هوامش على مغالطات وزير التعليم العالي المختار بن باب

أربعاء, 29/04/2015 - 15:53

-1- منذ سنوات تناقص اهتمامي كثيرا بما يبثه التلفزيون الرسمي، حتى إنه يمكنني القول -دون مبالغة- إن عدد الساعات التي أقضيها سنويا في متابعة "الموريتانية" أصبح يعد على أصابع اليد، هذا إذا كان يبلغ درجة أقلِّ الجمع أصلا! لعل السبب في هذا يعود إلى أنني تابعت في سني عمري الفارطة على هذه الشاشة من المشاهد المكرّرة والأحاديث المعادة ما كفاني، وزهّدني في ما يمكن أن تعرضه من جديد إن كان ثَمّ جديد حقا!

 

 

غير أنني البارحة اضطررت إلى متابعة حلقة برنامج "في الميزان" التي استضافت وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور سيدي ولد سالم، أو -على الأصح- جانبَها المتعلق بالطلبة المبتعثين إلى الخارج، وذلك بحكم أنني معني -كأي طالب موريتاني بالخارج- بأجوبة الوزير على التساؤلات المطروحة حول قراره الأخير بإلغاء نتائج اجتماع لجنة المنح، وتصوراته عن حلول المشاكل الكثيرة التي يعاني منها الطلاب الموريتانيون في الخارج. وكانت المفاجأة -غير السارة- أن حليمة لم تتخلّ عن عاداتها القديمة أصلا حتى تعود لها أو لا تعود! فجاءت الحلقة نسخة طبق الأصل من حلقات سابقة مع وزراء سالفين في "عهود بائدة"!

 

بدا الصحفي بلا دور في الحلقة إلا إقالة عثرات الوزير وما أكثرها! قبل أن يحاول تجاوز الأسئلة التي طرحها ممثلو الطلاب بحجة أنه سبق التعرض لها. والحقيقة أن هذا غير دقيق، فظروف الطلاب في الخارج تختلف عن ظروف إخوتهم في الداخل، ذلك أنهم هم المستهدفون أساساً بقرار الإلغاء، حسب الوزير نفسه الذي ما فتئ يؤكد أن سبب القرار هو أن اللجنة خالفت سياسة الدولة بـ"ـتجفيف منابع" الابتعاث إلى الخارج، تلك السياسة التي احتفظت بها "الدولة" (ذلك الكائن الهلامي!) لنفسها، ولم تبح بها حتى للوزير الوصيّ على القطاع واللجنة المكلفة بالملف. لا يفوتني، قبل أن أخلُص لنقاش ردود الوزير وما سكت عنه، أن أنبه إلى أن أيدي "الإخوة في الغرفة الفنية" قد عبثت بمداخلات ممثلي الطلاب فأوردتها مجتزأة مبتورة، وذلك لتتناصف مع ردود الوزير عشرَ دقائق هي التي خُصِّصت -من أصل ساعتين- لنقاش مشاكل الطلاب الموريتانيين في الخارج!

 

 

 -2- ظهر الوزير مرتبكا ومتشنجا لا يجد ردّاً على مطالبة الطلاب بالتراجع الفوري عن قراره، والكفِّ عن التدخل في عمل اللجنة الوطنية للمنح، إلا طرحَ سؤال استنكاري سمجٍ: "انتوم أثركم أعضاء في اللجنة؟!"، هذا السؤال الذي يُذكِّر بسؤال سيده في لقاء أداره نفس الصحفي وربما أشرفت عليه نفس "الغرفة الفنية": "انت ش امكلمك؟!..."، ولا عجب أن يتشنّج الوزير إذا كان رب البيت ضيق الأفق والعطن! نعم، سيدي الوزير، الطلاب ممثلون في اللجنة، وحتى لو لم يكونوا ممثلين فيها لجاز لهم التنديد بتدخلكم الفج في قراراتها التي تعني الطلاب قبل أي أحد آخر. واصل الوزير ارتباكه المتدثر بثوب الكبرياء، محذرا الطلاب من أنه لا يخاف تلك "العنتريات". من الذي جاء على ذكر الخوف؟!... العقل الباطن للسيد الوزير!

 

 

 ثم اجترّ السيمفونية التي حفظها الجميع من أن إخلالات حصلت في التحضير لاجتماع اللجنة، وأنه تم تخفيض العتَبة تم دون إعلان ذلك للطلاب ما حرم أولئك الذين لم يتقدموا بملفاتهم لقنوطهم من نيل المنحة حسب العتبة المعتادة خلال الأعوام الماضية. والحقيقة أن هذه كلمة حق أُريد بها باطل، وبيان ذلك من عدة أوجه: - أن الأصل في العتبة أن تتغير كل عام، تبعا للغلاف المالي المخصص للمنح، ولعدد المتقدمين لنيل المنح.

 

 - أن سياسة الوزارة خلال الأعوام الماضية، والتي دأبت على احتساب العتبة سبعَ نقاط وإرجاع مئات الملايين (ليس في الرقم أي مبالغة!) إلى خزينة الدولة، وحرمان مئات الطلبة من المنحة= هي المتسببة في هذا اليأس، وبالتالي عدم تقديم الملف لهذه السنة. - أن اللجنة احتسبت خمس نقاط عتبةً خلال عامها الأول، ولم تقع السماء على التراب! –

 

 أنه لو كان هذا هو الهدف من القرار، لتمَّ اعتماد نتائج اللجنة وفتح التظلمات أمام الملفات الأخرى، وهو ما لم يحدث مما يدل على نية مبيتة لإعادة الأمور على ما كانت عليه! الحجة الثانية التي قدمها الوزير هي كثرة ما تنفقه الدولة على المبتعثين مقارنة بإخوتهم في الداخل، وأن الطلاب المستفدين من هذه المنحة لا يحصلون عليها بتفوقهم، وإنما تجشموا عناء الذهاب إلى الخارج، والتسجيل والدراسة على نفقة ذويهم (شكر هنا الوزير للأهالي إنفاقَهم على أبنائهم!!!). وهذه أيضا باطلة من نواح، أولاها: أن المقارنة بين طلاب الداخل والخارج متعسفة، وهي قياس مع الفارق، لتباين المشاكل المطروحة كمّاً وكيفاً، وظروف الغربة، وقسوة التكاليف المعيشية ومصاريف الدراسة.

 

وثانيتها: أنه أغفل أن نسبة كبيرة من المتقدمين لهذه المنحة، هم من الممنوحين الذين قطعت منحهم بعد أن أكملوا السلك الذي ابتعثوا لدراسته (ليصانص، ماستر)، وهو أمر طالما نبهنا عليه، واعتبرناه ثغرة كبيرة في نظام التنقيط المعتمد. ثالثتها: أن تجشم الطلاب عناء السفر ومشاقَّ البحث عن التسجيل أدعى لمنحهم.

 

بقي أن نتساءل عن البديل الذي تقدمه "الدولة" في ظل سياسة "تجفيف منابع" الدراسة في الخارج، خصوصا إذا نظرنا للمشاكل المتزايدة التي يعاني منها التعليم العالي محليا! بعد هذه الحجج المهلهلة، تجاوز الوزير كل الإشكالات المحورية الأخرى، ليجيب عن سؤال هامشي طرحه منعش اللقاء عن قضية توحيد الاسم التي تكفي ورقة من السفارة لحلها. وهكذا، لم يجبنا الوزير عن الثغرات الموجودة في نظام التنقيط المعتمد، كعدم تحيين النظام وتكلسه منذ عدة سنوات، وظلمه للتخصصات الإنسانية، وقطع منح الطلاب بعد إنهاء سلك دراسي واحد... إلخ. كما لم يجبنا عن جدوائية تخصيص غلاف مالي للمنح في الميزانية، إذا كانت مئات الملايين ستعاد نهاية العام للخزينة! ولم يجب كذلك عن المشاكل الإدارية التي يواجهها الطلاب والتي عرضها رؤساء النقابات خلال مداخلاتهم. الوزير لا يمكن أن يجيب على هذه الأسئلة، لأنها مظهر من مظاهر لا منطقية سياسة "موريتانيا الجديدة"، التي تُعلي من شأن التخصصات المهنية والحرفية و"الميكانيكية" على حساب التخصصات الإنسانية (من الشعر حتى الاقتصاد!)، والتي تُحرّم إنفاق الأموال في وجهها الذي رُصدت له، وقانا الله شُحّ الأنفس! –

 

3- من المثير للتساؤل والحيرة، أن تصريحات الوزير هذه جاءت مناقضة كليا لما صدر عن مسؤولين في وزارته بشأن التراجع عن قرار الإلغاء. فإما أن الوزير لا يعلم أن سياسة "الدولة" تغيرت، وإما أن مستشاريه قوم تَيْمِيُّون "لا يُستأمرون وهم شهود!"، بل ولا يُعلَمون بالقرارت حتى؛ وكلا الأمرين شر مستطير، ولكنه طبيعي جدا في "موريتانيا الجديدة". أما نحن طلابَ الخارج، فقوم لا نسكت عن حقوقنا، ولا نعطي الدنية فيها، صُبرٌ في سوح النضال، قد حزمنا أمرنا فلا تراجع، ولا تخلٍّ عن نقير واحد من حقوقنا، وليعلمنّ الوزير وسيده نبأنا في الأيام القادمة! وقد أعذر من أنذر!