هل يصير دمي بين عينيك ماء؟ المحامي محمد المامي ولد مولاي اعل

سبت, 25/04/2015 - 16:18

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ذ/ محمد المامي ولد مولاي علي

ممثل هيئة المحامين الموريتانيين

       السيد الرئيس، السادة أعضاء اللجنة الموقرة

       الحضور الكريم

       في شتاء سنة 2013 زرت حيا من أحياء نواكشوط، حيث تقطن طفلة تدعى اليمامة، وجدتها تركض وتركض، مبتسمة يشع الأمل من عيونها، سألتها عن أبيها فقالت: سوف يعود إذا حل الخريف.

       قبل أيام عدت لنفس الحي، فوجدت اليمامة بالبسمة ذاتها، وهي تركض وتركض، فسألتها عن أبيها فقالت: سوف يعود إذا حل الخريف...، فمتى يحل خريف اليمامة ياترى؟ متى يحل خريف اليمامة؟

       السيد الرئيس، السادة أعضاء اللجنة الموقرة

      الحضور الكريم

      لا أحد منكم كان حاضرا يوم قال لها اعتني بواجباتك المدرسية حتى تتفوقي على أقرانك،  واظبي على تنظيف أسنانك قبل النوم، وسأعود لك ببعض الحلوى.. هكذا ودع محمد ابنته اليمامة ذات الست سنوات، وهي إلى اليوم في انتظار عودته، في انتظار حضنه، في انتظار بعض الحلوى، غير عابئة بشيء وهي تلهو مع أقرانها بلعبة القفز على الحبل، ولا أحد يجرأ على مجابهتها بالحقيقة، لا أحد يجرأ على إخبارها أن أباها محمد لن يعود، لأنه قتل مع خمسة عشر من رفاقه، قتلوا بدم بارد، وطوي ملفهم بيد باردة، دون أن يكون لهم ذنب أو شبه ذنب، لا أحد يجرأ على إخبارها أنها واحدة من عشرات اليتامى والثكالى والأيامى المفجوعين، الذين عبثت أيادي الغدر الآثمة بأرواح آبائهم وإخوانهم وأزواجهم.

      فقد أعد محمد مع بعض رفاقه رحلة لحضور مؤتمر بباماكو، يهدفون من وراءه لنشر ثقافة السلم والمؤاخاة والتسامح بين المسلمين، ما كانوا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، غادروا نواكشوط في سيارة نقل عادية، ومرت الرحلة بسلام إلى أن وصلوا قرية فصالة الحدودية، و بها اقتنوا سيارة لنقلهم إلى باماكو.. لا مشكلة حتى الآن.

      في الطريق لاحظوا أن سائق السيارة يكثر التذمر والشكوى من الحمولة الزائدة، رغم أن المجموعة لا تحمل سوى شنطا صغيرة، وعلى مشارف مدينة (دغفري) أوقفتهم نقطة عسكرية وفتشتهم ثم رافقتهم إلى نقطة للدرك، وبعد تفتيش دقيق، أعادوهم للسيارة من جديد، فركب محمد وعمانه في مقدمة السيارة، بينما ركب ولد الناجم و ثلاثة عشر آخرون في مؤخرتها، رافقتهم سيارة عسكرية إلى ثكنة على بعد 18 كيلومتر من (مدينة ديابالي)، وكانت الساعة في حدود التاسعة ليلا، فركنوا السيارة في مكان قصي من الثكنة، وفتشوهم واحدا واحدا وتأكدوا من هوياتهم وأوراقهم.

       فهم ولد الناجم من حديث الضابط الذي كان يخاطب الجنود أنه يأمر بقتلهم بدم بارد، فنظر في عينيه مخاطبا إياه بلغة العيون: كيف تخطو على جثة ابن أبيك، وكيف تصير المليك، على أوجه البهجة المستعارة؟!

       لم يطل الانتظار حتى بدأ الجنود في إطلاق النار، فتساقط الرجال بعضهم على بعض، ثم خيم صمت رهيب، لو تكلمت فيه الجثث لصاحت: كنت أغفر لو أنني مت مابين خيط الصواب وخيط الخطأ، لم أكن غازيا، لم أكن أتسلل قرب مضاربهم، لم أمد يدا لثمار الكروم، أرض بستانهم لم أطأ، لم يصح قاتلي بي انتبه، لم تكن في يدي حربة أو سلاح قديم .

       وقع ولد الناجم تحت السيارة جريحا وانهالت عليه الجثث متساقطة، وبعد أن خمدت النيران لاحظ أن محمدا و عمانه مازالا أحياء رغم أنهما مصابان، وأنهما يحاولان التحرك، فانتبه بعض الجنود للحركة وأطلقوا النار على عمانه، فأشار إلى زميليه أن تظاهرا بالموت، لأن سهما أتاني من الخلف، سوف يجيئك من ألف خلف، فالدم الآن صار وساما وشارة، ثم قضى وهو يردد الشهادة.

       تظاهر ولد الناجم ومحمد بالموت بعض الوقت، ثم استجمعا قواهما وزحفا باتجاه الحائط وقفزا في مياه عميقة، كان محمد يخوض الماء بصعوبة بالغة لأنه لم يعد قادرا على المشي بسبب فقدانه للكثير من دمه، كان يتذكر أبنته اليمامة، من سينفق عليها، من سيشتري لها الثياب في العيد، ومن سيأتيها في المساء بالحلوى ورزمة الأقلام الملونة،..استجمع قواه وواصل خوض المياه وهو يتخيل اليمامة خلف التل تناديه لا تمت يا أبي.. لا تمت يا أبي، لكن قلبه لم يعد قادرا على تزويد جسمه بالدم، فقضى وهو يردد الشهادة.

        واصل ولد الناجم الخوض ثم المسير في الشوك والأشجار التي قطعت ثيابه وجسمه، وكان يتسلق الأشجار ليأكل من بعض أوراقها... وهكذا حتى مساء اليوم الرابع، حيث وصل قرية صغيرة ألح على أهلها في طلب ما يستر به جسمه، لكنهم توجسوا منه خيفة ظنا منهم أنه مجنون، فأعادوه للدرك حيث ربطوه في شجرة وأشبعوه ضربا وركلا، وفهم من كلامهم أنهم يتحرجون من قتله لأن سفارة بلده علمت بالأمر، فشعر بشيء من الراحة رغم قساوة السياط والنعال الخشنة، ورفع هامته مستشعرا أنك إن مت للبيت رب، وللطفل أب.

        بعدها تم فكه ونقله إلى باماكو فأودع السجن لساعات قبل أن يسلم للسفارة الموريتانية هناك التي نقلته إلى موريتانيا ليكون الشاهد الوحيد على ما حدث.

       فجر يوم الأحد 10 سبتمبر 2012 استيقظت ست عشرة أسرة على وقع خبر حل كالصاعقة، مئات الأسئلة تسبح في دموع اليتامى والثكالى دون أن تجد جوابا.

      كل شيء تحطم في لحظة عابرة، الصبا، بهجة الأهل، التعرف بالضيف، همهمة القلب حين يرى برعما في الحديقة يذوي، الصلاة لكي ينزل المطر الموسمي، كل شيء تحطم في نزوة فاجرة.

      ثم قيل لنا إن الأمر لا يعدو أن يكون خطأ وسوء تقدير لا إصرار فيه ولا ترصد!!

      والجواب يأتي في مسلسل كرتوني من مسلسلات الأطفال الذين هم في عمر اليمامة، إذ تقف يمامتان تراقبان غرابا يحوم حول واحة نخيل -حيث يوجد عشهما- وأثناء ذلك حط الغراب على رأس نخلة فتهاوت ساقطة، فقالت إحداهما: نخلة كانت متآكلة الجذع فسقطت بالصدفة عندما حط الغراب عليها، حام الغراب مرة ثانية ثم حط على نخلة أخرى فسقطت، ثم نخلة ثالثة فسقطت، فرابعة فسقطت... ، فأيقنت اليمامتان أن الغراب هو من يسقط النخيل وأن الأمر ليس مجرد صدفة، ثم حلقتا هاربتين بعيدا.

      فلقد تذمر مرارا سائق السيارة التي استقلها الضحايا من زيادة الحمولة -رغم أنها لم تكن زائدة- فقلنا هذه محض صدفة، ورافقتهم دورية عسكرية إلى أن وصلوا مشارف مدينة (دغفري)، فقلنا ربما هي صدفة، وأثبتت معاينة الجثث التي سلمت لأهالي الضحايا أن إطلاق النار كان من مسافة قريبة جدا، فقلنا قد تكون صدفة، كما أثبت المعاينة أن الإصابات كانت في مجملها في الأنف والعين والأذن والفم، فهل هذه أيضا صدفة؟

       أيها السادة والسيدات..، لاحظوا معي أن هذه هي رابع نخلة تسقط حتى الآن.. ثم هل لمن فتش وتأكد من الهويات عدة مرات أن يطرح فرضية سوء التقدير أو الخطأ؟ وماذا عن تحرج الدرك من قتل ولد الناجم بعد أن علمت السفارة الموريتانية بالأمر؟ و عن أمر الضابط الصريح للجنود بإطلاق النار؟ ...السيد الرئيس .. السادة الحضور..هذه واحة تسقط بأكملها.

       فهو إذن تخطيط وإصرار وترصد كل القرائن دالة عليه، فضلا عن شهادة ولد الناجم الناجي الوحيد، واعتذار المؤسسة العسكرية المالية وتعزيتها لموريتانيا، وما ادعائهم أن الأمر مجرد خطأ إلا اعتراف ضمني بالقتل البشع لمدنيين عزل، وعلى من يدعي الخطأ أن يثبته وهي الدعوى المقلوبة المعروفة في كل قوانين إجراءات التقاضي في العالم، فالقرائن متماسكة والدلائل قوية و البينات ظاهرة.

       فنحن أمام جريمة مثبتة لا تسقط بالتقادم، وقتل متعمد لأشخاص مدنيين عزل وتعذيب ومعاملة غير إنسانية طبقا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، ونظام السوابق القانونية للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين ليوكسلافيا السابقة ورواندا، فضلا عن تجريمها في القانون المالي والقانون الجنائي الموريتاني الذي يعاقبها باعتبارها اغتيالا في المواد 279 وما بعدها.

        ثم هي جريمة إنسانية في كل قوانين وشرائع الأرض، فضلا عن كل شرائع السماء التي تجمع على أن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا.

        وأي جريمة أبشع وأشنع وأفظع وأقسى من انتهاك الحق في الحياة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو الحق الأعلى الذي لا يجوز الخروج عليه حتى في أوقات الطوارئ العامة. وقد كرسته أيضا المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، معتبرة أن حق كل إنسان في الحياة لا يجوز الاستخفاف به أو إهداره مهما كان الدافع إلى ذلك، وهذا الحق هو الأساس الذي تقوم عليه جميع حقوق الإنسان فلا تنازل عنه.

       نعم.. لا تنازل عنه إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة، النجوم لميقاتها، الطيور لأصواتها، الرمال لذراتها، والقتيل لطفلته الناظرة.

         صحيح أن الحكومة المالية اعتذرت نيابة عن جيشها، وهو أمر جميل يشكر لها، ولكن هل يحول الاعتذار بين مرتكبي الجرم ومواجهة العدالة، وهل تسقط جرائم القتل والغدر بالاعتذار؟

         سيقولون جئناك كي تحقن الدم، جئناك كن يا أميرُ الحكم، سيقولون ها نحن أبناء عم، قل لهم إنهم لم يراعوا القرابة فيمن هلك، واغرس السيف في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم، إنني كنت لك، فارسا وأخا وأبا ...كنت لك.

         سيقولون: ها أنت تدعوا للثأر والحرب بين إخوة وجيران، قل لهم: أفي الغاب نحن لنقتل جيراننا الباحثين على أرضنا عن وسادة؟ ففي الحق عدل وفي العدل قصاص وفي القصاص حياة.

         ثم نحن أبناء شعب واحد بحكم الديانة وحكم الجوار وحكم الثقافة، لذلك ليس صدفة أن ترى شعبنا هناك يعزي ويواسي شعبنا هنا، فلا تخلطوا مبادئ العدل والحق والإنصاف بمآرب السياسة حتى لا تفسد جميعا، فيفلت المجرم من قبضة القانون وسلطة العدالة ويد الحق، وتنتشر الكراهية بين الاخوة والجيران.

      فالنتذكر...  والنتذكّر إذن نسوة لابسات للسواد، أن بنت أخيك اليمامة، زهرة تتسربل في سنوات الصبا بثياب الحداد، هاهي الآن صامتة حرمتها يد الغدر من كلمات أبيها، من أب يتبسم في عرسها، وتعود إليه إذا الزوج أغضبها، يتسابق أحفاده نحو أحضانه لينالوا الهدايا، و ليلهوا بلحيته وهو مستسلمٌ و يشدوا العمامة.

        فما ذنب تلك اليمامة، لترى العش محترقا فجأة، وهي تجلس فوق الرماد؟!

        ثم ما بال ستة عشر رجلا قضوا لا يعرفون فيم قتلوا ولا لم قتلوا، ولسان حال كل قتيل فيهم ينادي: إن الذي اغتالني ليس ربا ليقتلني بمشيئته، ليس أنبل مني ليقتلني بسكينته، ليس أمهر مني ليقتلني باستدارته الماكرة! 

السيد الرئيس،

         آن أوان الحقيقة فليرجع الوعي للوعي لن أمهلك..، فالطفلة اليمامة تنتظر خريفا لن يأتي، وأبا لن يعود، وعشرات اليتامى والثكالى والأيامى ينتظرون حكمكم، وينادون ويصرخون: إن عرشك سيف، وسيفك زيف إذا لم تزن بذؤابته لحظات الشرف، واستطبت الترف،.. فهل يصير دمي بين عينيك ماء؟ ..أشكركم.