لماذا غادر وديعة السراج؟

ثلاثاء, 07/04/2015 - 15:04
محمد عبد الله ولد لحبيب

قبل ثلاث سنوات تقريبا جرَّ نقاش، قريب من العشوائية، في برنامج بثته إذاعة موريتانيد إلى الحديث عن مصادر تمويل مؤسسة السراج. كنت حينها أعمل مساعدا للصديق العزيز وديعة.

في اليوم الموالي اتصلت بالإذاعة وصادف أن رد علي معد البرنامج أو مقدمه. تحدثت وإياه عدة دقاءق عن مضمون الحلقة، وكان وجه اعتراضي أن "آداب الزمالة" تقتضي إشراكنا في برنامج يتناول المؤسسة بالاسم ويناقش قضية المفروض أنها تخصها بالدرجة الأولى.

وعد زميلي بإتاحة فرصة أخرى للحديث في حلقة خاصة بمصادر تمويل الصحافة الوطنية، وأبديت الموافقة. لم تتح الفرصة ولم أعد الاتصال.

مرة تحدث الدكتور محمد المختار الشنقيطي في محاضرة بالعاصمة نواكشوط عن الدولة الدينية والدولة المدنية، حديثا مكررا، منشورا في أدبيات التيار الإسلامي، مكتوبا، ومتلفزا. كان الشنقيطي نفسه قد تحدث به قبل عشر سنوات (سنة 2002) في مقر جمعية الحكمة بنواكشوط. علق واحد من أبرز الأكاديميين الموريتانيين بأنه يسمع لأول مرة لدى الإسلاميين كلاما يمكن الإنصات إليه عن الدولة. كان الغنوشي، والترابي، والعثماني، والريسوني، وحسنة، قد نشروا كتبا تبسط الأفكار ذاتها. هذه ليست مشكلتي.

أعادتني إلى هاتين الواقعتين أحاديث وتعليقات بعض الأصدقاء والزملاء والإخوة عن أسباب ترك الأخ أحمدو ولد الوديعة إدارة مؤسسة السراج قبل أيام، وعودة المدير العام المؤسس الأخ الصديق محمد سالم ولد الخليفة إلى إدارة المؤسسة بعد قرابة عقد من الزمن.

 تنتقي ذاكرتي وقائع وقصصا تعْلَق بها، أعتقد أن لها دلالة خاصة، وأن بينها وبين بعض الأحاديث نسبا.

فهمُ الطريقة التي يتصرف بها أبناء التيار الإسلامي في المواقف والمواقع التي يُبتلَون بها فرع عن فهم التيار والأفكار الأساسية التي تحرك المنتمين إليه، وحاملي أفكاره. أغلب الذين يديرون حديث العشيات عن شخصيات التيار والمؤسسات الدائرة في فلكه لم يكلفوا أنفسهم عناء النظر في أدبياته المنشورة، ولا تأملوا أسس المواقف بشيء من التجريد، وأمثَلُهم طريقة يعطيها التفسير الذي يريد وهو مسْتَلْقٍ على أريكتِهِ، يقشر الفستق، أو يقرؤ رواية لأحلام مستغانمي.

ما هذا من هذا! بلى إنه منه.

علاقة حزب تواصل والجمعيات التي يديرها أفراد منتمون إلى التيار الإسلامي، بالمؤسسات الإعلامية التي يملكها، أو يديرها أفراد منتمون لهذا التيار، علاقة تناغم في الأسس المرجعية وليست علاقة تبعية، ولا تنسيق. هذه قضية يصعب استيعابها على كثيرين. ليست مشكلتي أيضا. 

كثر يفهمون هذه العلاقة انطلاقا من مرجعياتهم الذهنية. ما تعرف في نفسك لا يدلك إلا على نفسك. هذا التحوير للمثل هو الأصوب هنا.

لم تنشأ المؤسسات الإعلامية التي يديرها أفراد ينتمون للتيار الإسلامي بقرار من حزب تواصل، لأن أغلبها سابق على نشأة الحزب. هذه معلومة لا تحتاج إلى أدلة. تأسست السراج سنة 2006، والأخبار قبل ذلك بثلاث سنوات، وتأسس حزب تواصل سنة 2008.

لمن يريد أن يعرف شيئا. هذه المؤسسات التي يديرها أفراد ينتمون للتيار الإسلامي تشرف عليها مجالس إدارة تتلقى التقارير الدورية غالبا، وتختار القائمين عليها وفق أسس مهنية، في حدود الممكن. تدقق هذه المجالسن وتنتقد وتعاقب، وتكرم.

من يملكون هذه المؤسسات، أو يمولونها، ليسوا تجار كلام فهم يقومون بما يقومون به لأهداف رسالية واضحة. الله أعلم بالنيات. لا أعتقد أنهم تجار بأي معنى من المعاني لأن هذه مؤسسات الإعلام في بلدنا لا تجلب ملا. ولا هم تجار سياسة لأن ما أفسدت هذه المؤسسات من علاقات الإسلاميين أكثر بكثير مما أصلحت.

إنهم لا يعدون أن يكونوا جزءً ممن أصباهم "خبال الإيمان بشيء اسمه موريتانيا" فقرروا الدخول إلى "مستنقع" خدمتها من هذا الباب. أتمنى ألا يكون آسنا، لكني أدرك أنها ما زالت أمنية، إن لم تكن مجرد حلم. اللهم فرج عنا.

إن سر ما تتمتع به هذه المؤسسات من مصداقية هو أنه لا سقف يضغط على حريتها، ولا رقابة قبلية عليها. لها سياسات تحرير وخطوط توجه، لكنها تتعامل معها بحرفية مهنية، وتدرك أن التوجيه المباشر يمنعها الوجود قبل أن يمنعها تحقيق أهدافها.

إن وجود مؤسسة إعلامية في الحد الأدنى يتطلب مساحة حرية، ومسؤولية وطنية وأخلاقية، وصلاحيات مستمدة من نظم وقوانين، لا مجترحة من مالك، أو محتكرة لمؤسس، أو مصانة لرب رزق. هذا ما نملكه في السراج والأخبار. يصعب فهم هذا. ليست مشكلتي.

قبل سنوات خمس أصدر حزب تواصل بيانا نتندر عليه بـ"بيان الأفعلا الثلاثة"؛ قال فيه إنما ينشر في السراج لا "يعبر" عن موقف الحزب، ولا "يمثل" موقف الحزب، ولا "يعكس" رأي الحزب.

البيان ليس تمثيلا. إنه خلاف في زاوية النظر بين سياسي يطالب بالتحفظ، والموازنة، وصحفي ينحاز للنشر والكشف.  ثمة من سيرفض هذا التشخيص ليقول إنها مسرحية. ليست مشكلتي.

مع هذا الواقع لن تكون مغادرة شخص ما مؤثرة في واقع وسيلة إعلامية، ولا في دورها أو توجهها. تخسر أي مؤسسة عندما يغادرها أحد أبنائها المؤسسين، وتخسر أكثر عندما يكون المغادر بحجم المدير أحمدو. هذه حقائق في الواقع البشري، لكنها تكسب إضافة نوعية بأسلوب شخصية جديدة ونفس تغيير يضيف روحا إلى العمل.

تصاحب مغادرة المواقع ضجة في الغالب، ويبحث الناس عن تفسيرات، تكون خارج سياق الحدث أحيانا. هذا شيء من سوء الفهم. النظر إلى المسؤولية على أنها مغنم، ينتمي لثقافة غير التي تربى عليها وديعة.

في السياق البشري يصعب فهم مغادرة المواقع القيادية، غير المحدودة بأسقف زمنية، من غير ملاحظات سلبية على المغادرين. لا يمنع هذا استثناء. ولا يمنع أن لا تكون الملاحظات سببا في المغادرة. هنا تشيع احتمالات كثيرة لا طائل من مطاردتها.

مكثت إلى جانب الأخ العزيز أحمد ولد الوديعة في إدارة مؤسسة السراج قرابة ثلاث سنوات عايشت فيها إنجازات وإخفاقات كان الثابت الوحيد فيها هو تمتع الأخ بمهارة عالية في تصريف الخلافات اليومية ورحابة صدر لمرور قرارات لا يوافق عليها، ويتحتم عليه بعد أن تصدر الدفاع عنها.

ينصت وديعة إلى من يخالفه الرأي، إنصات من يريد أن يقتنع بما يسمع. أو هكذا أعتقد عندما أكلمه. ما هذا من هذا. بلى إنه منه.

مغادرة الأخ وديعة حدث عاد جدا في سياق المؤسسات التي تدور في فلك التيار الإسلامي، وربما يغادر غيره كما غادر غيرهم من قبل، وسيأخذ المغادرون مواقع جديدة في مؤسسات جديدة، أو ينصرفون إلى همومهم الذاتية.

خلاصة القول: إن مغادرة شخص من المنتمين للتيار الإسلامي المؤسسة التي كان يديرها لا تحمل في ذاتها دلالة على شيء معين. هذه المؤسسات أنشئت بإرادة جماعية وبها تدار. مغادرة الأشخاص وتعاقبهم عليها جزء من سياستها، وجزء من عملية تطويرها الدائبة، وجزء من مسيرة ترسيخ قيم التناوب. لا تخدش مقام شخص، ولا تنال من مكانة مؤسسة.