الحرب التجارية بين أمريكا والصين تلقي بظلالها على موريتانيا

اثنين, 13/05/2019 - 00:33
د. يربان الحسين الخراشي

انتهت الجولة الحادية عشرة من المفاوضات التجارية بين الصين والولايات المتحدة أمس الجمعة دون التوصل إلى اتفاق، وواشنطن ترفع الرسوم من 10% إلى 25% على سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار، والصين تعلن أنها سترد بالمثل إذا ما مضت واشنطن قدما في قرارها. وصول المفاوضات إلى طريق شبه مسدود يأتي في ظل تصعيد قياسي للحرب الكلامية بين واشنطن و بكين، حيث حذر يوم الأربعاء المنصرم وزيرخارجية أمريكا مايك بومبيو (Mike Pompeo) بريطانيا من الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق واصفا إياها بأنها عبارة عن "صفقات فاسدة للبنية التحتية في مقابل النفوذ السياسي" كما قال "إن الصين تتبع دبلوماسية فخ الديون التي تغذيها الرشوة مما يهدد تقويض النموذج الاقتصادي العالمي للسوق الحرة" بل بالغ وزير الخارجية الأمريكي في تشويهه لحقيقة المبادرة عندما قال إنها "مبادرة تقوض سيادة جميع الدول".

وقد جاء رد بكين سريعا على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية السيد قنغ شوانغ (耿爽) الذي قال: "هناك أفراد معدودون في أمريكا دأبوا على إصدار تصريحات غير مسؤولة بشأن مبادرة الحزام والطريق"، وأضاف: "لكن ماذا كانت النتيجة؟ 150 دولة، 92 منظمة دولية، وأكثر من 6000 ممثل شاركوا في قمة المؤتمر الثاني لمبادرة الحزام والطريق بمن فيهم 50 مندوبا من أمريكا نفسها، وهذا التحرك للمجتمع الدولي تعبير عن ثقته ودعمه لبناء مبادرة الحزام والطريق، وهو أيضا أفضل رد على تصريحات أمريكا وأفعالها"، وتابع: "وإذا كانوا هم لم يتعبوا من القول فقد سئمنا نحن من سماعه، وأريد أن أذكرهم مرة أخرى، لا تبالغوا في قدرتكم على اختلاق الشائعات، ولا تستهينوا بقدرة الآخرين على الحكم".

الحرب التجارية بين واشنطن وبكين المشتعلة منذ أكثر من سنة بدأت تلقي بظلالها على بلادنا التي وقعت على مذكرة التفاهم للتعاون مع الصين في إطار المبادرة المذكورة مطلع سبتمبر 2018 خلال زيارة فخامة رئيس الجمهورية للصين للمشاركة في منتدى التعاون الصيني الإفريقي، ونكتفي بذكر أربعة دلالات على ذلك:

(1)

موريتانيا لم تبعث أي مسؤول للمشاركة في المؤتمر الدولي الثاني لمبادرة الحزام والطريق الذي عقد في بكين في الفترة ما بين 25 و 27 إبريل المنصرم رغم التوقيع في إطار هذه المبادرة مسبقا على بعض المشاريع الهامة التي بعضها قيد التصميم، وبعضها الآخر سيرى النور قريبا على سبيل المثال لا للحصر: ميناء في المياه العميقة في مدينة انواذيبو، وجسر ملتقى طرق مدريد، وميناء للتفريغ الصيد التقليدي عند كلم 28، وكذلك على الرغم من أن المؤتمر المذكور أعلاه شهد في يومه الأول مؤتمرا خاصا لرجال الأعمال حضره حوالي 850 من كبار رجال الأعمال حول العالم، وممثلين عن 90 شركة من بين الـ500 شركة الأكبر في العالم، ومئات الشركات المملوكة للحكومة الصينية.

(2)

حتى الآن لم تنضم موريتانيا وتصبح عضوا في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية بينما دول شبه المنطقة كالجزائر، والمغرب، وتونس، وساحل العاج، وحتى ليبيا كلهم أصبحوا أعضاء في البنك المذكور، والسنغال في الطريق. تجدر الإشارة إلى أن عدد أعضاء البنك ارتفع إلى 97 عضوا من جميع القارات، وهو بنك دولي قامت الصين بانشائه سنة 2015 برأس مال 100 مليار دولار أمريكي لتمويل مشاريع المبادرة، ويرجح مستقبلا أن يكون منافسا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

(3)

حتى الآن لم تتم بلورة رؤية وطنية تتقاطع وتتلاقى مع مبادرة الحزام والطريق، رؤية توظف الموقع الجغرافي، والجيوستراتيجي لبلادنا، وتحولها إلى محطة هامة من محطات قطار التنمية الصيني فائق السرعة، رؤية مصممة على الاستفادة القصوى من الظرفية الدولية الحالية التي تتميز بتحول مركز الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق، وتتميز أيضا بتنفيذ الصين لسياسات تعميق الإصلاح والانفتاح التي ستحولها من أكبر دولة مصدرة إلى أكبر دولة مستوردة، ومن أكبر مصنع في العالم إلى أكبر سوق في العالم، رؤية ستمكننا من إيجاد موطئ قدم في السوق الصيني، مما سيفضي في النهاية إلى تغيير معادلة مستقبل بلادنا مرهون بأسعار المادة الخام.

(4)

من الملاحظ في السنوات الأخيرة أن الصين أصبحت تبدي اهتماما متزايدا بمنطقة الغرب الإفريقي لعدة أسباب يضيق الوقت عن ذكرها. لكن هذا الاهتمام المتزايد للدبلوماسية الصينية بالمنطقة التي تعتبر بلادنا همزة وصلها الجغرافية، والثقافية، والاقتصادية، وربما الأمنية لم تلتقطه، وتعطيه دبلوماسيتها الموقرة القيمة التي يستحقها، مما قد يحرم بلادنا الكثير من فرص الاستثمارات، والإعانات المالية الصينية في المستقبل، بالإضافة إلى إضاعة فرصة توظيف هذا الاهتمام الصيني لصالح دبلوماسيتنا، ومصالح بلادنا في المنطقة.

 

تعد الصين أكبر شريك تجاري لبلادنا بحجم تبادل تجاري بلغ سنة 2017 حوالي 1.647 مليار دولار، كما تعد من بين أكبر الممولين لبلادنا، وهذا ما يجعل من سياسة الحاضر الغائب التي تتبعها بلادنا مع الصين غير مبررة وغير مفهومة خاصة في ظل تسجيل عجز تجاري قياسي بين البلدين بقيمة 71 مليون دولار سنة 2017، وفي ظل حضورنا المكثف لمؤتمرات ثانوية في دول أخرى لا تربطنا بها أي علاقات اقتصادية أو تجارية مهمة.