الشهيد محمد ولد امسكية ..ذكرى المقاوم الأسمر (ح1)

سبت, 02/05/2015 - 17:26

السراج تنشر الملف الفرنسي الكامل للشهيد محمد ولد امسيكة (ح 1)

ترجمة وتقديم السراج

 

كانت "أشهد أن لا إله إلا الله" آخر ما تلفظ به الرجل محمد ولد امسيكة قبل أن يقضي عليه رجلان يبحثان عن المال عبر العار والدماء، توفي الرجل وظلت ذكراه إلى الآن طيفا نبيلا يؤرق ذاكرة العمالة للاستعمار، لكن ذكرى أدبية مجهولة المصدر رافقت استشهاد الرجل، أعني ذلك الكاف السيار الذي ينسب إلى الرجل أو الذي قيل على لسانه، أو قيل إن أحد أصدقائه أخذه عن الرجل في رؤيا منام.

 

     عنك كول لسام وعبدات    الكوم ال كبظو بايدي

 

     عن يوم الدنيه راه فات    الواعر يوم الوعيدي

 

لم يكن سام وعبدات إلا رجلين من الذين استهواهما الطمع لقتل الرجل المقاوم، سعيا إلى جائزة أغلب الظن أنهما لم ينالاها، فقد توفي أحدهما غريبا عن وطنه، بعد أن طادرته لعنات الجريمة وبعد أن اتسعت مساحة الجريمة، لتشمل الوطن كله، ففي كل شبر من هذا الصحراء، كان يحس بعيون ولد امسيكه الصقرية، تلاحقه، ويحس بالدم يكاد يفور من بين عروق الأرض. ، أما الثاني فقد اختبل عقله، ومات شيخا مهووسا، يبكي عند ما يستعيد شريط الجريمة ، ولا يبخل على سائله بسرد كل التفاصيل المؤلمة، وفق الروايات المتداولة في هذا الصدد.

 

ووفاء من السراج لذكرى الرجل الشهيد الذي سلخ الرعب والخوف من قلبه منذ سنينه الأولى، ووفاء لأعلام الوطن تنشر الوثائق الكاملة لملف الرجل، وتبقى المعلومات الواردة في تلك الوثائق مجرد شهادات وأوامر ومتابعات كتبها الضباط الفرنسيون وعملاؤهم، من المجندين والمترجمين، كما تضم أيضا اعترافات مهمة لأحد قتلة الشهيد ولد امسيكه.

 

ويبقى جانب مهم من حياة ولد امسيكه، وهو تراثه الجهادي المقاوم، أو ما تصفه الوثائق الاستعمارية " بالجريمة وقطع الطرق" مبثوثا بكثرة في روايات تتخذ شكل الأساطير والملاحم، وتقدم الرجل في صورة صعلوك فاتك ينساب كالنسيم في عروق الأرض وفجاجها، فهو عنيف كالإعصار ولطيف كالهواء، فلا يمكن "القبض عليه"

 

كان لولد امسيكه عداوة راسخة مع المستعمر، ومع جنوده وحرسه، ومع الذين ظلموه، وأهانوا أسرته ووالدته الضعيفة، كما تقول بعض الروايات، كما كانت له علاقات راسخة جدا مع بعض العلماء والمشايخ الكبار، ومنهم على سبيل الخصوص المرحوم يعقوب ولد الشيخ سيديا، كان ولد امسكية يرد بين الحين والآخر إلى يعقوب، فيهدي له، ويطلب منه الدعاء و"الحجاب" وكان يعقوب يقول للرجل " لن يقدر عليك عدوك"، وبالفعل أتي الرجل من مأمنه، وكانت خاتمته، على يد أفراد كان يظن أن "فيهم ريحا من يعقوب" لكنهم فندوا الظن، وأقدموا على قتل الرجل الأسمر الشجاع، عاش يعقوب أكثر من خمسين سنة بعد ولد امسيكه، وهو يترحم عند كل ذكرى على روح "صديقه " الشهم.

 

تتعدد الروايات الأسطورية عن ولد امسيكة، وتقول إحدى تلك الروايات، إن الرجل بات ليلة عند أسرة رجل يدعي الشجاعة، ويود لو قدر له لقاء ولد امسيكه، ويقول "سأمسكه وأشد وثاقه، وأفعل وأفعل، وعند الصباح اتضح الأمر ورأى الرجل ولد امسيكة عيانا، وعندما خرج ليشيعه خارج الحي قال له : إنني أظن أنك ولد امسكية، فقال الشهيد : نعم أنا ولد امسكية، فرد الرجل وقد انحلت عرى شجاعته..إن ما سمعت البارحة ليس أكثر من كلام أسمعه لزوجتي لا أكثر..ضحك ولد امسيكة..وترك الرجل يستعيد ما تبقى من "فؤاده".

 

وتقول رواية أخرى إن مجندا سنغاليا يدعى ملل كان يتمنى لقاء ولد امسيكة، ويؤكد للفرنسيين أنه سيأتيهم بالشهيد موثقا بالحبال، وذات مرة خلا لولد امسكية الجو بالسيد ملل، خلف التلال الغربية لبوتلميت وكانت حينها هضابا أمثال الجبال، يشعلها الحر لهيبا ورمضاء، قبض ولد امسيكه على ملل، وسلبه سلاحه، وملابسه، وربط يده بعنقه، وضربه بسوطه، ثم رفعه إلى أعلى التلة، وأمره أن يركض إلى أسياده الفرنسيين، وهو يردد ..ينسخ ملل .ينسخ ملل..وظل الرجل يتدحرج في الرمضاء، وهو يكرر ..ينسخ ملل ..ثم أطلقها الناس مثلا سائرا مشهورا شهرة شجاعة ولد امسيكة.

 

وفي أخرى يمسك الرجل في شكار بأحد المجندين الذين يبحثون عنه/ بل يبحثون عن الجائزة، فيقبض عليه، ويلح الرجل في طلب الفكاك، لكن ولد امسيكه، يفرج عنه بعد أن يشترط عليه أن يعدو ركضا حتى لا يبيت إلا في مكطع لحجار، وينزل الشرط على الرجل نزول الفرج بعد الكربة، ويقول " لا بخلان" لتسير هي الأخرى مثلا.

 

كان ولد امسيكه حسن السمت حسن الصوت، طالما تراقصت "الحرطانيات" على صوته الأخاذ وهو يردد .."إيه النبي زين وفالح"، وربما أسعفته شخصيته الفنية، في الإيقاع بمجموعة من كوميات وهم يتراقصون طربا، كما حدث ذات مساء في ألاك، عندما كان الكوميات يتمايلون على إيقاع "تيدنيت لعور ولد انكذي" قبل أن يتدخل ولد امسيكة مرتين، "دخولا فنيا"مطربا، وتدخلا "عسكريا مرعبا".

 

ذات مرة قبض على ولد امسكية، ونقل إلى سجن "لكديه" وخاطبه المترجم ساخرا : إن الكوماند يقول لك ستقضي الصيف الساخن في هذا السجن بين البعوض، فرد عليه : قل ذلك لمن سيقضي الصيف هنا، وبالفعل اخترط ولد امسيكة، ذات مرة سلاح أحد الحراس، ثم أفلت المطاردين، وسار في رحلة أخرى من مراحل السفر النبيل.

 

ويذكر الفقيه عبد الله المختار بن عبد الكريم – في مقابلة سابقة مع السراج – أن فرنسيين وكوميات مروا ذات مرة قرب والده عبد الكريم، وهم يحملون معهم ولد امسيكة مقيدا، فطلب الشهيد منهم السماح له بزيارة ذلك المرابط، وعندما وصل إليه أهدى له 20 أوقية، وقال له : ادع الله لي فأنا لا أضر المسلمين، ولكنني سأظل في حرب مع هؤلاء النصارى، وفي المساء عاد ولد امسيكة إلى لمرابط وهو يسوق جمال الفرنسيين، وقال له : سللت يدي من القيد واستللت سكين أحد الفرنسيين، فهتكت به خاصرته، ثم قذفته من فوق الجمل، وأخذت بندقيته وضربت بها الثاني، وها أنا في طريقي إلى رحلة أخرى.

 

في 1950، أسلم الرجل الروح إلى باريها، على يد رجلين أمناه، وتحرما بطعامه وإكرامه، قبل أن يغدرا به، وبعد أيام قليلة من وفاته، دخل صيف حار لاهب، سماه الناس "إريفيت ولد امسيكه"

 

رحم الله الشهيد محمد ولد امسيكة، وتقبله في الصالحين، ما أقل ما نال من التكريم، فلا يزال اسمه الأقل تداولا في أبطال المقاومة، رغم ما أثار من رعب في صفوف الفرنسيين، وعملائهم، وما هتك لهم من صدور وخواصر.

 

 

 

 

 

 

 

ملف ولد امسيكه

 الملف رقم 43

        I.            الشخص

1.      الجذور: حرطاني من أشفاغ الخطاط، فرع أهل باركل، اكجوجت.

2.      الأوصاف: القامة تتجاوز 1.70 م، عريض الصدر، البشرة فاتحة جدا، اثنتان من ثناياه ساقطتان، به أثر جرح من ضربة خنجر أصابه بها أحد الحرس عندما كان موقوفا، به أثار قيود حديدية في الرجلين، به غدة (أو بثور كبيرة) على مستوى الصدغ كان يتعالج منها، طويل شعر الرأس، عمره حوالي 40 سنة لكنه نشيط جدا، يتحرك عادة وهو ملثم، فطن وماكر، يستطيع التصرف بشكل لطيف في تعامله الاجتماعي، فهو مغن وراقص وشاعر ومادح للنبي (صلى الله عليه وسلم)..الخ، يقدم نفسه أحيانا على أنه شريف وفي هذه الحالة يتنقل تحت اسم عبد الله ولد أحمدو.

 

3.      السلاح: بندقية خفيفة تسع طلقات مسروقة من بينه ولد النعيم الحرسي بلعيون.

-        بندقية صيد مسروقة مع طلقاتها من رجل من أولاد أحمد بلبراكنه

-        مسدس

يمتطي حاليا آزوزال (جمل خصي) أخضر (بني غامق) اللون عليه نار (سمة) الحجاج (لبراكنه).

فضلا عن ذلك فهو لا يجد صعوبة في استبدال مركوبه.

4.      موارده:  يملك قطعانا من الماشية:

 

الرقيب الذي أصيب على يده أخذ منه 510 رؤوس من الغنم وقطعتين من القماش (بيركال) و500 فرنك تم تسليمها إلى الحاكم المقيم في امبود، وذلك سبب انتقامه الحالي.

تم أيضا توقيف راعي مواشي ولد امسيكه وأودع بسجن كيفه.

ربما على سبيل الانتقام ارتكب ولد امسيكه الجرائم التالية ضد أولاد أحمد في لبراكنه:

-        قتل 4 بقرات و12 ناقة.

-        سرقة بندقية واحدة عيار 19 وخرطوشات تعود إلى أحمد ولد لعويد.

 

-        سرقة 4 قطع من قماش غينيا(النيله)، 4 أثواب رجالية، 20 كغ من الشاي، 300 فرنك.

 

كما أقدم على قتل حمادي سيري في مال، غالانكا غي في العزلات وسعيد سي سيرينيْ في مويت.

5. نطاق النشاط:

ألاك – مال – التيغديون (لعصابه) – خاي- مع التردد باستمرار على كيفه حيث يتزود هناك دون أن يتعرض لأي إزعاج – المنطقة الحدودية بين لبراكنه والترارزه ، مع زيارات لبوتلميت حيث سبق أن شوهد. 

6. حالات التواطؤ:

- التواطؤ السلبي (التعرف عليه وعدم الإبلاغ عنه): وهذه الحالات عديدة لأن ولد امسيكه كان يتصرف بسخاء وكان مرهوبا.

- التواطؤ النشط:

          - أسرة في مال

          - أسرة في لبويره (على مسافة ليلة شرقي مال)

          - أسرة في لتفتار من حراطين أهل باركله

 

          - محمد احمد ولد اعليه من لقلال، أهل الطالب جدو، بكيفه، وهو صديق مقرب منه سرق معه البندقية في لعيون وهو من يمونه بالذخيرة.

 

هذه المعلومات مقدمة من الرقيب الحرسي أحمد ولد حبيب صاحب الرقم 97 بتاريخ 26 ابريل 1950.

7. الأهداف والمستهدفون:

يقوم ولد امسيكه أساسا بقتل السود. وهكذا تجنب أعمال الثأر التي كان سيتعرض لها لو كان المستهدفون من البيضان. وقد كان البيضان في آفطوط وألاك يحمونه بعدم إبلاغهم عنه خوفا من بطشه وبدافع المصلحة أحيانا. أقدم البيظاني (maure) ولد امسيكه الذي أثار القلاقل في نواحي بوكي وما وراءها على قتل صمبا دادو المنحدر من ملل أيري وكذلك انجاي في أوروربس داكا. كما قام بتكسير أرجل عدة بولاريين وقتل مواشيهم. يتعلق الأمر هنا ببولاريين لجأوا إلى موريتانيا قادمين من السينغال لأنهم يدفعون هنا ضرائب أقل ويتجنبون الإحصاء خلال عدة سنوات. هذه الهجرات نحو الضفة اليمنى أخذت حجما أكبر خلال السنوات الأخيرة.

في ضوء معلومات كهذه غير محددة تماما يبدو مستحيلا تنفيذ عملية أمنية في بلد يتواطؤ فيه الناس مع القاتل بحمايته من خلال عدم الإبلاغ عنه.

قد يكون من الأفضل إذن الدفع إلى تصفية هذا الشخص الخطير عبر الوعد بجائزة واستثارة التنافس الضروري عند بيضان هذا البلد فهم وحدهم الذين بإمكانهم ملاقاة قاطع الطريق يوما ما.

بوتلميت، 28 يوليو 1949

 

حاكم الدائرة  

 

 

      II.            البحث عن قاطع الطريق ولد امسيكه والقبض عليه

في سبيل وضع حد للنشاط الإجرامي للمدعو ولد امسيكه نُظمت عملية أمنية مصحوبة بإجراءات إدارية على مستوى دائرة لبراكنه والدوائر المحاذية ابتداء من 5 مايو 1950 أسفرت عن مصرع قاطع الطريق هذا.

قامت مفرزة من الحرس تابعة لتجمع بوتلميت بدوريات في لبراكنه خلال أشهر فبراير، ديسمبر 1949 ويناير 1950 بحثا عن لصوص ماشية وكذلك للبحث عن قاطع الطريق ولد امسيكه.

*  الجرائم المرتكبة:

* يوم 25 يناير 1950 هاجم قاطع الطريق فريقا من عمال البريد والمواصلات كان يقوم بإصلاح خط الهاتف الرابط بين ألاك والمجرية على بعد نحو مائة كلم شمال شرق ألاك. حيث فاجأ الفريق وقام بسلبه قبل أن يختفي في الأدغال. وقد تدخل المساعد روجو(Rougeau) الذي كان موجودا في المنطقة رفقة بعض الحرس البيظان(gardes maures) لدعم جهود البحث التي أعقبت العملية.

 

* يوم 26 ابريل 1950 أصيب الرقيب في حرس الدائرة ... ولد حبيب العامل في امبود بجراح عندما أطلق عليه ولد امسيكه النار تحت إحدى الخيم أثناء قيامه بمهمة للبحث عنه، وقد نقل المصاب إلى مستشفى سان لويس حيث بقي هناك لتلقي العلاج.

 

* يوم 26 ابريل 1950 وفي منطقة مال (50 كم شرق ألاك) التقت دورية مكونة من الحرسيين حمادي سيري وبوكار آمادو والدليل اميمي بولد امسيكه راكبا على جمل، عندها اختبأ الحرسيان وأرسلا الحرطاني لملاقاته، وعندما أصبحت المسافة الفاصلة بينهما 40 مترا تقريبا أطلق حمادي سيري النار على ولد امسيكه الذي كان في هذه اللحظة قد ترجل عن جمله فبادر بالاختفاء خلف شجرة ورد بإطلاق النار من بندقية صيد ليصيب حمادي سيري بجراح، وبطلب من حمادي سيري اتجه بوكار آمادو لجلب الماء من آبار قريبة. في تلك الأثناء تسلل ولد امسيكه من خلف أحد الكثبان ليصل إلى مكان وجود حمادي سيري حيث أجهز عليه بطلقة من بندقيته ثم أطلق النار في اتجاه بوكار آمادو الذي كان عائدا بالماء فبادر هذا بالرد لكن عند الطلقة الخامسة أو السادسة تعطل سلاحه فتسلل منسحبا في اتجاه الآبار ومضارب الأحياء القريبة، فيما انصرف ولد امسيكه بعد الاستيلاء على بندقية حمادي سيري مع 5 أو 6 خرطوشات.

 

* يوم 4 مايو 1950 وفي مخيم الزماريق بالعزلات ارتكب المجرم ولد امسيكه جريمة جديدة ضد الحرسي غالانكا غي.

 

الوسائل التي تم رصدها:

 

يوم 5 مايو وصلتُ إلى ألاك مرفوقا بالرقيب الدركي بيرني (Bernis) و6 حرسيين سود وطلبتُ إرسال 20 حرسيا من البيظان (gardes maures) من تجمع بوتلميت بقيادة المساعد بيسو (Peyssou). وتقرر تنظيم عملية أمنية لمراقبة منطقة لبراكنه. كان هناك نحو 30 حرسيا من البيظان و20 من المجندين (قوميات) تحت أوامر المساعد أول مورو (Moro)، فضلا عن بعض المتطوعين المحليين، وقد تم إخضاع الآبار في مناطق قيمي، التاشوط، مال، العزلات، ألاك و... للحراسة، كما تم وضع نقاط مراقبة وتنظيم دوريات على أطراف لبراكنه.

 

تم تنظيم دوريات راكبة وأخرى راجلة، كما تم فتح تحقيق على مستوى حي الزماريق في العزلات حيث وقعت آخر جريمة. وبعد استجوابات مطولة جدا تم إصدار مذكرات إيداع في حق 9 أفراد متهمين بالتواطؤ في القتل وتواصلت التحريات بنشاط، وقد شوش عليها واقع أن قاطع الطريق يتم الإبلاغ عن رؤيته في كل مكان تقريبا من طرف أشخاص يتصرفون ربما بحسن نية.

 

مساء 12 مايو أبلغنا من طرف حاكم دائرة بوتلميت أن ولد امسيكه قد يكون شوهد في المذرذره التابعة لبوتلميت، ولكن لم يتم تعديل الترتيبات القائمة في لبراكنه.