الردود الأبية على العلامة ابن بيه ح 3

أربعاء, 29/04/2015 - 16:01

بقلم الأستاذ أحمد ولد أجاه ولد أبوه

 

ومنهم من  قال: التغريب من جنس ما لا يحتمل الخفاء; لأن إقامة الحدود من وظيفة الأيمة ومبناها على الشهرة مع حاجة الإمام إلى معرفتها فيفحص عنها فقدحُ كونه حدا إما لرد الحديث بترك عمر العمل به أو بجعل التغريب زيادة تعزير وسياسة([1])

وأين هذا من مذهب العلامة ؟

ومنهم من يقول: الحديث وهو قوله عليه السلام {البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام } منسوخ كشطره وهو قوله: ( الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة  ([2]))

وأين هذا من مذهب العلامة؟

إذا تقرر هذا فاجتهاد العلامة خارج على أقاويل العلماء في المسألة وقد قال ابن القطان: الرسالة: وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد أن يخرج على أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه وعما اختلفوا فيه أو في تأويله، فإن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم(([3])). انتهى.

وقال في مراقي السعود:

وخرقُه فامنع لقول زائد    
 

 

إذلم يكن ذاك سوى معاند
 

وقيل إن خرق ........
 

 

...........................

قال في نثر الورود: ومثال الخارق ما حكاه ابن حزم من حجب الأخ للجد فإن الصحابة اختلفوا في مسألة الإخوة والجد فمن قائل يقول الجد أب يحجب الإخوة ومن قائل هم سواء لأنهم يدلون بذات واحدة وهي أبو الميت فقد اتفق الكل على أن الجد غير محجوب فالقول الزائد بحجبه خرق للإجماع ومثال القول الذي لم يخرق: قول بعض العلماء بالرد بعيوب الزوجين كلها مع قول آخر أنه لا يرد بشيء منها فإذا أحدث الثالث برد بعض منها دون بعض لم يكن خارقا لأنه يوافق كلا من القولين في بعض، وقد يقول أهل القول الأول : كذلك خالف كلا من القولين في بعض([4]).

 إذا تقرر هذا  فالكل متفق على أن عمر وعليا  رضي الله تعالى عنهما لم يعطلا الحد الوارد به الحديث الصحيح المحكم لمجرد أنهما رأيا في تطبيقه مفسدة الافتتان والردة بل بعض العلماء استدل بمخالفتهما على الطعن في الحديث وبعضهم على نسخه وبعضهم على أن التغريب ليس بحد وإنما هو من باب السياسة والتعزير وبعضهم ضعف أثر علي و منع دخول تغريب الزاني في عموم أثر عمر وبعضهم سلك سبيل الترجيح فرجح الأثرين بل وبعضهم كابن الهمام صرح بنفي العلة التي علل بها العلامة ما زعم أنه  تعطيل من عمر وعلي رضي الله عنهما لحد التغريب.

إذا تقرر هذا فرأي العلامة خارج على الاجماع بالاجماع فهو مردود بالاجماع.

تذنيب:

قال الإمام الترمذي:

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم النفي رواه أبو هريرة و زيد بن خالد و عبادة بن الصامت وغيرهم عن النبي صلى الله عليه و سلم والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم منهم أبو بكر و عمر و علي و أبي بن كعب و عبد الله بن مسعود و أبو ذر وغيرهم. وكذلك روي عن غير واحد من فقهاء التابعين وهو قول سفيان الثوري و مالك بن أنس و عبد الله بن المبارك و الشافعي و أحمد و إسحق. انتهى كلام الترمذي.

قال في تحفة الأحوذي: قوله : ( وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النفي رواه [أبو([5])] هريرة إلخ )

وفي الباب أحاديث أخرى مبسوطة في تخريج الهداية للزيلعي والتلخيص الحبير وغيرهما

( والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر )

كما في حديث الباب وروى محمد في الموطإ بإسناده عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أن رجلا وقع على جارية بكر فأحبلها ثم اعترف على نفسه بأنه زنى ولم يكن أحصن ، فأمر به أبو بكر الصديق فجلد الحد ثم نفي إلى فدك . ومنهم عثمان رضي الله تعالى عنه فعند ابن أبي شيبة عن مولى عثمان أن عثمان جلد امرأة في زنا ثم أرسل بها إلى مولى يقال له المهدي إلى خيبر نفاها إليه .

( وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق )

وهو القول الراجح المعول عليه . وقد ادعى محمد بن نصر في كتاب الإجماع الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين . وقال ابن المنذر : أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله تعالى ثم قال : إن عليه جلدَ مائة وتغريب عام . وهو المبين لكتاب الله تعالى . وخطب عمر بذلك على رءوس المنابر وعمل به الخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد فكان إجماعا . وقال صاحب التعليق الممجد من العلماء الحنفية : وللحنفية في الجواب عن أحاديث النفي مسالك :

الأول القول بالنسخ ذكره صاحب الهداية وغيره وهو أمر لا سبيل إلى إثباته بعد ثبوت عمل الخلفاء به مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال .

والثاني: أنها محمولة على التعزير بدليل ما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا أغرب بعده مسلما . وأخرج محمد في كتاب الآثار وعبد الرزاق عن إبراهيم قال: قال ابن مسعود في البكر يزني بالبكر يجلدان وينفيان سنة . قال: وقال علي : حسبهما من الفتنة أن ينفيا فإنه لو كان النفي حدا مشروعا لما صدر عن عمر وعن علي مثله.

والثالث أنها أخبار آحاد ولا تجوز بها الزيادة على الكتاب ، وهو موافق لأصولهم لا يسكت خصمهم انتهى . قلت أما قول عمر رضي الله عنه : لا أغرب بعده مسلما فالظاهر أنه في شارب الخمر دون الزاني . وأما قول علي رضي الله عنه فرواه عنه إبراهيم النخعي وليس له سماع منه . قال أبو زرعة : النخعي عن علي مرسل . وقال ابن المديني : لم يلق النخعي أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال أبو حاتم لم يلق أحدا من الصحابة إلا عائشة ، ولم يسمع منها ، وأدرك أنسا ولم يسمع منه . كذا في تهذيب التهذيب . وأما قولهم بأنها أخبار آحاد ولا تجوز بها الزيادة ، ففيه أن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة المعتبرة عند الحنفية فيما ورد من السنة زائدا على القرآن فليس لهم معذرةٌ عنها بذلك ، وقد عملوا بما هو دونها بمراحل كحديث نقض الوضوء بالقهقهة وحديث جواز الوضوء بالنبيذ ([6]). انتهى بحروفه.

 والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وإلى بيان الشبه شبهة شبهة ونقضها عروة عروة

الشبهةالأولى:

قال في الندوة: وهذا – طبعا ليس تشجيعا لعدم تطبيق أحكام الشرع بل أنا من أشدكم حماسا لها عند توفر الشروط وقيام الأسباب وانتفاء الموانع 

لكن أريد أن أقول لكم شيئا جاء في حديث بسر بن أرطاة : لا تقطع الأيدي في الغزو. وهو حديث صحيح كما يقول ابن قدامة وغيره  

ما معنى ذلك يفسر لنا عمر ذلك : أن لا تجلدوا أميرا ولا رجلا من المسلمين حتى يجاوز الدرب قافلا لئلا يركبه الشيطان فيلتحق بالكفار.

هذا محل الاشكال هنا : ماهي حالة العالم اليوم أليس من الممكن أن يركبه الشيطان في بيته فيلتحق بالكفار  هذا إشكال أنا وضعته على العلماء في الكويت في يعني ندواتنا المختلفة فلْنحقق المناط لا أقل ولا أكثر لانمالئ ظالما ولا جائرا ولا نجامل أحدا بل فقط لا نتجاهل واقعا.

جواب الشبهة الأولى:

الجواب - وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب – على هذه الشبهة من وجهين الوجه الأول:  بيان أن هذه النصوص التي جاء بها العلامة في هذه الشبهة لا يمكن انطباقها على أراضي المسلمين اليوم ولا أمس ولا غدا ولا بعد غد وسأبين ذلك بيانا وافيا كافيا شافيا إن شاء الله سبحانه وتعالى.

الوجه الثاني: أنها فضلا عن كونها  لا يمكن انطباقها على أراضي المسلمين لم يقل بمقتضاها أو يعمل بها السواد الأعظم من علماء الأمة وتعارضها نصوص  أخرى يشهد لصحتها عمومات الكتاب والسنة وإطلاقاتهما لعدم الفرق في الحدود بين القريب والبعيد والمقيم والمسافر وفضلا عن كونها لا تنطبق على أراضي المسلمين قد طُعن فيها فمنها ما طعن فيه الإمام الشافعي ومنها ما طعن فيه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي  ومنها ما طعن فيه الإمام البيهقي والإمام يحيى بن معين والإمام أحمد بن حنبل حيث قال ابن معين إن بسر بن أرطاة الذي يدور عليه حديث  ( لَا تُقْطَع الْأَيْدِي فِي الغزو ) أو ( لَا تُقْطَع الْأَيْدِي فِي السَّفَر ) قال فيه: بسر بن أبي أرطأة رجل سوء. وقال أحمد لم يصحب وأنكر صحبته أهل المدينة وهم أدرى بصغار الصحابة  وبسر بن أرطاة من قال بصحبته قال إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير.

إذًا فهذه النصوص زيادةً على كونها لا تنطبق على بلاد المسلمين اليوم لم يقل ولم يعمل بمقتضاها السواد الأعظم من علماء المسلمين وزيادةً على هذا وذاك :

قد راب منها فقد عزوٍ مسند
 

 

إذا اقتصصنا نِسعها للوتد
 

وأن عندنا لها معارضا     
 

 

من النصوص عن أكابرَ رضى([7])
 

ثم إن حديث بسر بن أرطاة قد اختلف السواد الأعظم في تأويله وفي تعليل النهي عن قطع الأيدي في الغزو أو السفر الوارد فيه بعد إجماعه أعني السواد الأعظم على عدم العمل به.

  ثم إن هذه النصوص الواردة في هذه الشبهة لو أنها صحت وقال بمقتضا ها العلماء كلهم لما كان فيها دليل لدعاوي العلامة لأنها لا تنطبق على بلاد المسلمين ولنؤخر الكلام على الوجه الأول وهو عدم انطباقها على بلاد المسلمين اليوم ولنشرع في الوجه الثاني:

الوجه الثاني:

أما الوجه الثاني فقد قال الإمام السندي  في حاشيته على سنن النسائي:

- قَوْله ( لَا تُقْطَع الْأَيْدِي فِي السَّفَر )

وَجَاءَ فِي رِوَايَات الْحَدِيث فِي الْغَزْو وَهَذَا الْحَدِيث أَخَذَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَكْثَر الْفُقَهَاء فَقَالَ قَائِل الْحَدِيث ضَعِيف وَقَالَ قَائِل الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي غَزْو أَيْ فِي غَنِيمَة لِأَنَّهُ شَرِيك بِسَهْمِهِ فِيهِ وَقِيلَ هَذَا إِذَا خِيفَ لُحُوق الْمَقْطُوع يَده بِدَارِ الْحَرْب وَاَللَّه أَعْلَم ([8]).انتهى.

 وقال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير :

(لا تقطع الأيدي في السفر) أي سفر الغزو بدليل الرواية الأخرى "في الغزو" بدل السفر يعني لا تقطع إذا سرق من الغنيمة لأنه شريك بسهمه [فيه([9])] وكذا لو زنى لا يحد وحمله بعضهم على العموم لأنه قال مخافة أن يلحق [المقطوع ([10])] بالعدو فإذا رجعوا قطع. وبه أخذ الأوزاعي وأجراه في كل حد قال ابن العربي : وهذا لا أعلم له أصلا في الشرع وحدوده تقام على أهلها وإن كان ما كان وتبعه الحافظ ابن حجر فقال : هذا يعارضه خبر البيهقي أقيموا الحدود في السفر والحضر على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم انتهى([11]).

وقال أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي البستي  في شرحه سنن أبي داود (معالم السنن ) قال: ومن باب الرجل يسرق في الغزو أيقطع

قال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني حيوة عن عياش بن عباس القِتْباني عن شييم بن بيتان ويزيد بن صبح الأصبحي عن جنادة بن أبي أمية قال كنا مع بسر بن أرطاة في البحر فأتي بسارق يقال له مِصْدَر قد سرق بُختية فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تقطع الأيدي في السفر ولولا ذلك لقطعته.

قلت يشبه أن يكون هذا إنما سرق البختية في البر ورفعوه إليه في البحر فقال عند ذلك هذا القول.

وهذا الحديث إن ثبت فإنه يشبه أن يكون إنما أسقط عنه الحد لأنه لم يكن إماماً وإنما كان أميراً أو صاحب جيش وأمير الجيش لا يقيم الحدود في أرض الحرب على مذاهب بعض الفقهاء إلاّ أن يكون الإمامَ أو يكون أميراً واسع المملكة كصاحب العراق والشام أو مصر ونحوها من البلدان ، فإنه يقيم الحدود في عسكره وهو قول أبي حنيفة.

وقال الأوزاعي لا يقطع أمير العسكر حتى يقفل من الدرب فإذا قفل قطع وأما أكثر الفقهاء فإنهم لا يفرقون بين أرض الحرب وغيرها ، ويرون إقامة الحدود على من ارتكبها كما يرون وجوب الفرائض والعبادات عليهم في دار الإسلام والحرب سواء([12]). انتهى .

وقال الإمام الحافظ زين الدين عبد الرؤوف المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير – وهو مختصر شرحه: فيض القدير قال:

( لا تقطع الايدي في السفر ) أي سفر الغزو مخافة أن يلحق المقطوع بالعدو فاذا رجعوا قطع وبه قال الاوزاعي والجمهور على خلافه ( حم([13]) والضياء عن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة ( ابن أبي ارطأة ) وبسر رجل سوء لكن الاسناد جيد.([14])

وقال الإمام الترمذي:

باب ما جاء أن لا [تقطع([15])] الأيدي في الغزو

- حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عياش بن عباس عن شييم بن بيتان عن جنادة بن أبي أمية عن بسر بن أرطاة قال : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول لا [تقطع([16])] الأيدي في الغزو

 قال أبو عيسى هذا حديث غريب وقد روى غير ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا ويقال بسر بن أبي أرطأة أيضا والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه. كذلك قال الأوزاعي

قال في تحفة الأحوذي : قوله : ( عن عياش بن عباس ) الأول بفتح العين المهملة والياء التحتية المشددة والثاني بالموحدة المشددة وبالسين المهملة قال الحافظ ثقة ( عن شييم )

بكسر أوله وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها ( بن بيتان ) بلفظ تثنية بيت القتباني المصري ثقة من الثالثة قاله الحافظ . وفي المغني شييم بكسر معجمة ويقال بضمها وفتح تحتية أولى وسكون الثانية ( عن جنادة ) بضم الجيم وفتح النون الخفيفة ( بن أبي أمية )    بضم الهمزة مصغرا الأزدي الشامي ومن ثقات التابعين. قوله : ( كذلك قال الأوزاعي )                                            

قال العزيزي في شرح الجامع الصغير والجمهور على خلاف ما قال به الأوزاعي انتهى . وقال التوربشتي : ولعل الأوزاعي رأى فيه احتمال افتتان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب أو رأى أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلى الغزو لم يتمكن من الدفع ولا يغني عنا فيترك إلى أن يقفل الجيش . قال القاضي : ولعله عليه الصلاة والسلام أراد به المنع من القطع فيما يؤخذ من المغانم انتهى . قال الشوكاني : ولا معارضة بين الحديثين يعني حديث بسر بن أرطاة وحديث عبادة بن الصامت المذكورين لأن حديث بسر أخص مطلقا من حديث عبادة فيبنى العام على الخاص ، وبيانه أن السفر المذكور في حديث عبادة أعم مطلقا من الغزو المذكور في حديث بسر ؛ لأن المسافر قد يكون غازيا وقد لا يكون . وأيضا حديث بسر في حد السرقة وحديث عبادة في عموم الحد.([17]) انتهى .

  وقال الإمام القرطبي:واختلفوا في قطع اليد في السفر ، وإقامة الحدود في أرض الحرب ؛ فقال مالك والليث بن سعد : تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق بين دار الحرب والإسلام. وقال الأوزاعي : يقيم من غزا على جيش - وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار - الحدود في عسكره غير القطع. وقال أبو حنيفة : إذا غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره ، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره. استدل الأوزاعي ومن قال بقوله بحديث جنادة بن أبي أمية قال : كنا مع بسر بن أرطأة في البحر ، فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لا تقطع الأيدي في الغزو" ولولا ذلك لقطعته. بسر هذا يقال ولد في زمن النبي صلى الله عليه. وسلم ، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه ، وهو الذي ذبح طفلين لعبدالله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها ، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله ، فكان كذلك. قال يحيى بن معين : كان بسر بن أرطأة رجل سوء. استدل من قال بالقطع بعموم القرآن ؛ وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود : مخافة أن يلحق ذلك بالشرك. والله أعلم([18]).

وقال الإمام البيهقي في معرفة السنن والآثار: إقامة الحدود في أرض الحرب

أخبرنا أبو عبد الله ، وأبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي قال : قال أبو يوسف : حدثنا بعض أشياخنا ، عن مكحول ، عن زيد بن ثابت ، أنه قال : " لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو."

 قال : وحدثنا بعض أشياخنا ، عن ثور بن يزيد ، عن حكيم بن عمير ، أن عمر كتب إلى عمير بن سعد الأنصاري وإلى عماله ، أن " لا يقيموا حدا على أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة " قال الشافعي : لا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام فيما أوجب الله على خلقه من الحدود واحتج بالآيات التي وردت في حد الزاني ، وقطع السارق ، وجلد القاذف ، لم يستثن من كان في بلاد الإسلام أو بلاد الكفر وقال في رواية أبي سعيد وحده في موضع آخر : وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد بالمدينة ، والشرك قريب منها ، وفيها شرك كثير موادعون ، وضرب الشارب بحنين والشرك قريب منه ، وبسط الكلام في ذلك . وقال في روايتهما : فأما قوله : يلحق بالمشركين ، فإن لحق بهم فهو أشقى له ومن ترك الحد خوف أن يلحق المحدود ببلاد المشركين تركه في سواحل المسلمين ومسالحهم([19]) التي تتصل ببلاد الحرب وما روي عن عمر بن الخطاب ، مستنكر ، وهو يعيب أن يحتج بحديث غير ثابت ، ويقول : حدثنا شيخ ، ومن هذا الشيخ ؟ ويقول : مكحول ، عن زيد بن ثابت ، ومكحول لم ير زيد بن ثابت. قال أحمد : واحتج بعضهم بحديث بسر بن أبي أرطأة ، أنه أتي بسارق وقد سرق بختية ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تقطع الأيدي في السفر " ولولا ذلك لقطعته وهذا إنما يروى بإسناد شامي عن بسر وكان أهل المدينة ينكرون أن يكون بسر سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وكان يحيى بن معين يقول : بسر بن أبي أرطأة رجل سوء. قال أحمد : وذلك لما قد انتشر من سوء فعله في قتال أهل الحرة قال أحمد : وروينا عن عبادة بن الصامت ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " أقيموا حدود الله في السفر والحضر ، على القريب والبعيد ، ولا تبالوا في الله لومة لائم " وذلك فيما رواه أبو داود في المراسيل بإسناده ، عن مكحول ، عن عبادة ، وهو بمعناه في تاريخ يعقوب بإسناد موصول ذكرناه في كتاب السنن وروينا عن أبي عبيدة بن الجراح ، أنه كتب إلى عمر في إقامة الحد على عبد بن الأزور ، وضرار بن الخطاب ، وأبي جندل ، وكانوا قد شربوا ، وكان ذلك بحضرة العدو ، فسأله عبد بن الأزور أن يؤخر ذلك حتى يرجع الكتاب ، ولعل الله أن يكرمهم بالشهادة ، فقتل عبد بن الأزور حين التقى الناس قبل أن يرجع الكتاب ، فلما رجع حدهما([20]).انتهى.

وقال في السنن الكبرى: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق أخبرنا عبد الله بن صالح قال : كان الليث يرى أن يقيم الحد في أرض الروم لأن الله عز و جل يقول: { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا }([21])

وقال في السنن الصغرى : باب إقامة الحدود في دار الحرب وتحريم الربا فيها  

 قال الشافعي رحمه الله : ' قد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد  بالمدينة ، والشرك قريب منها ، وفيها شرك كثير موادعون ، وضرب  الشارب بحنين والشرك قريب منه .

 قال الشيخ : وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي  عبيدة بإقامة الحد على أبي جندل وصاحبيه في شرب الخمر ، وكانوا  بإزاء العدو.

وروينا عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :  ' أقيموا الحدود في الحضر والسفر

وحديث بسر بن أبي أرطاة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ' لا تقطع  الأيدي في السفر ' . غير ثابت ، وبسر بن أبي أرطاة لم تثبت له صحبة ،  ولقد أساء الفعل في قتال أهل الحرة ، ولذلك قال يحيى بن معين :  ' بسر بن أبي أرطأة رجل سوء '.([22])انتهى الغرض منه.

قال جامعه:ومن هذه النصوص ومن قول الإمام الشافعي:فإن لحق بالعدو فهو أشقى له ومن قوله: ومن ترك الحد خوف أن يلحق المحدود ببلاد المشركين تركه في سواحل المسلمين ومسالحهم التي تتصل ببلاد الحرب.من هذا كله ننقض على بقية فلول هذه الشبهة انقضاض الأجدل:فهي صريحة في أن هذه النصوص التي جاء بها العلامة  في هذه الشبهة لا يمكن انطباقها على أراضي المسلمين اليوم وهذا هو  الوجه الأول  من وجهي الجواب عن هذه الشبهة فالإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه يقدح هنا في علة من علل عدم إقامة الحدود بأرض الحرب بخوف لحاق المحدود ببلاد المشركين يقدح في هذه العلة بتخلف الحكم عنها ، وهذا القادح من قوادح العلة يسميه الأصوليون "النقض" والقدح به هو مذهب الشافعي وجل أصحابه وكثير من المتكلمين وإليه أشار في المراقي بقوله :

منها وجود الوصف دون الحكم    سماه بالنقض وعاة العلم

والمراد بالوصف العلة، ووجه القدح في العلة  بـ"النقض": أن العلة تستلزم الحكم فلا بد أن يثبت معها في كل صورة فإذا وجد الوصف وحده دون الحكم علمنا أنه ليس علة له، ولا شك في تخلف الحكم هنا وهو عدم الحد مع وجود العلة وهي سهولة الالتحاق بالكفار في بلاد المسلمين الملاصقة لبلاد الكفار لاشك في تخلفه إجماعا ودونك مستند ذلك الإجماع:

 قال بن قدامة في المغني:

فصل : وتقام الحدود في الثغور بغير خلاف نعلمه لأنها من بلاد الإسلام والحاجة داعية الى زجر أهلها كالحاجة الى زجر غيرهم وقد كتب عمر الى أبي عبيدة أن يجلد من شرب الخمر ثمانين وهو بالشام وهو من الثغور([23]). انتهى ونحوه في الشرح الكبير لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن قدامة المقدسي([24])  حرفا بحرف.

 وبهذا الإجماع على إقامة الحدود - والعلةُ وهي إمكان وسهولة الالتحاق بالكفار قائمة- تعلم سقوط ما احتوت عليه  هذه الشبهة أعني قولها:

((ماهي حالة العالم اليوم أليس من الممكن أن يركبه الشيطان في بيته فيلتحق بالكفار )) ((وقدْ عُلم حرصُ الشارعِ علَى هدايةِ الناسِ، وأنَّ الإبقاءَ على المسلمِ فِي دائرةِ الإسلامِ أولَى مِن تطبيقِ العقوبةِ عليهِ وافتتانِه)) وتعلم سقوط قول هذه الشبهة: ((ومعنى ذلك أن المجتهد اعتبر المقصد مخصصاً لعموم النص فهو في قوة الاستثناء فكأن الشارع يغرب سنةً إلا إذا خيف كفره))

نعم بهذا الإجماع تعلم سقوط هذا الكلام في هاوية الاجتهاد الخارق للإجماع وبذلك يصطدم  مع قادح من قوادح القياس يسميه الأصوليون فساد الاعتبار،

وهو أن يخالف القياس النص أو الإجماع، وإليه أشار في المراقي بقوله:

والخلف للنص وإجماع دعا
 

 

فساد الاعتبار كل من وعى
 

فليحذر المجتهدون اليوم وليتثبتوا وليتحروا فإجماع المسلمين يناديهم:

يا عَمْرُو لو نالَتْك أَرْماحُنا          
 

 

كنتَ كمَنْ تَهْوي به الهاوِيَهْ.
 

وإن أردت مزيدا من الانقضاض على فلول هذه الشبهة وأنت في غنى عنه؟  

فقد صرح ابن الهمام بأن الحد لا يحلُّ تركَه الكفرُ واحتج على ذلك بقول عمر للمؤلفة قلوبهم : حين فهم انتهاء حكمهم وهم أهل شوكة: الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ومنعهم وسياتي أن الصحابة رضوان الله عليهم  قد أقروا عمر رضي الله عنه

 

([1]) - التقرير والتحبير الطبعة السابقة – ج: ص: 355- 356.

([2]) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين الدين ابن إبراهيم المشهور بابن نجيم الحنفي،  الطبعة الأولى بالمطبعة العلمية (بدون تأريخ) -ج 5 ص: 11.

([3]) الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان في كلامه على الإجماع ج 1 ص 135- 136 طبعة دار القلم.

([4])- نثر الورود على مراقي السعود شرح الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي صاحب أضواء البيان تحقيق وإكمال تلميذه الدكتور محمد ولد سيد ولد حبيب الشنقيطي . الناشر محمد محمود محمد الخضر القاضي ، توزيع دار المنارة للنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى :1415ه – 1999م ص 434

([5]) - الذي في الأصل:[أبي]                                                            

([6]) -  تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للإمام الحافظ أبي العلاء محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (1283-1353ه)طبعة دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى- 1410ه – 1990م  الجزء الرابع – ص: 592- 593.

([7]) - البيتان للأديب الشاعر المؤرخ العالم المختار بن حامد رحمه الله تعالى.

([8])- سنن النسائي المسمى بالمجتبى بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي  المتوفى 911 وحاشية الإمام السندي 1038طبعة دار الفكر 1415ه- 1995م الجزء الثامن  ص 95

- ([9]) كذا في الأصل ولعلها [فيها] أو لعل الضمير يعود على الغزو.

([10]) - الذي في الأصل: [المتطوع] ولا يخفى أن الناسخ أو الطابع أبدل القاف تاء. والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

([11]) - - فيض القدير – ج:6 – ص416 – الطبعة السابقة.

([12]) - معالم السنن [ وهو شرح سنن أبي داود ]المؤلف : أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي البستي (288 هـ) الناشر : المطبعة العلمية – حلب - الطبعة الأولى 1351 هـ - 1932 م الجزء 3 ص  311- 312

 

([13]) - (حم) يشير بها لأحمد في مسنده.

([14]) - كتاب التيسير بشرح الجامع الصغير للشيخ عبد الرؤوف المناوي طبعة عتيقة بدون ذكر ناشر ولا تأريخ – ج:2 - ص:497. حرف "لا"

 

([15]) - الذي في الأصل :يقطع.

([16]) - الذي في الأصل[ يقطع].

([17])  - تحفة الأحوذي الطبعة السابقة الجزء الخامس – ص:9-10-11.

([18]) - الجامع لأحكام القرآن لأبي  عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي – طبعة دار الكتب العلمية – الطبعة الأولى 1408هـ -1988م ج :6- ص:111      

([19]) -  ( والمسْلَحة ، بالفتح ) : مثلُ  ( الثَّغْر ) والمَرْقَب ، وجمعُه المسَالِحُ ، وهي مواضعُ المخافةِ . وفي الحديث : ( كان أَدْنى مسالحِ فارِس إِلى العَرَب العُذَيْب ) .تاج العروس

([20]) - معرفة السنن والآثار المؤلف : أحمد بن الحسين البيهقي شهرته : البيهقي المحقق : عبد المعطي أمين قلعجي دار النشر :جامعة الدراسات الإسلامية + دار والوعي + دار قتيبة البلد : كراتشي بباكستان + حلب + دمشق الطبعة : الأولى سنة الطبع : 1412هـ ، 1991م عدد الأجزاء : 15، ج: 13 ، من ص: 272.

 

([21]) - السنن الكبرى للبيهقي - الطبعة السابقة – ج: 9 – ص: 197

 

([22]) - : السنن الصغير لإمام المحدثين الحافظ الجليل أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة شهرته : البيهقي المحقق : عبد المعطي أمين قلعجي دار النشر : جامعة الدراسات الإسلامية البلد : كراتشي ـ باكستان الطبعة : الاولى سنة الطبع : 1410هـ ، 1989م، ج :3 ، ص:402- 403.

([23]) - لمغني الطبعة السابقة – ج: 10 – ص:530.                 

([24]) - الشرح الكبير المؤلف : شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الامام العالم العامل الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي) المتوفي سنة 682 هـ