التقارب الموريتاني الإيراني: طبيعي أم ردة فعل؟

اثنين, 19/06/2017 - 16:43

عرفت العلاقات الموريتانية الإيرانية خلال السنوات الماضية فتورا يزيد وينقص حسب قوة وضعف العلاقات الموريتانية السعودية لتظل وضعية تلك العلاقة عصية على الوصف الدبلوماسي دون محددات واضحة ولا خطوط ملونة.

ورغم عدم محورية موريتانيا في الصراع بين إيران والسعودية وبعدها الجغرافي عن منطقة الخليج فإنها ظلت في عهد الرئيس الموريتاني الحالي حاضرة في تقلبات تلك العلاقات بشكل اندفاعي في أوقات الأزمات البينية وهو ما يطرح أسئلة عديدة حول أهمية التجاذب بين الدولتين بالنسبة لموريتانيا.

مسار العلاقات 

بلغت العلاقات الموريتانية الإيرانية ذروة التأزم بعد إقدام السعودية على التدخل في اليمن فيما سمي بعاصفة الحزم دعما للرئيس عبد ربه منصور هادي، حيث زار الرئيس الموريتاني حينها السعودية وشارك رفقة قادة دول إسلامية أخرى في حلف أسسته السعودية لمجابهة الإرهاب.

ظلت العلاقات السعودية الموريتانية تتعزز مع مرور الوقت، فدعمت المملكة العربية السعودية ماليا القمة العربية المنعقدة بنواكشوط يوليو 2016، وذلك في جو من صفاء العلاقة ألقى بظلاله وتمثل في تجليات عديدة لم تسلم منها حتى خطب الجامع الكبير بنواكشوط، حيث ظلت تدافع عن طرح السعودية بوصفها دولة مستهدفة، وبوصفها حامية حمى الإسلام، دون مضايقة من الحكومة التي لا تفتأ تعلن رفضها البات ووقوفها بحزم ضد تسييس المنابر حيث أوقفت إماما بنواكشوط الشمالية على خلفية خطبة تضامن فيها مع قطر ورفض فيها حصار دول إسلامية لشقيقات لها مسلمة. 

وقد ربط متابعون لسياسة موريتانيا الخارجية قطع العلاقات الموريتانية القطرية مؤخرا بإطاره الزماني، ذلك الإطار الذي قطع فيه الحليف السعودي علاقاته مع قطر وأومأ إلى دول إفريقية وإسلامية باتخاذ نفس الخطوة وفق ما أكده أكثر من بيان لوزارات الخارجية بتلك الدول كإيريتريا، مما يعني _وفق ذات المتابعين_ أن قطع العلاقات يأتي تلبية لطلب من السعودية وهو الطرح الذي أكدته تصريحات لوزير الثقافة الموريتاني الناطق الرسمي باسم الحكومة أكد فيها أن موريتانيا "دولة محورية في محاربة الإرهاب والفكر المتطرف، وأصبح يستشهد بمواقفها ومقارباتها الفكرية والأمنية في هذا المجال، وأن أي جهد يقام به في مجال محاربة تغذية الإرهاب والفكر المتطرف يجب أن تحضر فيه موريتانيا"، حيث أن دافع السعودية المعلن لمقاطعة قطر هو رعاية الأخيرة للإرهاب. 

خلاف حقيقي أم مفتعل ؟؟

وقد ضرب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير مثالا على الإرهاب الذي ترعاه قطر باحتضانها لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" حيث وصف الوزير الحركة بالإرهابية، بينما رفضت الحكومة الموريتانية ممثلة في الناطق الرسمي باسمها تصنيف الحركة كذلك واكتفت باتهام قطر برعاية الإرهاب وتغذيته دون تحديد طبيعة ذلك الإرهاب، اللهم إذا كان الإرهاب المعني هو دعم الثورات في عدد من البلدان العربية كسوريا ورفض الانقلاب فى مصر كما صرح بذلك بعض من ابتعثهم الحزب الحاكم في موريتانيا شارحين لبيان الوزارة في بعض القنوات التلفزيونية الخاصة بموريتانيا. 

موقف الخارجية الموريتانية من الإرهاب القطري حسب شراح الحزب الحاكم لا ينسجم مع موقف السعودية التي عبرت في أكثر من محفل دولي عن رفضها لأي دور قادم لرئيس النظام السوري بشار الأسد في مستقبل سوريا. 

وفي خطوة قرأها الكثيرون على أنها مكافأة لموريتانيا على الانسجام مع المبررات والموقف المفاجئ والمتذبذب من قطر، استدعت العربية السعودية وزيرة الوظيفة العمومية الموريتانية السيدة كمبا با وهو ما توقع منه منتقدو قطع العلاقات مع قطر أخذ النظام مكافأة كبيرة على قراره، لتتقزم تلك المكافأة وتنزل إلى "اتفاقية العمالة المنزلية" المشروطة بموانع مهنية وفهم اجتماعي، وفضلا عن ذلك رأى فيها الكثيرون مكافأة مهينة لموريتانيا على جميل انسجامها مع الموقف السعودي لم ترْقَ على الأقل إلى حجم مكافأة نفس الدور لجزيرة عائمة لا يذكرها ذاكر وفوق ذلك كله مهينة لتاريخ شنقيط ومكانتها العلمية.

احتفاء في جو جفاء قبل يومين 

وصل وزير الخارجية الإيراني في أوج الاتهام السعودي لإيران بالإرهاب واشتراطها على قطر التي قطعت موريتانيا معها علاقاتها قطع العلاقة مع إيران. 

وتطرح زيارة رأس الدبلوماسية الإيراني محمد جواد ظريف رفقة وفد من وزارته ضم حسن جابر أنصاري مساعده للشؤون العربية والإفريقية و محمد رضا حاجي كريم جباري مستشار الوزير والمدير العام لوزارة الخارجية ومحمد إيراني المدير العام لإدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية الإيرانية، وإعلانه إبداء الرئيس الموريتاني استعداده لتفعيل الاتفاقيات السابقة وفتح المجال المعدني والبحري أمام المستثمر الإيراني وإتاحة الفرصة للقطاعين الخاصين في البلدين للتعاون فضلا عن إعلانه أن السياسات القائمة في البلدين في محاربة الإرهاب متشابهة؛ يطرح كل ذلك علامات استفهام حول الزيارة وما إذا كانت رجوعا طبيعيا من بعيد إلى حليف سابق، أم هي ردة فعل على مكافأة السعودية المهينة _في حالة التسليم بفرضية المكافأة_ بضربها عبر إحياء العلاقة مع عدوها التاريخي اللدود: إيران. 

زيارة الوزير الإيراني في هذا الظرف تأتي فى ظل حديث عن وجود حسينيات في موريتانيا وامتداد شيعي بنسخته المتطرفة والموغلة في الرفض للآخر السني وهي الخطوات التي ظلت السلطات تغض الطرف عنها ممارسة وهيئات وإن ظهر نشاز من ذلك قبل أيام تجاه نشاط عام كان الشيعة ينوون تنظيمه في العاصمة. 

زيارة الوزير الإيراني والحديث عن اتفاقات رسمية في مجالات اقتصادية يزيد من العلاقة التي كان شقها الاقتصادي متجسدا في مشاريع محدودة سواء كانت مشاريع أفراد كمطاعم شهيرة ومؤسسات بناء وغيرها أو كانت كبيرة مثل مشاريع التزويد بالماء وتجديد الشبكات لذلك، وهو ما يعني أن الجانب الاقتصادي كان موجودا وأن الجديد هو تعزيز له وانتشار. 

وقد عرفت العلاقة مع إيران تقديم مساعدات إيرانية تمثلت في باصات كبيرة للنقل فتحت بها شركة وطنية للنقل الحضري في انتظار الحصول على سيارات أجرة من نفس الدولة، وهو المشروع الذي تعثر، بسبب عدم وجود قطع غيار الباصات وبسبب عدم إرسال الإيرانيين لسيارات النقل الصغيرة فيما قيل حينها إن مرده هو خلاف سياسي بعد زيارة الرئيس الموريتاني لإيران في زيارة رسمية امتدت أياما والتقى فيها عددا من المسؤولين الإيرانيين. 

علاقة خارج التصنيف 

ويرى بعض الموريتانيين أن موريتانيا في علاقاتها مع إيران تخضع لمنطق الدول المقاطعة، حيث تعتبر الإمارات الأكثر عربيا في التبادل التجاري مع إيران رغم احتلالها لجزر منها وتوجد بها سفارة وعشرات رجال الأعمال الإيرانيين، كما تظل السعودية محتفظة بعلاقات تبلغ درجة السفارات مع إيران في ظل أجواء مفتوحة وعلاقة تجارية مهمة، الأمر الذي ربما جعل النظام الموريتاني يرى أن العلاقة مع إيران ليست وقوعا في محظور، بل أمر لا بأس به إن لم يكن محببا، وأن منعها وتشنيعها يظل حكرا على قطر وشرطا خاصا ومقتصرا عليها لإعادة العلاقات معها، بينما لا يستبعد آخرون أن تكون للنظام الموريتاني ردة فعل على مستوى السخاء السعودي معه نتيجة قطع العلاقات مع قطر، في ظل عدم قدرته دبلوماسيا على إعادة العلاقة مع قطر، فاختار إرسال رسالة عن طريق زيارة الوفد الإيراني والحديث معه عن اتفاقيات كبيرة في مجالات اقتصادية عدة ومهمة. 

وتبقى العلاقات الموريتانية مع المحورين السعودي والإيراني وانعكاسهما على العلاقات البينية العربية سائرة في طريق لا يمكن تحديد ملامحه ولا حدود التعاطي فيه في انتظار عودة المياه إلى مجاريها بين أطراف الأزمة الخليجية.

حسينية كشف عنها مؤخرا بدار النعيم، وأكد شهود أنها تبث أفكارا شيعية متطرفة وغريبة على عقيدة الشعب الموريتاني.
جانب من مساعدات إيران التي قدمتها لموريتانيا في عز علاقاتهما، حيث تمثلت هذه المساعدات في باصات شكلت دعامة مهمة لشركة النقل العمومي بموريتانيا