على المال والأعمال الصناعية والتجارية، "فاستبق بعضهم... فهم عمَّار تنبكتو، وهي عمارة الشرق والغرب ولا عمارة لها إلا بالمال والرجال... ولا عبرة بالتجار الغرباء الذين على أجنحة الطير، ولو أنك اطلعت على تنبكتو لعلمت أنها أخرب من جحر ضب"(33)، فالتقدم العمراني يفترض الاستقرار السياسي، وهو من جانب آخر لابد أن يقود إلى ازدهار التجارة ونمو الأموال، فضلًا عن نوع من سيادة مبدأ العدالة بين الرعية دون الحديث عن نمو مختلف الحرف والصناعات(34).
ب- رعاية الاستثمارات الخارجية العربية القادمة من توات وفزان وغدامس ودرعة وحمايتها من العسف والتضييق، والوعي بأهمية الدور الذي تقوم به في تنمية البلاد وتقوية التبادل الاقتصادي بين الصحراء والسودان وإخوانهم في أقطار المغرب الأقصى والأدنى والأوسط "وأحق من... أحسنت إليه ورفقت به وأشفقت عليه غرباء المسلمين الضاربون في الأرض يبتغون من فضل الله القائمون بوظيفة طلب الحلال تنمية لمال الله وعمارة لبلاده، ولا يخفى عليك فضل الحلال وفضل طالبه"(35). 
ج- السعي لتحقيق التوازن المطلوب بين التنمية وحماية الاستثمارات والمبادلات التجارية الخارجية من جهة وحاجيات الدولة الناشئة إلى موارد إضافية تساعدها على القيام بمهامها الرسالية الكبرى، عبر تقنين الضرائب الحكومية على هؤلاء التجار العرب في حدود معقولة، ومحددة السقف ومعلومة التوقيت "ولو أنهم إذ تقطع عليهم معونة جهاد ونحوها وتأمر بأخذها ولم يأخذ منهم غيرها، ولم يزد فيها على ما قطعت لكانت أنفسهم بأدائها طيبة وفي إعطائها راغبة، هذا ما اتفق لي عليه كلهم أو جلهم، ولكنها معونات في معونات ومؤونات إلى مؤونات وأنت غير مطلع على أمرها، فأحرجهم ذلك وضيق عليهم حتى هَمَّ أكثرهم بالهرب فأعن أعانك الله... ومع ذلك، فهم عمار البلد.. وعبار البعد بين الأقاليم الشتى، وقوة ناموس الإسلام والقوام بكفاية فرض التجارة للقوام"(36).
د- الحرية الاقتصادية: ومن مظاهر التأثر بفكر رائد فلسفة العمران، ابن خلدون، الإيمان بمبدأ الحرية الاقتصادية، حيث على الدولة الامتناع عن التدخل في شؤون التجارة وما يتعلق بها من نشاط اقتصادي وهو ما انتقده بقوة ابن خلدون وبيَّن مخاطره على العمران. لقد عبَّر الشيخ، سيدي المختار الكنتي الصغير، عن قناعته بالحرية الاقتصادية وخطأ توجه "دولة ماسينا" لإخضاع الاقتصاد، وقد كتب لرئيس الدولة، الشيخ أحمدو، شخصيًّا في ذلك: "وتقويمه بأوضع قيمة وأبخسها، يعمد إلى رفيع السلع الثمينة التي لا نظير لها في الإقليم، فيزهد فيها بالتقويم وتحط عن ثمنها المعلوم من المئات إلى الأحاد والعشرات، على خلاف الأمر المتعارف من إعطاء الأشياء حقها بإحضار أهل المعرفة والعلم والدين، حتى تتقرر الأعيان وتتخذ القيم والأثمان فتوقع حينئذ الحدود وتعرف الطرق، وأما غير هذا الوجه من الاستبداد بمثل تقويم هذا المال دون إحضار عراف عدول، فعنوان تقصير وغبن كبير"(37).
من هنا، كانت دعوته إلى رفع دولة ماسينا يدها عن الاقتصاد القائم أساسًا على التجارة، وإفساح المجال أمام التجار وأصحاب الخبرة في التنمية الاقتصادية، ليقوموا بدورهم كاملًا في عمارة البلاد من دون مضايقة ولا تدخل من الدولة التي لها الحق في المقابل في فرض رسوم عادية تدفع لها وفق مواقيت زمنية معلومة "فلو أنك أيها السيد أبقيت هذا المال تحت أيدي أربابه خزَّانًا عليه وقطعت عليهم ما رأيت أن فيه وجاء لما وجب عليهم، وجعلته نجومًا يؤدون منها كل عام ما لا يأتي على أصل المال؛ إذ المال كالشجرة تنمو فروعها ما بقي أصلها، فإذا استؤصل الأصل فلا وجود للفروع بعده، لكان أبقى للمال وأصون وأرجى لعمارة تنبكتو وأعون"(38).

نقلا عن مركز الجزيرة للدراسات