ازويرات: معادن الأرض تكشف معادن الرجال

خميس, 05/03/2015 - 09:38
الدكتور محمد أحيد سيدي محمد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يعتقد الكثيرون ممن لم يطلعوا على التاريخ ولم يضطلعوا بالجغرافيا أن مدينة ازويرات هي عاصمة منجمية لمعادن الأرض فقط ؛ حيث تشكل الحاضنة الأساسية للثروات المنجمية المستخرجة من باطن الأرض على اختلاف أشكالها وكمياتها وقيمتها في السوق، غير أن أغلب هؤلاء لا يعي أن مدينة ازويرات  أيضا هي عاصمة لمعادن الرجال ، فمن رحمها ولدت أصناف نادرة من الرجال وعلى أديمها مشت أنواع هي في حقيقتها كنوز أعلى جودة  لو أحسن استثمارها من كل المعادن  القابعة تحت سطح الأرض.

فمن يتذكر تاريخ هذه المدينة مع المناجم يدرك بجلاء أن معادن الرجال النفيسة كانت مصاحبة لكل مراحل الاكتشافات المنجمية؛ حيث استخرج هؤلاء مناجم الأرض وطوَّعُوها  وعَمَروها غير أنهم لم يرضوا لها أن تستعبدهم أو تُذِلَّهم أو تجعلهم  حثالة يتلاعب بها سدنة الأنظمة وجلادوها، صحيح أن هؤلاء بذلوا دماءهم واستنفدوا عرقهم  في سبيل استغلال هذه المعادن ، لكنهم إنما فعلوا ذلك لينعموا بريعها وينعم به وطنهم دون حيف ولا ظلم ولا استبداد، وكانوا دائما في منتهى الجاهزية  والاستعداد للرفض والإصرار كلما لمسوا معنى من معاني تلك المفاهيم التي لا تستسيغها معادن الرجال النفيسة.

عمال ازويرات ، أو مناجمها  الرجالية أوإن شئت قل: معادنها النفيسة من الرجال ـ كل التسميات دالة وواردة ـ هؤلاء وقفوا في وجه نظام المختار ولد داداه  وناضلوا وحولوا المدينة إلى قلعة للرفض والصمود تكريسا لمعان وقيم آمنوا بها  وما زالت تسري في جيناتهم الوراثية وجينات أبنائهم حتى اليوم ، لقد شكلوا في تلك الفترة حالة وعي استثنائية في زمن لم يكن الوعي فيه بمفهوم الوطن والحقوق قد عرف طريقه إلى نفوس الكثيرين وضمائرهم، ومع أنهم وُوجِهوا بالتنكيل والقهر والظلم وحتى بالرصاص فإن ذلك ما زادهم إلا مضاء وصمودا وقوة ومتى كانت المعادن النفيسة تفقد ألقها ووهجها إذا أشعلت عليها النيران!!

اليوم يثبت عمال ازويرات وهم  يسطرون سطورا جديدة في سفر الخلود والإباء أن معادنهم مازالت نفيسة وأنها لم تتأثر ولن تتأثر بتاتا بحُمَّى كساد المعادن وفسادها ،و يثبتون للعالم أن أسعار معادنهم لم تنخفض وأن أسهمها ما تزال مرتفعة ، وأنه مهما كثرت المعادن الخسيسة التي تحاول أن تغرق السوق فإن زبدها سيذهب جفاء ويمكث هؤلاء الشرفاء في الأرض.

ولعل من يتابع إضراب عمال ازويرات اليوم مدرك لا محالة أن هؤلاء الرجال قادرون على حرق هذه المدينة  في ثانية  غير أنهم مع ذلك لم يكسروا زجاجة ولم يعطلوا حركة مرور ولم يوقفوا أي مرفق عمومي عن العمل، إنهم يمارسون حقهم بشرف ، ويتسامون على التحرشات التي يتعرضون لها من طرف ذوي المعادن الخسيسة، يجتمعون يوميا  في الساحات ويرددون الهتافات ويعبرون عن الخلجات لكنهم يستحضرون أنهم أبناء وطن يجب أن يحافظوا عليه حتى ولو كان مختطفا من لدن عصابة سطو.

عمال ازويرات أيضا وكدليل آخر على أنهم معادن نادرة يجسدون الوحدة الوطنية في أبهى صورها ، يجسدون هذه الوحدة في زمن اتساع الهوة وازدياد الشرخ، فلا يمكنك أن تسمع في مهرجاناتهم اليومية حديثا باسم فئة ولا جهة ولا حتى حزب فما يجمعهم أكبر من ذلك بكثير، إنهم يجتمعون تحت حلم وطن .

أخيرا أوجه لهؤلاء الصامدين الشرفاء أصحاب المعادن السامية أصدق التحايا وأقول لهم واصلوا نضالكم غير هيابين ولا وجلين فأنتم شرف هذه البلاد وأنتم مستودع آمالها فلا تتراجعوا قيد أنملة، ووالله إن الصادقين من أبناء هذا الوطن ليفدونكم بأرواحهم ويشدون على أيديكم في وجه نظام استبدادي متعفن ومعارضة مهترئة متآكلة.

                                                                 عشتم أيها الشرفاء