إذا ترحلت، شيخنا، عن قوم.../ د . محمد عبد الله احبيب

أربعاء, 03/10/2018 - 15:23

إذا اضطر الشيخ محمد الحسن ولد الددو، كما ألمح أمس في مقابلته على قناة الحوار، إلى فتح مركز تكوين العلماء من مكان آخر، وترك للعسكر دولتهم التي يتحكمون بها، وتحول المشروع إلى مركز عالمي في مدينة عالمية، وتحولت المحظرة الشنقيطية إلى العالمية عن طريق مؤسسة دولية رائدة، بعد أن كانت عالميتها عن طريق أشخاص يحملون سمتها وعلمها، فستكون خسارة البلد مضاعفة وربحه مضاعفا في نفس الوقت.

سيخسر البلد أسبقية أبنائه في الالتحاق بالمركز التي تخولهم إياها الجغرافيا، ورخص تكاليف الإقامة، ويسر التنقل..

وسنربح مزيدا من الصيت الحسن والعلاقات الاستراتيجية بعمق الأمة، وتتحول المحظرة إلى دور ريادي في نهضة الثقافة العربية الإسلامية، والعلوم الشرعية، وتتحول البلاد إلى مركز مركزي في إعادة الإحياء العلمي.

لكن هل كل خسارتنا مقاعد في المركز لبعض أبناء الطبقة المتوسطة؟ أظن الرزية أبعد من ذلك، ففضيحة أن هذه المعلمة العلمية ضاقت بها بلادها ذرعا، وضاقت عنها أرضها الفضاء ستكون أرَضَة تنقص إنجاز السمعة الحسنة من أطرافه، وغياب الشيخ وجلة العلماء الذين سيكونون مدرسين في المركز في مستقره الجديد سيخلف فجوة في تكوين الأجيال، وسيلتحقون بآلاف العقول المهاجرة التي ضاقت بها نفوس حكام البلاد.

قد ينتشي "مباغض مدرسي" أو جاهل مؤدلج برحيل الكوكبة النيرة ظنا أن خراجها العلمي والدعوي والتربوي يصب لمصلحة تيار معين، جهلا وغباوة بدور العلم النافع في خلق السكينة العامة، وإلغاء لمنطق التراكم في البناء الحضاري، وأهمية تعدد الروافد الفكرية في تنشئة الأجيال.

ليس الشيخ محمد الحسن مجرد عالم، أو فقيه من الطبعة التقليدية التي تدرس متنا، أو تشرح غامضا، أو تحل عويصا من عويصات العلوم... وليس مجرد مصلح داعية يعظ جمعا، أو يلهب قلب عاص بسياط التذكير، ولا مجرد رجل كريم معطاء يقضي حاجات السائلين، أو صالح ينيل البركة جموع الزائرين... كلا، ولا شيئا من هذا الذي تهتدي إليه عقول صغار باعة الضمائر، وهم يصُفون "الفقهاء" و"الوجهاء" كما تصف الكباش في المربط.

الشيخ محمد الحسن حالة حضارية لا تتكرر إلا في قرون، يجمع الله، رغم أنف الملحدين، وسدنة الطغيان، و"علماء المرق الحافي"، نصيب قرون من الحلم والعلم والسخاء، والتواضع، والجلال، والهيبة، والشجاعة، والندى... في صدر رجل واحد ثم يضع له القبول في الأرض، ويهديه صواب الطريق، وسواء السبيل، ويخرجه للناس آية على أن خزائنه جلّ لم تنضب، وما هي بناضبة... هذا هو الشيخ محمد الحسن ولد الددو.

نسيج أخرجه الله إلى العباد من تلك الأرض الغبراء، كنزا لا يقاس بكنوز الدنيا، كهفا تأرز إليه المكارم، وقمة تتسلقها عاليات المعالي...

سلوا العلماء والرؤساء والوزراء الذين لقوه، سلوا ذوي الحاجات الذين قصدوه، سلوا طلاب العلم الذين حظوا بتلقي الوحي منه، سلوا الأرض التي أقلته والسماء التي استظل بها، سلوا أنفسكم ستعرفون أنكم في زمن جائد، وتحت رحمة رب كريم.

إذا اضطروك للرحيل عنا يا شيخ فهم من خسر وأخسر البلاد والعباد، ستغادرهم البركة، والعلم والعفة والحلم، ستبكي الأرض والسماء لفراقك وبقائهم، وستعوي ذئاب الفلا حزنا على أن تركت لذئاب الملا، ولا زاجر عن باطل بمثل هيبتك، ولا رادع عن ظلم بحجم تأثيرك، ولا داعي إلى رشد بنداوة صوتك، ولا حادي هدى بسمت هديك...

سنبكيك دما بثكل الوطن ومصاب الأرض، وفجيعة الناس... فلا تبتئس بما يكيديون وما يعملون وما يبيتون، فقد جعل الله لك الأرض مركزا، وقلوب المؤمنين سكنا.
فإنك منْ قَوْمٍ بهِمْ تُتّقَى العِدَى
وَرَأبُ الثّأى وَالجَانِبُ المُتَخَوِّفُ