الثيران العشرة : سيرُنّا بلونِ الليل يا وديعة، ولسنا أجانبَ!

أربعاء, 19/04/2017 - 10:32
الشيخ مزيد

 صديقي المُحترم، أحمد ولد الوديعة، استمتعتُ هذا الصّباح، بقراءةِ تاريخ القهر الذي يعيشهُ زنوجُ هذا البلد، والذي حولّتهُ بقلمك المقتدر و صدقكَ لسيرةٍ ذاتية، تجسّدت في السجينة أمّو كان، التي من الواضح أنّها لم تحملُ سلاحاً، ضدّ الدّولة، كما سلفها على هذه الأرض القاسية، لكن أن تكونَ أسود، فلا بدّ أن تدفع الضريبة ولو لغير ولد الجّاي. إنّها حتمية العيشِ في هذا الوطنِ الذي لم يجد أراملُ إينال في هلاله ضوءً ينيرُ لهم عتمة هذه السّنين، و لم تستحل رايته الخضراء حديقة لأطفالِ أمادو صار و جيكو تافسيرو! 
لا أعرفُ يا وديعة، ما الذي استدعى اليوم ، وضعَ لبنةٍ جديدة في سجنِ ولاته، سجن با عبد القدوس، وبوي ألاسان هارونا، حيثُ تمثل ذلك في الزّج بعشرة نشطاء زنوج دفعة واحدة؟ دون غيرهم، في خرقٍ للقانون والظلمِ حتى كما عرفنا وجهَه العزيزي في هذه السنوات الأليمة من حكمِ هذا الديكتاتور الأبيض، لكن الأكيد أنّ هذا ليس سوى استمرارٍ لـاستفزاز الستينات، و تطهير الثمانينات، وغدر التسعينات. 
إنّ المتظاهرين المعتقلين، لم يرفعوا عريضةً فئوية، فمع الأسف، كانوا يحملون مطالب وطنية، تخصُ الشّباب بشكلٍ عام، وليست رسالة 19 التي استدعت تصفية البولار على نحوٍ ما حدث، بل على العكسِ من ذلك، كانت مطالبَ لا أعتبرها ثورية، لأنّها وعودٌ حكومية كاذبة، وذاتيةٌ على نحوٍ ما، وليست مغرية لتظاهرِ الشّباب من أجلها، وحين علمتُ بالوقفة، لم يبدُ لي سوى أنها مسيرةٌ حكومية، لأنّ الشباب الموريتاني، يعاني الآن في الجزائر وتونس، و في ساحلِ غول كدية الجِل، يبحثُ عن ذهبٍ لا يوجدُ منه غير لونِ الشمس، لكن الطريقة الوحشية والعدائية التي عاملت بها السّلطات هؤلاء الشّباب، لا يمكنُ أن يكون دافعها غير العنصرية، فهل بدأ إيقاد الجمر تحت السّنين العزيزية؟
يرتدُ لي الصّدى يا وديعة، و يجري النّهرُ في ذاكرتي، ولا زلتُ كلّما سمعتُ حديثاً عن المقاومة في بلادنا السائبة، وعن الجهاد، أتذكرُ عبد القادر قائد ثورة توروبي و أقولُ ما بهم ينسونه؟ و استحضر "أشهى العلوم وأطيب الخبر في سيرة الشيخ الحاج عمر" الفوتي الذي حلّ بأرضنا حلول المطر، كما حدّث بذلك الحبيب جمال ولد الحسن في ورقتهِ المقدمة في الندوة العالمية التي احتضنت تنبكتو 1996، حول "الحاج عمر الفوتي و بلاد شنقيط : ملاحظات في العلاقات الثقافية و السياسية"،. الشيخ موسى كمرا نفسه صاحب العلم الشهي هذا والخبر الطيب في كتابهِ "أكثر الراغبين" يتحدثُ عن عشرات الموريتانيين الزنوج الذين دعوهُ للجهاد معهم، مثل محمد الأمين المقامي، لا أحد يذكرهم، هؤلاء قاوموا لكنّ المقاومة بيظانية أو لا تكونُ كما هوّ منطقُ من تحبُ أن تسميهم دوماً اللونين يا صديقي.
وحين يحدثنا أحدهم عن فضل البيظان على "السودان" بالعلم، أتعرف أني سأضحكُ ملياً؟ لما لهذا الحديثِ من طرافة، فهل أحدثّهم عن "معدن السعادة" (أوغرد ممل) الذي نظم فيه العلامة الفلاني محمد شامب 1828 كل ما يحتاجهُ المسلم لمعرفة دينه، أم ترديني أن أحدثهم عن الكتاب الذي وضع تلميذه محمد هلا في العقيدة (كب) 1837؟ أم تريدني أن أقرأ لهم من المجلدات التي كتب و ترجم للفلانية في التوحيد العلامة محمد خير الدين مرورو سيسمبو؟ أم أكتفي لهم بقراءة سيّر العلماء و فتاويهم في كيهيدي كما أوردَها البحاثة يحيى ولد البراء في موسوعته؟ ليتواضعوا ويكفوا عن عنصريتهم؟!
لقد ترجم شيخنا عثمان الفودي ( الفودي تعني الفقيه بلغتنا الهاوسية، وتقابلها ألفا لدى الفلان، وأشفاغ لدى أجدادنا الأمازيغ) كتاب الأخضري إلى اللغة الفلانية، وكذلك فعل شقيقهُ عبد الله بمقامات الحريري، و ألّف ألفا سعيد الماسني محنة المعطى "دوكل ذوكو" جمع فيه العديد من المسائل الواردة في المدونة، و تعتبر قصيدة العلامة الفهامة الشيخ محمد علي شام في مدح المجاهد الحاج عمر أكبر مرجع لحياة هذا الرجل الكبير، وقد تناولها صديق البيظان غادن بالترجمة و الشّرح و التعليق، كما التقي بارث الذي زار الشيخ البكاي بالعلامة الماسني ألفا سمب، ووصفهُ بالمطلع على أعمال الفلاسفة، وقد عثر في برنو بداية استقلال موريتانيا على مكتبته التي ضمت الكثير من مؤلفاته التي لا تزال مخطوطة.
صديقي لاشكّ أنّك سبق، واستمتعت مثلي بإلقاءِ القاضي العلامة محمد كيدي يورو لشعر محمد ولد الطّلبة، لكن لا شعراء إلّا شعرائهم، وهل قرأتَ شعر عثمان دياكانا، أم استمعت لِليلي وهم ينشدون في ذاكرة تين يوسف كي العائمة؟ أرأيت، كيف يتوقعون أن نسكت لهم عن وصف هؤلاءِ بالأجانب؟ هم الأجانب يا صديقي! 
أمّا الدولة سواء كانت جنينية أميرية لدى البيظان فقد سبقتهم دول الزّنوج وممالكهم، هؤلاء كانوا هنا قبل هجراتِ الأمس، إنّ كتاب "الأركيلوجيا في السّاحل و الصّحراء" الذي ترجمَ بوبه ولد محمد نافع، تعطي فيه البحوث المتعلقة بموريتانيا شرعيةً قديمة، ما قبل التّاريخ للزّنوج وهذا ما لخصّته منت الحسن في مقدمة تحقيقها لمنظومة ابن حجاب، وتحدث عنه فرنيـه، و كم هوّ صادم لهم أنّ جيش ابن تاشفين في وقعة الزلاقة التي انتصروا فيها كما زعمت أبواقهم الرخيصة قال صاحب الاستقصاء أكثرُ من أربعة آلاف زنجي شارك فيها، أما في السياق الموريتاني، ومشاركتهم في كلّ ما جرى في هذا الفضاء الذي لا يتسعُ لجملة سوننكية فيمكننها أن نحدثهم حتى الغد، لكن ربما يكفي أن نحيلهم إلى إلياذة بدال ولد سيدي ميلة : "تاريخ الزّنوج الموريتانيين ضارب في القدم" لكن، لا يقرؤون! فكيف لنا أن نقبل أنهم أجانب أو يوقّع منّا ذلك؟ لقد رفعتَ صوتك عالياً هذا الصّباح، هذا الصّوت المدوي، كصرخات ولد بيبكر الداعية للإنصاف، وزفرات حبيب ولد محفوظ، فأصواتكم وحيدة لأنّكم واليتم الحقيقة و الإنسان، وأدرتم ظهوركم للقتلة و القبيلة و المفوضية، و الحقيقة أنه ليس هناك شيء له أصل بيظاني اليوم سوى العنصرية فأسماء الأبار كما يوضحُ لنا ولد أحمد يورة ذات جذور صنهاجية، و أسماء الأماكن زنجية، والجبال أزيرية ككْدِنك التي تعني الجبل العظيم كما ورد في التحقيق المتواضع لـ كتاب منح الرّب الغفور ! 
أما حين يتعلقُ الأمر بالقضاء، فالتجربة في جنوبِ ابراهيما أبو صال، وأمادو مختار ساقو الذي مدحهُ الشيخ سيديا ( الأول ترجمَ للثاني، في كتاب "زمن الطِلبة") فقد كانت أكثر عدلاً مما هوّ موجود اليوم، وقد تحدثّ عنه ولد حمّينه في كتابه عن تاريخ القضاء و كبريات النزاعات، التي لا يمكنُ أن نذكرها دون التذكير بـ الاستيلاء على الأرض و الحريق الخامد، على حد تعبير الصحفي عبد الله جكانا في تحقيقه الإستقصائي لموقع كاستايا الضاجِ بالنّواحِ عن مأساةِ أن تكون سنيغالياً حين تموت في الجنوب الموريتاني وعن عودة بلا مقبرة ( تُرجمت المادة و نُشرت قبل شهور على موقع الأخبار)..
صديقي وديعة، لأنّ المثقف كما يقولُ شعب الفلان العظيم، هوّ "م سُمالد جُوب لوند طيي" أي "قريةٌ للراحلين وقدر للمقيمين" فإنّه لمن دواعي سروري أيها المثقف أن أحزنَ معك، وأطالب بإطلاق سراح هؤلاء المعتقلين الذين سجنوا في ذات السّن التي أعتقل فيها إخوتهم الثيران الخمسة كما أسماهم الزعيم أبراهيما مختار صار في قصيدتهِ الموجعة الموقعة في السجنِ المدني حيثُ هم الآن في بداية الغدر الذي ستتحول فيه الثيران إلى عددِ الأشجار في البلاد.
 

الشيخ مزيد