عاصفة الحزم...."حرب كفاية"

اثنين, 27/04/2015 - 18:33
بقلم: الوزير الموريتاني الأسبق المختار ولد داهي

 أعجبني اهتمام النخبة الموريتانية  من علماء أجلاء و ساسة  بارزين و مفكرين أفذاذ ،....بما هو حادث في "اليمن الأم" ( حتى لا أقول الشقيق حيث يتداول عليى نطاق واسع أن كثيرا من الموريتانيين- عربا و زنوجا- تنمي أصولهم إلي يمن الحكمة).

 

 و سرني أكثر انحياز أغلب النخب الدينية و الفكرية و السياسية إلي دعم عاصفة الحزم باعتبارها حزما لو لم يؤخذ به لضاعت الجزيرة العربية و هلك العرب وتجددت فتنة داخلية  عامة و عارمة بين المسلمين شبيهة بما عرفته  أوروبا  المسيحية خلال الحروب الدينية  و حروب الثلاثين عاما  في القرن السابع عشر.

 

 كأنما نريد نحن و يراد لنا أن يظل بيننا و بين الغرب فرق أربعة قرون من الحضارة و التحكم في "إدارة التنوع و الاختلاف". و ليعلم الجميع أن " التحكم في إدارة التنوع البيني و الاختلاف مع الغير " هو لعمري مناط تقدم الغرب و تخلف العرب و المسلمين فهل من مدكر   ...و من أراد إصلاح شؤون العرب و المسلمين فبهذا فليبدأ أو ليعلم بأنه أخطأ موطن الوجع.

 

اهتمام النخب الموريتانية بالشأن اليمني  أحسبه في محله فما كان لنا كشناقطة بما في الكلمة من حمولة الموروث العلمي  و التجديدي و الاجتهادي و الجهادي...الذي تركه الشناقطة الرواد أن نتخلف عن الشؤون الجوهرية للأمة الإسلامية.

 

ومن الأكيد أن استيلاء " الحوثيين و أصحابهم" علي السلطة في اليمن و محاولة استيراد النموذج السياسي المؤسس علي " الإقصاء الطائفي"و ما تبعه من انتعاش لافت لتنظيم " القاعدة و أخواتها" المعروف بالانحراف الفكري و العملي هو  من الشواغل الجوهرية للأمة التي تستدعي هبة إسلامية قوية لتطبيع المشهد السياسي اليمني حفاظا علي اليمن الغالي و تأمينا للمنطقة كلها من حالقة " الغلو الفكري  و الإقصاء الطائفي".

 

لذلكم فإني أعتبر الموقف السعودي في إطلاق عاصفة الحزم بالسرعة و السرية التي حصلت لوقف تمدد الحوثيين و استعادة الشرعية السياسية و العودة إلي مربع ما قبل احتلال صنعاء  أي مربع "قابلية المفاوضات السياسية" سبيلا أوحد لاسترجاع الأمن و الاستقرار؛ أعتبره أمرا بالغ الحكمة و التوفيق و لو لم يتم لكان الحديث اليوم جاريا ليس عن اليمن بل ربما – لا قدر الله- عن دول أخري من منطقة الخليج العربي لا تمثل الأقلية الطائفية فيها أكثر من العشر أو أدني من ذلك.

 

و لا يحسبن قارئ أن لدي مشكلة مع الشيعة عموما – فأنا سني سمح منفتح  وعذار وموقفي من مذاهبهم يتناسب تناسبا  طرديا مع تباين أفكارهم في المعتقد مع أهل السنة- بل إني أنتمي إلي وسط اجتماعي ثبت عنه  حتي يوم الناس هذا أن كل فرد فيه شيعي القلب يما يشبه ظاهرة قد يحسن تسميتها " بالتشيع السني" و ما  ذلك  إلا من فرط حبه و تقديسه لآل البيت- وهي ربما أولي المناقب التي يفاخر بها الأمم الأخري-. لا مشكلة لدي  إذن مع الشيعة و إنما مشكلتي مع غلاة الشيعة الاستئصاليين و مع "سياسة تصدير النموذج" بالقوة أو بالعمل الاستخباراتي.

و الآن وبعد مرور أسابيع علي بدء عاصفة الحزم و اتخاذ مجلس الأمن الدولي قرارا مؤسسا علي الفصل السابع  من ميثاق الأمم المتحدة باستعادة الشرعية السياسية كشرط لانطلاق مفاوضات سياسية بين الأطراف اليمنية فإني أعتبر أن عاصفة الحزم كانت بمثابة " حرب كفاية" اضطلع بها السعوديون نيابة عن العرب و المسلمين و عن المجتمع الدولي و يجب أن تتواصل إلي حين استيفاء شروط المجتمع الدولي و إن كان ينبغي  الآن أن تنتقل تدريجيا إلي مهمة أممية تكون قوات التحالف الذي تقوده العربية السعودية عمودها الفقري.

و في المقابل فإن  مسار الحكمة و التسهيل ينبغي أن يتواصل من أجل تقارب وجهات النظر بين أطراف الصراع اليمني و لعل مما يساعد علي ذلك تنقية الحقل الإعلامي و السياسي و الديني في الفضاء العربي و الإسلامي من قاموس السب و الشتم المتبادل بين غلاة السنة وطغاة الشيعة الذي تحرضه دوائر الاستخبارات العالمية التي لا تريد خيرا و لا استقرارا للعالم العربي و الإسلامي.

 

و التعويل كبير في تلك التهدئة و طهارة الخطاب علي علماء المسلمين شيعة و سنة و مفكريهم إسلاميين أو علمانيين الذين يجب عليهم – فرض عين لا فرض كفاية- أن  يحتلوا المجال الإعلامي و يوفروا البدائل لعامة الناس و طبقاتهم الوسطي  التي تبين القواسم و المصالح المشتركة و تقلل من شأن مساحات الاختلاف و تحرم دماء و أعراض المسلمين تحريما باتا مغلقا لا يحيد عنه إلا مجرم معلوم الانحراف و ترسي دعائم نظام ديمقراطي مؤسس علي التسامح وقبول الآخر و الاحتكام إلي قواعد قانونية توافقية.

 

و في المجمل فإن  تقديري  أن العالم العربي و الإسلامي هو أحوج اليوم من أي وقت مضي إلي مراجعات فكرية كبري- دون أن يكون ذلك انتقاصا من التراث الفكري السياسي و إنما محاولة للمواءمة و التجديد   و التكيف مع مخاطر الوقت- يقودها  مفكرون كبار مصلحون مجتهدون و جريئون من السنة و الشيعة و من غير المصنفين طائفيا و أضع خطين تحت كلمة جريئون؛ مراجعات تفضي إلي "عقد إسلامي مدني" حول إشكالية التعايش و التسامح و " الاختلاف بإحسان"؛ عقد يحدد بأسلوب عصري و بلغة يفهمها جيل وسائط التواصل الاجتماعي و الرسائل القصيرة مبادئ و طرائق التعايش بين الإسلام و الآخر  و كذا ضوابط التعايش بين المذاهب و الطوائف الإسلامية فيما بينها بعيدا عن لغة  العنف و صناديق الذخيرة و تغليبا لمنطق اللطف و صناديق الاقتراع.