موريتانيا... هل ينجب الشعر مسرحا؟

ثلاثاء, 05/05/2015 - 13:55
بقلم: الفنان السينمائي والمسرحي عبد الرحمن أحمد سالم

اذا كان أحد الباحثين قد وصف الادب الموريتاني بـ"الحلْقة المجهولة" في سلسلة الأدب العربي. فان المسرح هو الحلقة المفقودة في سلسلة الادب الموريتاني. فلم ينل لا من التوثيق و لا من الدراسة كبير اهتمام من الكتاب والادباء والمؤرخين الموريتانيين. 

فهو وعلي الرغم من هشاشة حضوره في المشهد الثقافي العام. وضعف مساهمته في المكتبات الموريتانية. فانه قد خلق ذائقة خاصة به. تفهمه وتنتظره في كل مرة. كما خلق نمطا من الحرية والجرأة في الطرح، تكاد لاتضاهيه فيها بعض الفنون الاخري. 

 

تري ماهو مرد ذلك. وماهي العلاقة اليوم بين الكاتب الموريتاني والنص مسرحي. ولمن يكتب المسرح الموريتاني وباي لغة يكتب. ولماذا تخلو رفوف المكتبات من النصوص والدراسات المسرحية. 

واخيرا ماهو النص الذي ينشده المتلقي الموريتاني؟

 

ظهور المسرح

ظهر المسرح الموريتاني بشكل متقطع خلال الستينيات من القرن الماضي تزامنا مع استقلال الدولة. 

فكانت المحاولات عبارة عن ارادة بعض الافراد ممن اطلعوا علي مسارح العالم في اشراك الموريتاني هذا اللون من الفرجة الذي يعرفه البدوي الموريتاني من خلال انماط شعبية غارقة في القدم تسمي (لحمار) اي المحاكاة. وهي سهرات بدوية تلتإم حول الخيمة، في اغلب الحالات ليلا. وينعشها اشخاص متفننون في محاكاة الاحداث والافراد وغالبا ما تكون ساخرة. 

هذا اللون (لحمار) ألهم المرحوم همام فال. وهو احد رجال الفن والادب في موريتانيا لاحقا - في بداية السبعينيات -  الي تاسيس مسرح سياسي ساخر اطلق عليه اسم (الكيكوطيه) وقد لاقي رواجا كبيرا الي حد ان رئيس الجمهورية وبعض الوزراء تنقلوا لمشاهدة عروضه.   

وقد كانت مجموعة من مثقفي البلد في بداية الستينيات قد بدأت في كتابة نصوص مسرحية وتقديمها في مناسبات وطنية. وكانت مرتبطة بكفاح (الكادحين). وهم مجموعة من المعارضين للنظام القائم انذاك. وتواصلت تلك المحاولات الي حدود السبعينيات مستفيدة من تاسيس المركز الثقافي المصري الذي كان يحضر بعض الفرق المسرحية العربية. 

واشتد الصراع لياخذ منحي مغايرا حين دخل المسرح الافرانكفوني علي الخط. لتاخذ المنافسة شكل صراع بين العروبيين والافرنكفونيين. وهو ماغذته نعرات الصراع السياسي وصراع التعريب انذاك. 

 

القاسم المشترك بين كل تلك المراحل هو غياب النص المسرحي المكتوب. فقد كانت كل العروض تقدم بشكل استعجالي وتكتب المسرحيات في اجال قصيرة، ليس كعمل كتابة ابداعية وانما لغرض العرض فقط، وتتلاشي اوراق المسرحية مع اسدال الستار الاخير للعرض. 

 

وحين ظهر الاتحاد الوطني لمسرح الهواة بقيادة الاستاذ محمد الامين عداهي في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. تغيرت صورة التعامل مع الفن المسرحي. وبدأ التعاطي مع العرض اكثر مهنية. وبدات التخصصات تظهر. من كتابة واخراج وديكور وانارة. الي اخره. 

وهو ماشجع البعض علي الاكتفاء بكتابة نصوص مسرحية وتقديمها للفرق. 

كما عمد الاتحاد الي ربط الصلة ببعض الكتاب وشجعهم علي كتابة نصوص مسرحية. وهو ماتم بالفعل. حيث قدم الكاتب الكبير محمد الامين الشاه مسرحية (الماء والجار) وكتب الكاتب والناقد محمد فال ولد عبد الرحمن العديد من المسرحيات (بريق الصمغ العربي) (اللعبة) (عنز البزيه) وغيرها. 

وقد كتب في تلك السنوات (مابين ١٩٨٦ و ١٩٩٠) اكبر عدد من المسرحيات في تاريخ موريتانيا. 

وباعتباره العصر الذهبي للمسرح الموريتاني فقد شهد ايضا تقديم اكبر كم من المسرحيات الممرتنة. كمسرح المجتمع لتوفيق الحكيم. ومسرحية (ثقافة للبيع) ومسرحية (وي كلو) لجان بول سارتر. وغيرها. 

وتوج ذلك العصر الذهبي بالعديد من المهرجانات المسرحية. والندوات النقدية. وارسال البعثات للتكوين في الخارج. وايفاد مكونين من الخارج من امثال الاستاذ خليل طافش الذي عاصر كل تلك النهضة واسهم فيها بشكل قوي. وظهرت لاول مرة فرقة قومية للمسرح. 

 

ورغم كل هذا العطاء والتحول الايجابي. فان النص المسرحي لم يوثق علي شكل مطبوعات عامة. وانما بقيت النصوص مطبوعة طباعة اولية لغرض التدريب والعرض فقط. 

 

وبعد سبات طويل عقب توقف الاتحاد وظهور واختفاء جمعيات فاعلة كمسرح شنقيط مثلا. وخلال تسعينيات القرن الماضي ظهرت فرقة جديدة هي (فرقة التواصل). محاولة اعادة الحياة الي المشهد المسرحي. فقدمت الكثير من العروض المسرحية والتي يطبع عليها اجمالا لون النضال والنقد السياسي. ونزعة القومية والانتماء العروبي. فكانت القضية الفلسطينية حاضرة في كل العروض. وكانت شخصية موريتانيا كجزء من الجسم العربي يكاد يخلو منها اي نص او عرض. 

 

اين رابطة الادباء والكتاب من مشهد كتابة المسرحية:

يعتبر اتحاد الادباء والكتاب الموريتانيين من اعرق واقدم التنظيمات في موريتانيا. فقد تاسس في بداية السبعينيات. وخاضت اقلامه كل الحروب، حملات التعريب والتعريب المضاد. حملات القومية العربية. الصراع مع الانظمة المدنية والعسكرية. تطبيع العلاقات مع اسرائيل. لم يخلو اي حدث وطني من ردة فعل ادباء موريتانيا بشعرهم ونثرهم وكتاباتهم النقدية. 

إلا ان الكتابة والنقد المسرحي بقيت السهل المستعصي. او القريب البعيد من الاديب الموريتاني. اذا ما استثنينا مقالات تنشر من حين الي اخر في بعض الصحف، او جزء بسيط من كتابات الدكتور احمد ولد حبيب الله. 

ان مرد هذا الجفاء يعود حسب رأي الي ثلاثة اسباب:

الاول: يغلب طابع التكوين المحظري التقليدي علي الجيل الاول من ادباء موريتانيا. الشيء الذي غيب عنهم التعرف علي انماط ادبية حديثة كالمسرح والفن التشكيلي والسينما وغيرها. 

الثاني: النظرية الدونية والازدراء من المجتمع التقليدي المحافظ للمسرح. الشيء الذي ابعده عن واجهة الاهتمام الادبي. فهو كما يقول الدكتور احمد حبيبي : احد عناصر الفنون سيئة السمعة. 

الثالث: ان شح وسائل النشر وضعف (الزبون المسرحي) مقارنة مع قوة طلب (زبون الشعر) والانماط الاخري جعل الادباء يضعون المسرح في ذيل الرفوف. 

 

ولان المقام لايسمح بالاسهاب في التفاصيل الصغيرة. فبودي ان اعرج بشكل سريع علي الانماط المتوفرة من الكتابة المسرحية في الظرف الحالي بموريتانيا. 

بدأ... ينبغي الحديث عن الضوابط الاجتماعية والثقافية والدينية التي تتحكم في نمط الكتابة الادبية بشكل عام في موريتانيا وكتابة المسرحية بشكل خاص. 

المجتمع الموريتاني مجتمع مسلم محافظ وتقليدي، حتي ولو فتحت له كل ابواب العولمة والتبادل. فانه يبقي متمسكا - سلبا او ايجابا - بتلك الخصوصية والتي قد تصل في بعض الاحايين الي التعامل السلبي مع الابداع. 

وتركبته الاجتماعية معقدة جدا، فهو بلد اعراق عربية وبربرية وافريقية. وهو ايضا مجتمع طبقي هرمي، وان كانت تلك الصفة تبدو باهتة من النظرة الاولي الي المجتمع، فانها بشئ من التمعن تظهر كمرجعية اساسية غير معلنة  في التعاطي الاجتماعي والثقافي. 

من هذا المشهد تبدأ افرازات الكتابة الادبية عموما والمسرحية خصوصا. والتي يمكن تصنيفها - والمقام هنا ليس مقام دراسة نقدية وانماهي مجرد انطباعات - الي ثلاثة اصناف:

- نصوص اللحظة: وهي تلك النصوص التي تأتي استجابة لنداء اسعاف ثقافي. مواكبة لنشاط او رؤية سياسية او برنامج قصير النفس. وتكتب تماما علي طريقة اعداد (الوجبات الخفيفة). لكنها لاتضمن الخفة في كل مرة. 

- نصوص المناسبة: وهي نصوص تكتب استجابة لاجندة المهرجانات والمناسبات الوطنية والاقليمية والدولية. وتتحكم فيها (نوعية الطلبية) المقدمة من الراعي. وبالتالي فهي لاتجد مساحة للابداع الادبي بمفهومه المستقل. 

- النصوص المستقلة: وهي القلة القليلة والتي تكتب بدافع مهني بحت وترقي الي مستوي الكتابة الادبية. لكن هامشها وفرصتها في الترجمة علي الخشبة ضئيلة جدا. واذا ماقدمت كعرض تظل (محلك سر) ولا تجد فرصتها في الخروج الي عوالم وجماهير مختلفة الا نادرا. 

 

واسطة العقد المفقودة في هذه الانماط الثلاثة هي النقد. والذي يكاد يظهر باحتشام في انماط الادب التقليدية العريقة، فمابالك بفن جديد يعتبره الانسان الموريتاني دخيلا.  

 

كيف تبدوا هذه النصوص علي علاتها؟

يوغل النص المكتوب للحظة او المناسبة في البساطة والسذاجة رغبة في الوصول الي متلقي بسيط وغير متعلم في اغلب الحالات. وتتحكم في بنية النص مصطلحات وعبارات اقرب الي الكلام الوعظي التوجيهي منها الي الكتابة الادبية. 

ويعالج مواضيع آنية جدا ومرتبطة برغبة او توجه محدد، مما يفقدها قوة افق الدلالة والكلمة داخل النص. 

اما النص المستقل: فيتمتع بجمالية رائعة في الصور وشاعرية مرهفة في القالب. وتضمين قوي مستند الي جذور تاريخ المجتمع الموريتاني. والي حاضره المتنوع ثقافيا ومستقبله المشرق ان شاء. وحين يكون النص نقدا فانه يكون جريئا وصادقا وغير مستند علي فراغ. وهذه النصوص زادت في الاونة الاخيرة مع ظهور كتاب شباب من المتمسرحين السابقين او المتكونين في الاختصاص. 

وقد شهدت السنتان الفارطتان قفزة مبشرة بتحول كبير. وذلك من خلال ظهور جيل ثالث حديث برز مع مهرجان المسرح المدرسي.

وتعتبر ابرز اشراقات مشهد الكتابة المسرحية اليوم هي تلك النصوص التي كتبت بداية العشرية الثانية من هذا القرن من طرف كتاب شباب كانو ينضوون تحت لواء (جمعية التواصل) التي تحولت اليوم الي جمعية المسرحيين الموريتانيين  واصبح افرادها يغذون الخشبة بنصوص مسرحية جيدة، طالت كل الهم الجماعي والهم الاقليمي والعربي. فكتبت نصوصا في التعايش والوحدة الوطنية ونصوصا في التاريخ العلمي المشرق لارض شنقيط. وتاريخ المقاومة الثقافية للاستعمار. ومواضيع تتعلق بالظرف الحالي. كحرية التعبير. والعدالة. والقيادة. ومست كل امراض المجتمع دون استثناء. 

وفي بعدها العربي والاقليمي قدمت نصوصا عن الوحدة العربية. والشؤم الاسرائيلي. والانتفاضات الفلسطينية والمجاهدين المسلمين والعرب. والبعد الافريقي والعربي لموريتانيا. 

 

 اليوم في هذا المشهد المزيج من التفاؤل والاحباط  يمكن حصر مشاكل النص المسرحي في موريتانيا في النقاط التالية

- غياب المتخصصين في الكتابة المسرحية: فالبرامج التعلمية لاتحتوي علي مادة المسرح ولاتوجد مؤسسات تكوينية مهنية في المسرح. وتندر الدورات التكوينية في الكتابة المسرحية.

- غياب النقد الادبي الذي يمكنه تقويم العملية الابداعية وتشجيع الكتاب

- عدم الفصل بين النص كعملية ابداعية مستقلة، وتجسيده علي الخشبة كعملية ميلاد ثانية

- ضعف النشر اجمالا. مما لا يشجع البعض علي كتابة النصوص المسرحية، ويكتفي بدل ذلك بكتابة ديوان شعري او مجموعة قصصية قد تكون بالنسبة له حظوظها اوفر في النشر. 

-غياب ثقافة تحويل النص الادبي سواء كان شعرا او سردا الي نص مسرحي

 

ان كل مايتوفر اليوم من نصوص مسرحية او دراسات عن المسرح لايخرج دائرة الارشيف الخاص للجمعيات. او رفوف الرسائل الجامعية بجامعة انواكشوط

 

وتتقاطع النصوص المتوفرة علي شحها. في نمط الكتابة واللغة المستخدمة فهي في معظمها مكتوبة باللهجة المحلية المهذبة والتي تقرب الفصحي بشكل كبير. وبعض هذه النصوص كتب بالفصحي. لكن القاسم المشترك في اللغتين هو الثراء وامكانية التضمين والرمز والشحن بالدلالات والاسقاطات اللامتناهية. 

 

ان الانسان الموريتاني بطبيعته مرهف الاحساس ويميل بشكل فطري الي التضمين والايحاء في الحوار. وهو مانتج عنه نمط ادبي مميز. سواء كتب بالفصحي او العامية. وسواء كان نثرا او شعرا. والنصوص الشعرية الموريتانية حبلي بالصور والحوار، ولاينقصها الا كبسة زر واحة لتتحول الي نصوص مسرحية رائعة وقوية. فهل ستكون المحطة الموالية لحاملي هم النص المسرحي بموريتاينا هي العودة للقصيدة واعادة تفكيكها. ربما