موريتانيا والسنغال .. مسارات التعايش وآفاق العلاقة (تحليل)

خميس, 01/02/2018 - 10:44

تتداخل في العلاقة بين موريتانيا والسنغال عوامل التاريخ والجغرافيا والسياسة والأمن، قبل أن تنضاف إليها عوامل التأثر بالأطراف الدولية الفاعلة والمؤثرة على السياسات المحلية والخارجية للبلدين.

بين التاريخ والجغرافيا

يشكل ماضي التاريخ وطبيعة الحدود جانبا أساسيا من جوانب العلاقة بين موريتانيا والسنغال، فعلى مدى قرون طويلة ظلت العلاقة بين ضفتي النهر تعيش مستوى عاليا من الانسجام تخللتها نوبات توتر بسيطة.

وقد كان لإمارات الترارزة ولبراكنة دور كبير في رسم ملامح تلك العلاقة، فمنذ عبور جيش المحلة المغربي إلى الضفة السنغالية وذوبان أفراده في المجتمع السنغال لم يعرف توتر بالغ الأهمية بعد ذلك.

وقد مثل العلاقات التجارية والتحالفات الأمنية بين إمارات الضفتين أهم ملامح العلاقة، وفي أحيان كثيرة كانت عناصر فارة من الضفة السنغالية تلجأ إلى موريتانيا حيث تنال الحماية لدى أمراء وشيوخ الضفة الموريتانية قبل أن تندمج في المجتمع الموريتاني بشكل كامل.

كما كان للتصوف ولا يزال دور أساسي في رسم ملامح العلاقة بين الضفتين، فقد كان لحركة الإمام ناصر الدين على سبيل المثال أتباع ومريدون كثر بين زنوج الضفتين، وتواصلت حركة الأئمة وثورات العلماء والمشايخ الصوفية بعد ناصر الدين

وكان لملوك فوتا في الضفتين دور أساسي في الصراعات البينية التي عاشتها إمارتا الترازة ولبراكنة خلال القرنين الثامن العشر والتاسع عشر.

وإلى فترات قليلة مما قبل الاستعمار ظلت مناطق كبيرة من قرى النهر ومنطقة والو تابعة تبعية فعلية لإمارة الترارزة، خاضعة لنفوذها، وهي التبعية التي حاول الحاكم الفرنسي فوديرب القضاء عليها بشكل نهائي وظل يطالب محمد الحبيب إلى الاقتناع " بأن الله أجرى النهر وجعله حاجزا بين السودان والبيظان فلا ينبغي أن تتعدى حدود الله".

........===

وينضاف إلى هذا عامل آخر وهو أن عشرات القرى المتوازية على الضفتين لم تكن ترى في النهر حدودا ولا فاصلا دوليا بينهما، فعلى الضفتين تنتشر المصاهرات ويتحكم اللسان الواحد، وفي بعض الأحيان ينقل بعض سكان القرى الموريتانية موتاهم إلى الضفة السنغالية للدفن في مقابر ذات مكانة روحية معروفة لدى الطرفين الذين فرقهم النهر وجمعهم اللسان واللون وأواصر الرحم والتاريخ.

في ظلال المستعمر

جاء استقلال موريتانيا والسنغال منهيا مرحلة من الاندماج ضمن ما يعرف بالسودان الفرنسي الذي ضم موريتانيا والسنغال ومالي

وقد كانت مدينة دكار عاصمة لهذا الثلاثي الفرنسي، فيما كانت مدين سانت لويس عاصمة لموريتانيا لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يبدأ فك الارتباط مع العاصمة سينلويس بعد مؤتمر ألاك سنة 1958

وقبل ذلك كانت العلاقة وطيدة على مستوى السياسيين حيث كانت توجد أحزاب سياسة مشتركة بين القوى السياسية بين البلدين، فقد كان عدد من القادة السياسيين الموريتانيين منضوين تحت حزب الوفاق الذي يقوده السياسي السنغالي المشهور انجاور صار وتحت لافته خاض السياسي الموريتاني أحمدو ولد حرمة الانتخابات النيابية المحلية في مورتيانيا التي هزم فيها سنة 1951

كما كان ثمة مستوى من التداخل الاجتماعي بين سكان الضفتين، وفي إحدى المرات تولى شقيقان مسؤوليتين وزاريتين في موريتانيا والسنغال في فترة واحدة.

لقد ظلت العلاقة بين موريتانيا والسنغال خلال هذه الفترة مشوبة ببعض التوتر الحذر والانفراج الحذرين وظلت قضية الحدود مطروحة بقوة بين البلدين قبل أن يتم ترسيمها مطلع السبعينيات، وأشرف على الترسيم ممثلا لموريتانيا نائب مقاطعة روصو احبيب ولد الشيخ سعد بوه ولد اعل

وقد توصل الطرفان إلى اعتماد النهر فاصلا حدوديا، دون أن يمنع ذلك موريتانيا من الاحتفظ بعدد من الجزر المحورية في دلتا نهر السنغال مثل جزر امبيوه، وخنق، وانتماخ، إضافة إلى جزر أخرى في الضفة اليمني قرب السنغال.

صورة ذات أبعاد مختلفة

حمل الموريتاني في الذهنية العامة للشعب السنغالي صورا متعددة ومتناقضة، فهو من جهة مدرس القرآن والولي والصالح المعروف بالزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة ونشر معارف الوحي والعربية.

وهو من جهة أخرى التاجر المرابي القذر الذي لا يعرف النظافة ولا الصدق في المعاملة.

أما السنغالي بالنسبة للموريتانيين فلم يكن أكثر من ذلك العامل اليدوي الذي يتقن عمله كما يتقن السرقة بكل أنواعها>

وإذا كانت صورة التاجر الموريتاني من المجموعات المحاذية للنهر هي ما سلف من قذارة وبداوة، فإن صورة الموريتاني القادم من الشمال كانت هي الأخرى عنيفة لدى السنغاليين حيث كان سكان الضفة  يتهمون بعض الموريتانيين بالقرصنة وتجارة العبيد؟.

وعلى رصيف هذه الصورة السلبية جاءت الأحداث المؤسفة في سنة 1989 لتجد أرضية مناسبة من الصراع والتباين والكراهية

أزمة بين المراعي

ظهرت أزمة 1989 إلى العلن بسبب مواجهة بسيطة في 9/4/1989 بين مزارعي قرية دياوارا (Diawara) السنغالية ورعاة قرية سونكو (Sonko) الموريتانية، أدى إلى سقوط قتيلين سنغاليين وعدد من الجرحى

قبل أن تتفاقم الأزمة في أربعة موجات عنف متتالية في العاصمتين السنغالية والموريتانية، وقد غض أمن البلدين الطرف عن عمليات القتل والإرهاب التي مورست ضد مواطني البلد الآخر

وكانت المحصلة أكثر إيلاما على الجانب الموريتاني في كثرة القتلى والأموال المنهوبة،حيث وصل القتلى من الموريتانيين حسب الروايات الرسمية إلى 789 شخصا قبل أن يرتفع في رواية الكتاب الأبيض المورتياني إلى حوالي 1000 وكان لمجموعات القوميين العرب في موريتانيا والشبان الحراطين دور كبير في عمليات القتل والنهب التي مورست بحق الزنوج السنغاليين والتي طالت نواكشوط ونواذيبو وازويرات.

أسباب موضوعية

من أبرز أسباب الأزمة العميقة بين موريتانيا والسنغال

-    تفاعل القضية القومية : على الضفتين، حيث تعتبر السنغال إلى ذلك العهد حاضنة أساسية لفكرة الزنوجة التي كان الرئيس السنغالي الأسبق ليبولد سيدار سينغور أبرز منظريها والتي كانت تنظر لوحدة العرق الزنجي في المنطقة وهويته المنفصلة ثقافيا وسياسيا وجغرافيا

كما كانت السنغال إلى ذلك الحين أيضا مأوى أساسيا للقوميين الزنوج من موريتانيا، حيث أنشأوا على أراضيها تنظيماتهم المتتالية التي توحدت لاحقا في حركة تحرير الأفارقة في موريتانيا FLAM

ولقد تناغم مفكرو الزنوج الموريتانيين مع هذا الطرح الفرنكفوني الذي فاقم من تأثيره التاريخ الاستعماري الذي عمل بقوة على فصل الزنوج الموريتانيين تعليميا وثقافيا عن المكون العربي، ثم جاءت إصلاحات التعليم في 1966-1979 لتزيد الفجوة وتضفي عوامل تفرقة جديدة على الأزمة التي كان دخانها قد تجاوز إلى الضفة السنغالية.

فيما كانت موريتانيا تعيش هي الأخرى على فوهة بركان من الاضطرابات السياسية ذات الأبعاد القومية، حيث خرجت البلاد من محاولات انقلابية فاشلة كان آخرها محاولة الضباط الزنوج في 1987 والتي رأت موريتانيا أن السنغال لم تكن بعيدة منها.

كما كانت موريتانيا أيضا تقترب شيئا فشيئا يومها من الفكرة القومية التي مثلها وقادها الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي عمل على بناء حلف استيراتيجي مع موريتانيا وأسهم في الرفع من قوتها الاقتصادية والعسكرية وإقامة عدة منشآت مهمة لصالح الدولة الموريتانية.

ولقد تعززت التوجهات القومية في موريتانيا ضمن خيارات منطقية ومفهومة بالنسبة للمجتمع الموريتاني في

-    سياسة التعريب التي انتهجتها السلطة منذ 1966، والتي لم ترق للرئيس السنغالي المؤمن بالزنوجة والذي يعتبر أحد علماء الفرنسية وشعرائها المرموقين

- خروج موريتانيا من منطقة الفرنك الفرنسي، ثم انضمامها للجامعة العربية، ثم إنشائها لعملتها الخاصة ذات الاسم العربي الأصيل

- ظهور التيارات القومية العربية المنادية بعروبة الشعب الموريتاني وأصالة العرب في البلد، ولم تخل أدبيات تلك الحركات من حملة ضد الزنوجة والزنوج بشكل عام

-    مشاركة موريتانيا في إنشاء منظمة اتحاد المغرب العربي

-    وأخيرا عمق العلاقة مع العراق الذي كان يسعى إلى تحويل موريتانيا إلى قاعدة استيراتيجية ضمن مساعيه للتحكم في القرار السياسي العربي آنذاك.

-    اضطراب القرار السياسي في موريتانيا بفعل الأنظمة العسكرية المتعاقبة وهو ما منح العلاقات الموريتانية السنغالية وحتى السياسة الخارجية في موريتانيا مستوى عاليا من الاضطراب والانتقال بين المحاور والاتجاهات.

أما في السنغال الدولة الديمقراطية الليبرالية التي تتعايش فيها قوميات مختلفة واتجاهات متعددة، فلم يخف بعض السياسيين بشكل واضح العداء المتزايد لموريتانيا، كما لم يخف خافيا مستوى الاستعلاء الذي ظل يطبع تعامل السلطات السنغالية مع جارتها الشمالية القادمة سلطة وشعبا من وحل البداوة والتخلف الاقتصادي.

وقد استقطبت السنغال لسنوات عديدة نسبة كبيرة بل أكبر نسبة من أموال التجار الموريتانيين الذين كان أغلبهم يحمل الأوراق الثبوتية السنغالية، كما احتضنت السنغال بقوة التنظيمات السرية المناوئة للسلطة في موريتانيا ووفرت على سبيل المثال معبرا لعناصر المحاولة الانقلابية في مارس 1981 ومأمنا للعناصر الفارة بعد فشل المحاولة.

وعلى سبيل المثال وفرت السنغال شعبا وحكومة لحركة افلام المعارضة المأوى حيث ينتمي الفلاميون إلى مجموعة التكرور المتنشرة على الضفتين.

أما بالنسبة للسلطة فقد وصل الاحتضان إلى تعيين ضابط مشرف على التنسيق مع المعارضة الزنجية المناوئة للنظام الموريتاني وفق ما اعترف به مدير الاستخبارات العسكرية السنغالية لاحقا.

ولقد ضاعفت الأزمات السياسية التي تواجهها حكومة الأستاذ عبدو ديوف حينئذ وحجم الخناق الشديد الذي تمثله المعارضة بمختلف أصنافها المدنية والعسكرية، وتركيز قادة من المعارضة على القضية القومية، والمطالبة باستعادة " الأراضي السنغالية" التي تحتها موريتانيا، وكذا حماية القوميات الزنجية والمواطنين من بطش العرب في موريتانيا، كل هذه الأسباب السياسية دفعت الحكومة السنغالية إلى الانسياق خلف التوجه العام كسبا لنقاط قوة سياسية محلية.

العوامل الاقتصادية للأزمة

لا تخفى عوامل اقتصادية واضحة دفعت إلى توتير الأجواء بين البلدين أبرزها

-    عمق الأزمة الاقتصادية في البلدين بشكل عام، ففي السنغال كانت الأزمة تضرب كل أطياف المجتمع السنغالي، وكان الموريتانيون في السنغال يسيطرون على أكثر من 50% من الحركة التجارية في البلد.

-    أدى الجفاف الماحق في البلدين إلى تقري عشرات الآلاف من السكان على الضفتين، وتراجعت وتيرة البداوة من موريتانيا من حوالي 80% إلى 23% سنة 1989 وفق تقديرات رسمية.

-    وضعت موريتانيا يدها بالكامل على الأراضي الموجودة في الضفة اليمني وهو ما رأت فيه السنغال اعتداء على أراض كان يقطنها ويملكها مواطنون سنغاليون منذ القدم رغم أن تلك الأراضي موجودة في الشريط الموريتاني من ضفة النهر وفق الحدود المرسمة.

-    وقد أدى توجه الحكومة الموريتانية نحو الزراعة إلى بروز أزمة المراعي والمزارع بشكل كبير بين البلدين، ولا تزال تلك الأزمة تظهر بين الحين والآخر وذلك بسبب القوانين الصارمة التي وضعتها السنغال لتنظيم الانتجاع وحماية المزارع وتغريم ملاك المواشي المتسببة في الأضرار، وقد طردت السنغال 11 ألف رأس من الإبل الموريتانية سنة 1986 وهو القرار الذي اعتبرته موريتانيا تعسفيا وتصعيديا ضد مواطنيها

ترميم جدران القوى

أدت أحداث 1989 إلى خسائر فادحة بالنسبة للبلدين، فعلى سبيل المثال استقبلت موريتانيا أكثر من 180 ألف مواطن مطرود من السنغال وقد فقد أغلب هؤلاء ممتلكاتهم التي تزيد قيمتها على 70 مليار فرانك إفريقي وفق تقديرات غير رسمية حينئذ

كما أدت الأزمة إلى شرخ اجتماعي عميق في موريتانيا، وذلك بعد طرد نواكشوط لآلاف الزنوج الذين تعتقد أن أصولهم سنغالية أو أنهم حصلوا على وثائق موريتانية مزورة، وقد جاء هذا الإجراء عقب إجراء مماثل قامت به السنغال للسنغاليين من أصول موريتانية، كما قامت موريتانيا بتسليح عدد كبير من رجال القبائل العربية على طول شريط الضفة لمواجهة عمليات التلصص والانتقام التي كان يقودها مسلحون من الضفة السنغالية وقد بدأت عمليات التسليح هذه منذ العام 1986 واستمرت إلى فترة قريبة.

ولم تخل الأزمة أيضا من مناوشات ومواجهات بين جيشي البلدين، وإلى اصطفاف دولي كبير لصالح فرنسا، دفع موريتانيا لاحقا إلى مراجعة علاقاتها الدبلوماسية بشكل كبير.

حيث تخلت نواكشوط عن علاقاتها مع العراق الذي كان أبرز حام ومساعد لموريتانيا في تلك الفترة العصيبة من تاريخها السياسي والأمني، وعادت تدريجيا إلى الحضن الفرنسي وزادت بتطبيع العلاقة مع الكيان الصهيوني من جهة ومع دول الخليج من جهة أخرى.

ولم تخف موريتانيا اتهامها لقوى مجاورة في التورط في زعزعة أمنها من خلال اختطاف وتوجيه القرار السياسي للسنغال.

لقد استطاعت موريتانيا بتوجهها الجديد ترميم علاقتها مع المجتمع الغربي الذي كان أبرز داعم للسنغال في هذه الفترة، كما استطاعت أيضا بناء قوتها العسكرية والأمنية بشكل دقيق.

وبإغلاق الحدود مع السنغال كسبت موريتانيا أيضا نقطة ضغط قوية ضد الحكومة السنغالية فيما يتعلق بالعمالة السنغالية في موريتانيا والتي تنشط بقوة في مجال الصيد والحرف اليدوية والعمالة المنزلية.

ركزت موريتانيا أيضا على دعم المعارضة السنغالية المسلحة في كازا ماس ومكنت عناصرها من اللجوء السياسي في موريتانيا إضافة إلى الدعم والتدريب والحماية، كما وثقت موريتانيا علاقتها بقوة مع دولة غامبيا الخصم اللدود للسنغال.

أزمة 2000 الحسم السريع

كادت الأزمة أن تعود للواجهة من جديد سنة 2000 وذلك بسبب ما رأته موريتانيا تهديدا لأمنها المائي واستيلاء على حصتها من نهر السنغال عبر مشروع الأحواض الناضبة الذي يعني جرف مياه النهر باتجاه القنوات الصناعية في السنغال، وقد واجه الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع هذه الأزمة بحسم سريع حيث بادر

-         بنشر قواته العسكرية على طول الضفة في مظهر استعراضي غير خاف.

-         ترحيل عشرات الآلاف من المواطنين السنغاليين وتوفير الحماية اللازمة لهم.

وقد أدت هذه الإجراءات إلى تراجع السنغال الفوري عن المشروع وزيارة الرئيس السنغالي عبد الله واد إلى نواكشوط لتلطيف الأجواء.

ينضاف إلى ذلك أن المواطنين الموريتانيين في السنغال باتوا أكثر وعيا من ذي قبل، ولم تعد السنغال بالنسبة لهم وطنا ولا مستقرا، فليست أكثر من أرض تجارة يأخذون خيرها ويأوبون إلى وطنهم.

العلاقة في الفترة الحالية

ليست العلاقة الآن بين موريتانيا والسنغال على أحسن ما يرام، ويمكن القول إن أجواء العلاقة بين موريتانيا والمغرب ضربت بظلالها على العلاقة الموريتانية السنغالية، كما جاءت أزمة غامبيا لتلقي بظلال جديدة من التأزم وذلك بسبب تباين موقف البلدين من الرئيس السابق يحيى جامي.

كما أن ثمة نقاطا خلافية مزمنة تتعلق

بمجال الصيد البحري

تقاسم النفط في المياه المشتركة بين البلدين

ورغم ذلك فإن الحكومة السنغالية تعي أن متغيرات جديدة طرأت على معادلة العلاقة بين البلدين أبرزها

-    تنامي القوة العسكرية للجار الموريتاني مما يعني أن أي مواجهة بين البلدين لن تكون بسيطة العواقب إن لم تكن خاسرة في الميزان السنغالي.

-    التأثير الموريتاني في السوق السنغالية، حيث توفر الشواطئ الموريتانية القوت اليومي من الأسماك لكل البيوت السنغالية بلا استثناء، وهو ما يعني ضرورة التطبيع مع الجار الموريتاني، وتمثل منطقة كت اندر حاضرة الصيادين السنغاليين الذين يمثلون أبرز مظاهر التعايش والتأزيم بين موريتانيا والسنغال حيث لا يزال أغلب هؤلاء غير مقتنع بوجود حدود طبيعية في المحيط الذي يعيشون على ضفته وبين أمواجه منذ أكثر من 300 سنة.

-    حركة التبادل اليومي بين البلدين الذين يملكان حدودا مشتركة على طول 700 كلم، رغم بعض الإجراءات التعسفية التي يقوم بها حرس الحدود الموريتانيين ضد الصيادين السنغاليين، من خلال بعض الرشاوى والإتاوات غير القانونية

ويظهر أن البلدين يعملان بشكل كبير على تسيير العلاقة على نحو يخفف نقاط التوتر،ويسمح بتوطيد العلاقات التي تفرضها عوامل التاريخ والجغرافيا ويوميات الحياة، وفي هذا الصدد عملت السنغال الرسمية على تجنب إيواء المعارضين الموريتانيين وعلى تسليم المطلوبين الموريتانيين في قضايا أمنية إلى بلادهم بسرعة.

دون أن يعني ذلك أن قوى سياسية معارضة توفر ملاذا إعلاميا ومحضنا سياسيا لعدد من الجماعات المعارضة وخصوصا المعارضة العرقية (إيرا، الحركات الزنجية)

لكن جو التعايش الإيجابي هو الغالب على العلاقة ومن أبرز مظاهره

-    المنح الدراسية حيث توفر السنغال حوالي 16 مقعدا سنويا لطلاب الطب الموريتانيين في الجامعات السنغالية

-    توفر موريتانيا 100 مدرس للمدارس العربية والإسلامية التابعة للحضرات الصوفية في كولخ وطوبا وتيواون، كما تلعب الحضرات الصوفية دورا أساسيا في التقارب بين البلدين وتذويب الأزمات العارضة، وتتنافس الطرق الصوفية في هذا الصدد، حيث تحاول الطريقة المريدية خلع عار التقاعس عن نصرة الموريتانيين في 1989 بالإكثار من المبادرات والزيارات والتنسيقيات العامة بينها وبين النخب العلمية في موريتانيا.

-    أما الطريقة التيجانية التي ينتمي إليهاأكثر من 50%يحكم السنغال اليوم أحد أبنائها فقد استطاعت خلال الفترات الماضية ربط صلات قوية جدا مع النخب العلمية والسياسية التيجانية في موريتانيا وتنسيق دبلوماسية روحية عابرة للضفتين.

ويمكن القول كخلاصة إن السنغال تخلصت من

-         فكرة التعالي على الجارة الموريتانية ومحاولة تعديل المسار السياسي لصالح الزنوج وفكرة الزنوجة.

-    تراجع التيار القومي في موريتانيا وتوجه النظام نحو الحضن الغربي أدى هو الآخر إلى تنسيق المصالح المشتركة بين البلدين بما يسمح لهما بالتعايش السلمي الذي يخدم مصالح القوى الغربية الناشطة في البلدين،وخصوصا بالنسبة لنظام عاش رئيسه جزء كبيرا من حياته في السنغال.

-    أن ثمة مستوى مستوى من التوازن في نقاط التأثير وكذا التوازي في الأزمات ونقاط الضعف والقوى المتبادلة.

-    أن دور المغرب في توجيه القرار السياسي والدبلوماسي للسنغال بالغ التأثير وخصوصا في الفترة الحالية التي يحاول فيها المغرب العودة إلى الحضن الإفريقي.

-    تمثل السنغال بوابة تجارية واستشفائية مهمة لكثير من المواطنين الموريتانيين وهو ما تعيه الدولة الموريتانية بعمق ويحكم مستوى كبيرا من علاقاتها.

وبين كل هذه المؤشرات تبقى العلاقة بين البلدين قدرا لا مناص من تحسين ظروفه ووسائله، وتبقى الدبلوماسية الشعبية عاملا أساسيا في النهوض به.

المصدر: http://rimafric.info/node/1156